بعد إصدارين شعريين، وإصدارين في أدب المكان وواحد قصصي. ثمة حكاية كان على الشاعر ‘جلال برجس’ أن يقولها روائياً، ليس لأن في الرواية مساحة لانهائية من القول، بل لأن في الرواية ما لا يحتمله الشعر..
ومما لا شك فيه أن هذا التحول العميق في أسلوب كتابة الشاعر المغامر ‘جلال برجس’ ما يزال يثير دهشتنا وانبهارنا، وما نسعى إليه اليوم من خلال هذا الحوار هو إبداء الملاحظات وإثارة بعض الأسئلة الحائرة حول هذه التجربة العميقة ومحاولة مناقشتها بصورة مختصرة لإبراز بعض السمات العامة التي تميزها.
إن هذا الحوار، حتى وإن انطلق من فكرة تسليط الضوء على رواية ‘مقصلة الحالم’ الصادرة مؤخراً عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة عمان للشاعر الأردني جلال برجس، فإنه تَشَعَّبَ لِيَطال كلّ جوانب الإبداع والمعرفة والحياة.
حول تجربته الإبداعية وجوانب من خصوصيتها كان هذا اللقاء:
‘ من هو جلال برجس ؟ هل لكم أن تعرفوا القراء الكرام بالبدايات والمؤثرات التي أثرت في نشأتكم شاعراً ؟
‘ من هو جلال برجس؟ أعجز أحياناً عن العثور على إجابة تناسب هذا السؤال الذي يشبه مرآة تقف فجأة قبالتي. هل أنا ذلك الوليد الذي تلقفته (الداية) في عصاري الثالث من حزيران في العام 1970 في (حنينا) التي ماعادت قرية يرتفع في سمائها دخان الطوابين، وأغاني الرعاة، وأهازيج الحصاد. تلك القرية التي كنت أقعي على ربوة فيها لساعات، أطل على المدينة وأحلم بها. هل حقاً أنا هو ذلك الذي سار منذ يوم ولادته إلى هذه اللحظة، ممتدحاً أحلامه، وأمنياته. لا أدري هل أنا حقاً من يحمل هذا الإسم، أم أنه واحد غيري. وهل إن قلت أن ليالي الشتاء حول المدفأة وهي تأكل أبدان الخشب، في وقت كنت أحس فيه أن ثمة شيء يحترق في دواخلي، وبالتالي استقامت الخربشات على السطر وصارت كلمات توحي إلى شيء، إن قلت ذلك هل أكون قد التقطت بدايتي في الوقوع بخطيئة الشعر والكتابة؟ لا أدري كيف كانت البداية، لكن ثمة مشاهد تلعج أحياناً في سماء الذاكرة، ذاكرة الطفولة. مشاهد تأتيني بغتة ( امرأة تزيل الشعر من فخذيها، تنتبه وأنا أقف محاولاً فهم مايجري، تصرخ بي ثم تصفعني على وجهي، فأغادر وانا أنظر إلى الوراء أحاول فهم ما يجري)، (نساء ينحن قبالة تابوت يُسجى فيه رجل ليس في شعره شيبة واحدة، ثمة امرأة تقدّ قميصها وهي تصرخ فينكشف عن نهدين أبيضين، بينما أقف قبالة التابوت استهجن فكرة أن النساء يزعجن ذلك الرجل النائم) (قمر معلّق في سماء صيفية، وأنا مندس في فراش عمي في الخلاء يحرس بيادر القمح هو وأعمامي الآخرون، عمي الذي أرهقته بتساؤلاتي عن قمر يشبه نصف رغيف من خبز الطابون البلدي) (وجه جدّي وأنا استعجله وهي يصعد نحو البيت قادماً من المدينة مادبا، استعجله بكذبة لا أدري ما لونها، وأنا اخبره بأن (عمي عبدالعزيز) قد عاد من الغربة. يفتش كل غرف البيت وانا أمشي بقربه، وعندما لم يجده صفعني على وجهي ثم احتضنني وراح يبكي لفرط افتقاده لغائبه. هل كانت كذبة تأخذني نحو حقائق).
