أغرب من الخيال وأبعد من التوقع وحدث لا يتصوره العقل، أن تقوم الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية (بغزو) مخيم جنين واقتحامه. هذا المخيم الذي ارتبط اسمه بمدينة ستالينغراد السوفييتية في الحرب العالمية الثانية، اقترن اسمه بالصمود في عام 2002 في وجه جحافل القوات الصهيونية، صمد مدة أسبوعين من 1 نيسان/إبريل إلى 15 منه إلى أن نفذت الذخيرة البسيطة بين أيدي مقاتليه، الذين يعدون بمئتين.
حوصر بقوات النخبة من الجيش الإسرائيلي، شارون تابع معركته، ورئيس الأركان أشرف على القوات التي حاصرته. وفقاً للمصادر العسكرية ومنها الإسرائيلية فإن عدد الجنود الإسرائيليين الذين حاصروه 5000 جندي و400 دبابة و125 جّرافة و50 طائرة كانت تقصفه ليلاً ونهاراً. باختصار مخيم جنين الذي ضُربت الأمثال بصموده وشجاعة مقاتليه، اقتحمته قوات السلطة في أواخر تشرين الاول/أكتوبر الماضي، جيّشت له السلطة 200 دورية من الأمن الوطني والقوة 101، المعروفة بأنها الأعلى تدريباً في الجهاز، إضافة إلى دوريات أمنية من أجهزة المخابرات والاستخبارات والأمن الوقائي وحرس الرئيس. اقتحموا المخيم عند الساعة الواحدة ليلاً وأغلقوا جميع مداخله.
السلطة مارست تضليلاً كبيراً في تبرير الاقتحام، بأنه جرى لمحاسبة الفاسدين والخارجين عن القانون! وحول هذه المسألة نقول، قد يكون البعض من ساكنيه فاسدين وخارجين عن القوانين، لكن من المستحيل أن يكون ساكنوه جميعاً من هؤلاء. الحملة الجماعية في حقيقتها جاءت لإرهاب المخيم، ضمن عملية استعراضية عسكرية أمنية، وتخويف ساكنيه. كنا نتمنى لو أن هذا الاستعراض جرى في مستوطنة صيهونية من المستوطنات المنتشرة في الضفة الغربية انتشار النار في الهشيم، وما أكثرها. الاقتحام أتى من أجل اعتقال المقاومين، وكي لا تنطلق عملية مقاومة واحدة ضد الإسرائيليين منه. ليس معقولاً ولم يكن متوقعاً، ولا يمكن التصور، ان إسرائيل والسلطة تشتركان في قاسم مشترك أعظم وهو اقتحام المخيم. كان المخيم عصياً على الجيش الإسرائيلي وظلّ عصياً على اقتحام القوات الأمنية التابعة للسلطة، التي لم تستطع التجول إلا في أطرافه وليس في عمقه. أجهزة السلطة اعتقلت أكثر من 70 مواطناً، ادّعت أنهم من المطلوبين لديها، على قضايا جنائية وأعمال مخالفة للقانون، كإطلاق النار على مقر المقاطعة في جنين، وإلقاء زجاجات حارقة عليها، وإحداث انفلات أمني بالمدينة.
كما اقتحمت هذه الأجهزة منزل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي والمطلوب لقوات الاحتلال الشيخ بسام السعدي، وقامت بعملية تفتيش منزله، نثروا خلالها محتويات دواليب الملابس على الأرض، وقاموا بالاستيلاء على الحاسوب، وتحطيم بعض محتويات البيت. كما داهمت منزل شقيق القيادي في حركة الجهاد محمود السعدي واعتقلوا اثنين من أبنائه. مع العلم أن الشيخ بسام السعدي هو والد شهيدين وعم شهيد وابن شهيدة وزوج أسيرة في سجون العدو الصهيوني.
المخيم اشتهر بالصمود في وجه الاقتحامات الإسرائيلية وآخر اقتحام له كان في عام 2011. الآن للأسف يُضاف اليها الاقتحام الذي نفذته السلطة الفلسطينية من خلال القوى الأمنية التي أشرف على تدريبها دايتون وخليفته، وهو المشرف العام أيضاً على التنسيق الأمني بين المخابرات الإسرائيلية وأجهزة الأمن الفلسطينية.
منذ قدوم محمود عباس إلى السلطة كان همه الوحيد التخلص من المقاومة والمقاومين (المقاومة أصبحت في نظره إرهاباً!) فأصدر الفرمانات السلطانية باعتبار الأجهزة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، تنظيمات غير مشروعة. قامت أجهزته بملاحقة المقاومين واعتقالهم، ولا يزال الكثيرون من المقاومين والناشطين من كافة التنظيمات الفلسطينية معتقلون من قبل السلطة. دعا عباس أيضاً المقاومين إلى تسليم أسلحتهم مقابل عدم اعتقالهم وضمان عدم ملاحقتهم من قبل الإسرائيليين. الذي حصل أن البعض ممن سلّم أسلحته، تم اعتقاله من قبل السلطة، وآخرين لاحقتهم إسرائيل وقامت بتصفيتهم. المقاومة بالنسبة لعباس والسلطة أصبحت أيضاً (عنفاً غير مبرر) والأسلوب الوحيد للمقاومة الذي يٌشّرعه عباس هو’المقاومة الشعبية’ التي هي الأخرى مفروض عليها أنها لا تستعمل الأسلحة ولا حتى الأحجار، وإلا كانت انتفاضة، وهو ما صرّح به عباس مراراً بأنه لن يسمح مطلقاً بقيام انتفاضة جديدة. هذا كان جزءا أساسيا من الأهداف (التي كانت في مخيلة أبو مازن عندما أعطى الأمر باقتحام مخيم جنين، ولربما الذي أعطى الأمر هو خليفة دايتون) لاقتحام مخيم جنين.