هل حقاً كانت البداية مع عمي عزيز؟ لقد رآني أحتفظ بأوراق فيها خربشات وعبارات ليست متماسكة. بوح ركيك، ومحاولات لقول شيء ما. قرأ تلك الأوراق جيداً، ثم ابتسم وهو يهديني دفتراً، وريشة حبر ودواة، ومبلغاً لأحصل على اشتراك في المكتبة العامة. بعد زمن راح يحدثني عن المتنبي، وبودلير، وأمل دنقل، وعرار، وبوشكين، وبايرون، ودرويش. هل كان (عمي عزيز) شاعراً يتخفف من عبء السياسة ليلاً ويأوي إلى أوراقه التي لم تنشر بعد؟
السؤال الثاني:- يعوّل جلال برجس في روايته الصادرة مؤخراً ‘مقصلة الحالم’ على الحب بمختلف تجلياته كجواب وملاذ، مقابل زمن تؤثثه الحروب والإنهيارات العالمية التي تهدد القيمة الإنسانية، ويرى فيه، أي الحب، جبهة أخيرة يمكنها أن تقي الإنسانية من الإنهيار، عبر لغة روائية لم تطغ فيها الرؤى الشعرية على أساسيات كتابة الرواية. ماذا عن هذه الرواية، ولماذا يكتب الشعراء الروايات؟
‘مقصلة الحالم’ فكرة كنت أحس بدبيبها منذ زمن طويل، شخوصها ولدوا وكبروا معي. كنت أراهم يمشون إلى جانبي، وأسمعهم حتى في عقر الضجيج. ربما هو توق الحالم لفضاءات أكثر رحابة. نحن نحلم، وفي نفس الوقت تعترض طريقنا كثير من المقاصل، لكن الممتع في الأمر أننا مازلنا نحلم، منتصرين على فعل المقصلة، إنه ذات النصر الذي يحظى به القتيل على القاتل في لحظة الموت الحرجة. إنها روايتي الأولى بعد إصدارين شعريين، وإصدارين في أدب المكان وواحد قصصي. ثمة حكاية كان علي أن أقولها روائياً، ليس لأن في الرواية مساحة لانهائية من القول، بل لأن في الرواية ما لايحتمله الشعر. ثمة عدواة بين القصيدة الحديثة وبين المباشَرة. في الرواية ثمة مساحات على الروائي فيها أن يكون مباشراً، لتحقيق صدمة ما في مفصل من مفاصل الرواية.
يسألني صديق بعدما قرأ خبر صدور الرواية، هل تركت الشعر؟ كان عليه أن يسألني، هل امتلكت تلك الطاقة التي تعينك على ترك الشعر؟ بالطبع لا لأن خياراً مثل هذا الخيار يوازي فعل الموت. لهذا يبرز تساؤل آخر بات يُطرح بكثرة هذه الأيام، لماذا يكتب الشعراء الروايات إذن؟ ليس الأمر بالنسبة لي، على الأقل، استسلاماً لتأثير غواية الرواية، و’فتنة السرد’ في زمن يلقى فيه على الرواية ضوء كثير. بل أنه إيقاع قديم كان يوازي لذة شرب الماء في يوم قائض. أنا ابن قرية بقيت لزمن طويل تعيش حالة وسطى مابين البداوة والريف. قرية تخلى أهلها عن إطار بيت الشعر الشكلي، وتمسكوا بإطاره الثقافي، لهذا ثمة كثير من الحكايات كانت تقال في ليالي الشتاء، وأوقات الحصاد، وصباحات الربيع. كنت مستمعاً جيداً بالفطرة. وفي حكايات القرى هنالك مخيلات لا تتوقف عن الاتساع، تبدأ الحكاية