للعلم أيضاً فإن أجهزة السلطة اقتحمت بيت بسام السعدي للمرة الثالثة على التوالي خلال 48 ساعة، إلى جانب اقتحامها لبيت والدته، وبيت ابن عمه وزوج اخته، وبيوت أشقائه واعتقال 3 منهم وكذلك اقتحام بيت الشهيد قائد سرايا القدس في منطقة جنين أشرف السعدي.
ليس مصادفة أن يجري استهداف المخيمات في الوطن والشتات في ذات الوقت، فقبل بضعة أشهر وتحديداً في السادس والعشرين من آب/أغسطس الماضي اقتحمت قوات الاحتلال الصهيونية مخيم قلنديا وقتلت ثلاثة من أبنائه، استشهدوا وهم يقاومون، ومن ثم جرت اقتحامات لمخيم جنين كما ذكرنا، وفي الفترة نفسها يجري استهداف المخيمات الفلسطينية في سورية على أيدي الأصوليين، بهدف دفع شباب المخيمات الفلسطينية إلى الهجرة، وبالفعل هاجر عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى الدول الأوروبية، مع العلم أن كثيرين منهم ماتوا غرقا في ‘موسم الهجرة إلى الشمال'(مع الاعتذار للروائي السوداني الرائع المرحوم الطيب صالح).
المخيم هو دلالة واضحة على المعاناة الفلسطينية، وهي أيضاً دليل راسخ على العذابات والظلم التاريخي الذي تعرّض له الفلسطينيون على مدى قرن زمني وما يزالون، السلطة تقترف خطيئة كبيرة في اقتحامها للمخيمات ومنها مخيم جنين، وتقترف خطيئة أكبر في مفاوضاتها مع العدو الصهيوني، الذي يسعى جاهداً إلى زرع 95′ من أراضي الضفة الغربية بالمستوطنات، التي في أي حل تسووي سيتم ضمها إلى إسرائيل، التي تنتهج سياسة فرض الأمر الواقع! المفاوضات تجري في ظل تهويد القدس وتدنيس المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، تجري في ظل المخططات الإسرائيلية لإقامة كنيس يهودي على الجزء الجنوبي منه، المفاوضات تجري في ظل إصرار إسرائيل على الوجود الأمني في منطقة غور الأردن، وفي ظل الإصرار على أن تكون الدويلة الفلسطينية العتيدة منزوعة السيادة حتى على معابرها وسمائها وبحرها وما تحت أرضها! فهذه كلها تبقى بأيدي الإسرائيليين.
ومع كل ذلك يظل الرئيس عباس على وجهة نظره، بأن المفاوضات هي الخيار الاستراتيجي للسلطة الفلسطينية، ناسياً أو متناسياً القانون الأزلي لحركات التحرر الوطني على مستوى القارات الثلاث، آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي أن المقاومة بكافة أشكالها وأساليبها، بما فيها الكفاح المسلح، هي القادرة على تحرير الأرض وطرد المحتلين منها. القضية الفلسطينية ليست استثناء من هذا القانون. المقاومة مشروعة بقرارات من الأمم المتحدة: القرار رقم (3034) الصادر بتاريخ 18 كانون الاول/ديسمبر 1972 حول النضال العادل للشعوب، ومما جاء في القرار المذكور، ‘أن الجمعية العامة تؤكد من جديد على الحق الراسخ لجميع الشعوب التي لا تزال رازحة تحت نير الأنظمة الاستعمارية أو العنصرية والأشكال الأخرى للسيطرة الأجنبية، في تقرير المصير وفي الاستقلال، وتؤيد الطابع الشرعي لنضالها، وعلى الأخص النضال العادل الذي تخوضه حركات التحرر الوطني وفق منظومة وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات هيئاتها بهذا الشأن’. لقد شرّعت الأمم المتحدة كذلك استخدام الكفاح المسلح من قبل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في قرارها رقم (3314) الصادر في 14 شباط/فبراير1974، أجازت هذا الاستخدام من أجل الحرية والاستقلال والحق في تقرير المصير. رغم كل ذلك فإن السلطة ومحمود عباس يصران على التفاوض ليس ذلك فحسب، وإنما اقتحام المخيمات الفلسطينية في عملية ‘تطهير’ واضحة لها من المقاومين!
‘ كاتب فلسطيني