بسيطة كأن يواجه رجل حيواناً مفترساً فيروي حكاية بقليل من الإضافات، فتأخذ الحكاية اضافة سحرية على واقعها. وبعد زمن يبدأ تناقُل هذه الحكاية، وكل رواي يبتكر اضافاته الخاصة إلى أن نصل إلى درجة فيها يصير المتلقي مُقدِّساً للمروي عنه. إنها الرغبة الملحة في القص، وأدواته الفطرية، تلك التي تفرضها مناخات وفضائية قروية وبدوية. اضافة إلى عوالم القرية التي أثثتني بشهوة الشعر والرواية، كنت أمضي كثيراً من وقتي بمعية جدتي، التي – رحمها الله- كانت تحاول دوماً أن تبقي على تفاصيل العيش في زمنها الذي مضى، غير مقتنعة بهذا الزمن الجديد. هنالك نوعان من الحكايات تقولها، واحدة تبدأ بدمعة تنحدر على خدها الموشى بنقوش بدوية، وأخرى تبدأ بابتسامة فرح تنتصر على تفاصيل زمن جديد لا يعنيها. حينما تشرع بقول الحكاية تضعني بتفاصيل المكان، الطقس، الوقت، التضاريس. ثم تنتقل انتقالة سلسة إلى الشخوص، هيئاتهم، أعمارهم، أمزجتهم، تاريخهم، حتى رائحتهم، ثم مرة واحدة أجدني وهي تتحدث قد بدأت أوغل في الحكاية مصاباً بالشوق لما يمكن أن يحدث. وفي نهايات حكاياتها ثمة هاوية. هاوية فرح، أو هاوية مؤلمة توحي إلى شيء. جدتي لم تقرأ ‘تشيخوف’ مثلاً، وتشيخوف لم يستمع لجدتي بالتأكيد، لكنها تلك العوامل التي أوجدتها مناخات وطقوس وعناصر القرية، والصحراء.
‘ جلال برجس، حين تعيد قراءة ما كتبت، ماذا تكتشف؟
‘ ثمة مشاعر غريبة تفاجئني، عندما أعود بعد زمن لما كتبت. كأن ما يحدث هو أن ترى المُنجز بعين جديدة، لم تتوقع أن جزءاً ما في تكوينك يحتويها. أؤمن أننا في لحظة الكتابة لانكون على الأرض بكل ابعادها العامودية و الأفقية. بل نكون خارج كل شيء حتى فكرة ما نكتب عنه. الأمر في زمن الكتابة ليس تحليقاً فقط، إنه شكل من أشكال الموت اللذيذ والمؤقت، وبالتالي انفلات الروح من مكانها. إنه تحايل غريب تفرضه كيماء غريبة،تماماً كشخص يرى مشيعيه ويرصد أمزجتهم.
وليست الحالة أيضاً رؤية ما حولنا بشكل مختلف، أو بذلك الشكل الذي نحلم به فقط، إنه أيضاً حالة سرية عصية على التصنيف. في لحظة إعادة القراءة هنالك مشاعر غريبة تهجم علي، تتعدى فكرة محاكمة الذات المبدعة، وتقييم مستوى الكتابة، وبالتالي الرضا عنها أم لا. تتعداها إلى كنه فكرة الكتابة ذاتها. كأن أتسائل مثلاً، هل كنتُ حزيناً إلى تلك الدرجة التي رأيت فيها الريح في ليلة شتاء موحشة، وصفيرها يعلو في الصحراء (كطفل أضاع الجهات وأقعى ينتحب). لهذا أكتشفني متلبساً خارج طقس الكتابة، حينها يمكنني أن أحاكمني عبر ذلك البند القائل، كم هي المسافة بين جلال في لحظة الكتابة وبين جلال خارجها. وهل حقاً أكون خارج الكتابة.
‘ماذا يعني لك الشعرُ في اللحظة الراهنة ؟ وكيف تنظرون إلى الشعر الأردني الحديث ؟
‘ أكاد أرى الشعر في اللحظة الراهنة كبنك الدم، عندما يراق دم إنسان ما، نهرع إليه حتى يمكنه أن يعيش. تماماً هكذا الشعر يد تسندنا، لكن البعض لا يحس بها إلا حينما نترنح كمقدمة أولى للسقوط، لهذا السبب تولد كثير من القصائد وقت الحروب. أما بالنسبة لحال الشعر الأردني الحديث أرى أنه بخير، هنالك العديد من الأصوات الشعرية بدأت تتخذ مسارها المبشر بطاقات شعرية يعول عليها. هنالك من يرون أن الساحة بدأت تعج بشعراء وبشاعرات كثر لكن الشعر قليل. حسناً إن كان ذلك فهذا عائد إلى تراجع الحركة النقدية في هذا الشأن، فكثير من التجارب تقطع شوطاً دون مواكبة نقدية حقيقية تبتعد عن تلك القراءات الانطباعية التي لا تقع إلا في باب الترويج الإعلامي. بعض تلك التجارب تننتهي في بدايتها، وبعضها يستمر.
‘ما هي القضية الرئيسية عند جلال برجس ؟
‘ كل شيء هو قضية إن كان هنالك ضرورة ليكون الآدمي شاعراً أو روائياً، أو كاتباً. ليس هنالك أديباً أو فناناً بلا قضية. قضيتي الإنسانية، ذلك الفضاء اللانهائي الذي أحلم به نقياً تذوب فيه اعتبارات العرق واللون والدين، ويصبح الكائن بإنسانيته هو المعيار الوحيد.
‘ جلال برجس، بصراحة، كيف يكون الشعر؟
‘ الشعر كائن يَرى ولا يُرى، في جعبته كثير من الدهشة، وفي نبضه صدمة تستهدف القلب والروح. إنه كائن يخطف أنفاسك ثم يعيدها لك، فتغمض عينيك لا لتتلذذ بعودة تلك الأنفاس لك، بل بتلك اللحظات التي عشت فيها ذلك الإنخطاف اللذيذ.
‘ ما هي وظيفة الشعر في رأيكم ؟
‘ القِدر لا يستقر إلا على ثلاث أثافي، والحياة هكذا، أثافيها الشعر، والروح، والحب. أما العناصر الأخرى للحياة فهي متداخلة بتلك الأثافي دونما أن نحس. قل لي، إلى ماذا ستؤول الحياة إذا ما غاب الشعر مثلاً. ما سيحدث، هو تماماً ما سوف يحدث لقِدر نَزيح إحدى أثافيه جانباً، بالتأكيد سوف يندلق وتنطفىء النار، وبالتالي لن يحصل من ينتظرون وجبتهم، على حصتهم من الغذاء. إذا فالشعر غذاء ليس فقط للروح والقلب، بل لجسد الحلم الذي يتماهى بجسدنا، إن غاب الشعر سيموت، ونموت نحن بمعيته. إنه المقاتل لأعداء الحياة حتى لو كان الخطاب ذاتياً.
‘ برأيك هل الشعر العربي في أزمة ؟ وهل نحن في مأزق ثقافي حقيقي، وما هو المطلوب منا للخروج من المأزق؟
‘ أعتقد أن مايراه البعض أزمة،لا يمر بها الشعر العربي وحده بل الشعر بشكل عام، هي مرحلة حتمية، لأن الشعر مرتبط بمراحل التطور الإجتماعي في الحياة. ثمة عداوة كبرى بين الأدب وبين ثلة ممن يمكلون حصة كبيرة تعادل ما يملكه البشر مجتمعين من المال. الشعر عدو الثقافة الإستهلاكية، لهذا توضع العراقيل في دولابه الكوني. لكن من هو المنتصر في النهاية؟ بالتأكيد هو الشعر، والثقافة الحقيقة الملتزمة بقضايا الإنسان. إذن المطلوب منا لتحقيق هذا النصر هو الإعلاء من شأن المزاج الإنساني البحت للوقوف بوجه محاولات تسطيح العالم، وتحويله إلى منظومة كبرى لاترتهن إلا لثقافة الاستهلاك.
‘ هل صحيح أن ثمّة نفور وعدم تواصل مع قصيدة النثر.ما ردّك ؟ وماذا عن موقفكم من الحرب الدائرة ضد قصيدة النثر منذ سنوات؟
‘ مازال هنالك نفوراً من قصيدة النثر، لكن المبهج في الأمر هو تناقص حدة ذلك النفور بشكل يشير إلى نتائج إيجابية تلوح في الأفق. أما الحروب المفتعلة ضد هذا الشكل الشعري الحر، فهي أمر طبيعي، لابد أن تمضي سياقاته الزمنية فيستقر. الحياة تمر بإيقاع سريع، لذلك ولدت قصيدة النثر، ولانعلم ربما يولد بعد زمن شكل شعري آخر، وتولد معه حروب مضادة وأخرى مؤيدة، إنها ديناميكية الشعر وظروفه.
‘ ما هي حدود الايدلوجيا والإبداع.. وأين تكمن الخيوط الفارقة بين جمالية النص الشعري وأخلاقياته، بمعنى آخر ما هو الالتزام عند جلال برجس؟
‘ الإلتزام عندي هو التعاطي مع مايفيد الحياة. ربما الإقتراب من ثالثوث المحرمات من وجهة نظر البعض يعتبر خرقاً لهذا الإلتزام، لكن هو الشعر لا حدود له، فللحياة عناصر إن أغمض الشاعر عينيه عنها بحجة أخلاقيات النص الشعري، بالتأكيد سوف يحظى بقصيدة عرجاء. ليس هنالك قصيدة تخلو من الإيديولوجيا، لكن تمددها يفسد الشعر بمباشرته الفجه، وبانحيازها الذي لا يقبل التقاطع مع أراء مغايرة لها.
‘ تشغلنا في الفترة الأخيرة الثورات العربية.. تلك الثورات التي غيرَّت من خريطة الأنظمة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج وأخرجت الشعوب العربية من صمتها وسؤالي:- ما هو دور الشاعر كما يراه الشاعر جلال برجس وبصيغة أخرى هل استطاع الشاعر أن يكون مؤثراً في تلك الثورات قبلها وبعدها ؟ ثم هل نجد الواقع الآن تربة خصبة ليكون الشعر هو اللغة الكاملة التي تملأ الآفاق و تتوغل في الأعماق ؟
‘ بالتأكيد كان للشعر دوراً مهماً فيما حدث، وقد لمسنا ذلك في حراكات شعبية ولدت فيها قصائد، ورفعت عبرها شعارات، شعرية في الأصل. لكن ثمة انتكاسات حدثت في هذا الصدد، وسببها تلك الضبابية التي تجتاح مشهد الثورات العربية. ثمة قصائد سوف تحظى بها الساحة الشعرية العربية تستلهم تلك الثورات، لكن ليس الآن، ربما بعد سنوات عديدة. حينها سيكون الشعر لغة كاملة.
‘ما هي تخوم المحلية والعالمية في النص لشعري؟ وهل تطمح يوماً ما الى العالمية؟
‘ النص الشعري الذي يتلقاه مواطن في البرتغال ويعجب به، بينما شاعره من الأردن مثلاً، هو النص الذي يصل للعالمية، حتى لو تطرق لقضية محلية. إنها ميزة لا تتوفر إلا في النص الشعري الصادق، لذلك أراني أحلم بكتابة نص شعري أكثر صدقاً.
‘ ما رأيكم بعلاقة الشاعر بالسلطة ؟
إنها علاقة تفرض كثيراً من التنازلات، والقصيدة التي تولد من قبل شاعر قدّمَ مثل تلك التنازلات هي قصيدة ناقصة.
‘ بعيداً عن الشعر؟ كيف تراقب الوضع العربي الراهن؟ وما هو دور المثقف العربيّ في التغيرات الجذريّة الحاليّة ؟ وكيف تقيمون الواقع السياسي العربي الراهن؟
الوضع العربي هذه الأيام، ضبابي بشكل خطير، فرِحنا ببداية الثورات من باب أنها ستبدل الحال إلى ماكنا نطمح إليه من حرية وعدالة وديموقراطية، لكن للآن لم نجن سوى الدماء، ومزيداً من الموت. سرقت ثورات، وتحولت ثورات عن مساراتها، وتبين أن هنالك ثورات خادعة. لذلك هنالك دور كبير على المثقف العربي الملتزم بقضايا أمته وبقضايا الإنسانية أن يكون فاعلاً عبر ثقافة تنويرية كاشفة توضح حقيقة ما يجري.
‘ ما هو أثر شعرك خارج الحدود؟ وهل تعتقد أنك قمت بواجبك في هذا المجال؟ وما تقديرك لتأثير الترجمة على المبدع ؟
‘ الثورة الهائلة في مجال الإتصالات، جعلت المبدع غير مرتهن لدور المؤسسات الرسمية والأهلية في تخطي الحدود، اجتزت السياج الذي تكمن خلفه فضاءات عربية. لكن الفضاءات الأجنبية مرهونة بالترجمة صاحبة الدور المهم في إحداث الأثر. هنالك خلل كبير فيما يخص الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الحية، وهنالك مجموعة من الجهود الرسمية والأهلية عليها أن تتضافر حتى يصل صوت المبدع العربي إلى العالم.
‘ ما هو المعوق الأساسي في أن يكون للمثقف دوراً مؤثراً على حركة الشارع والناس والحياة ؟
‘ المعوق الأساسي في هذا الشأن هو وجود الثقافة في آخر سلم الأولويات بالنسبة للحكومات العربية. هذه المرتبة التي إن بقيت على هذه الحالة سوف تقصي الثقافة نهائياً. لم تعد تقنعني تلك المقولات التي تشير إلى أن الأدباء يكتبون أدباً نخبوياً، وبالتالي وجدت تلك الهوة بينهم وبين المثقفين. والدليل أن مناهجنا الدراسية، لا تحظى بنصوص أدبية حديثة. وأن من لا يحالفه الحظ بتخصص من تلك التخصصات الرائجة في الجامعة يقبل بتخصص اللغة العربية، وتخصص الآداب بشكل عام، وبالتالي يعمل في سلك التعليم، دون تلك الطاقة المعرفية التي يمكنها أن تؤسس لجيل يحترم لغته وأدباءه.
‘ كيف تنظر الى التجريب في الشعر ؟ وبرأيك ،هل نعيش اغتراباً يفصل الجمهور عن الشاعر، وهل انتهى عصر وجيل العمالقة في الشعر والأدب عموماً ؟ وهل حداثة الشعر هي السبب ؟
‘ التجريب خطوة مهمة، مادامت الحياة وتطورها مبني على التجربة. لكن هنالك محاولات حداثية تجريبية لم تكن ناجحة أدت إلى اغتراب المتلقي عن الشاعر. وذلك عائد لاعتقاد البعض ان حداثة الشعر تعني الفوضى. لابأس، لكن المُلاحَظ أن تلك الخطوات العشوائية في التجريب قد تلاشت وبدأنا نحظى بتجريبية حقيقية، تجريبية باتت مقنعة للمتلقى. هنالك جيل جديد من القراءة ومن محبي الشعر لاتعجبهم القصائد المسطحة، والقصائد التي في النهاية لا تقول شيئاً.
‘ هناك حالة من الوهن الذي تعيشه ثقافتنا اليوم، هل صحيح أن الهبوط السياسي العربي قد جرَّ معه الأدب وأنواع الفنون الإبداعية الأخرى، بمعنى أخر ، هل صحيح أن الوطن العربي يعيش حالة ذبول في الإبداع الثقافي ؟
‘ ليس هناك ذبولاً في الإبداع الثقافي، لكن الخلل يكمن في تسليط الضوء على تجارب لاتستحق، وإهمال تجارب ناجحة. وذلك عائد إلى تنامي ظاهرة الشللية في الأوساط الثقافية، والتعاطي بمفهوم المصالح المشتركة. والضحية بالتالي هو المتلقي. المتحرك في داخل بقعة الضوء يوحي أنه هو الحي، وأن الآخر الغائب ميت. لذلك يأتي الحكم على كثير من التجارب المعلن عنها بأنها سيدة المشهد وبالتالي المشهد واهن.