إن المتتبع لسيناريو الأحداث منذ إشتعال الشرارة الأولى لأولى الثورات الشعبية المصرية في القرن الواحد والعشرين وحتى اليوم سيكتشف بأن قادة جماعة الإخوان المسلمين لم يكن لهم إلا دور واحد فقط فيها وهو السعي الدؤوب لإسقاط هذه الثورة وإفشالها ربما عن عمد تنفيذاً لتوجيهات وتوجهات معينة من جهات معينة وربما عن غباء من قادتهم السابقين وتم إستغلاله من جهات معينة.
ومن المؤكد أن هذه الجهات ليست جهات محلية فحسب ولكن كان من بينها جهات دولية أيضاً وعلى رأسها السعودية والإمارات والتي بكت وتباكت على مبارك، ولما لا، فمبارك وأبناؤه كانوا الأخلاء الأوفياء والولاة الأوصياء على إمارة ‘مصر’ الخليجية.
وأنا يقيناً أستبعد بأن قادة الجماعة كانوا يعملون لصالح هذه الجهات المحلية والدولية عن عمد، ولكنهم كانوا بالتأكيد أداة مغيبة وطيعة لتنفيذ خطة ما تم وضعها، وتم إختيارهم وإستغلالهم فيها بسبب طمعهم السلطوي اللا محدود.
فمنذ أيام ثورة يناير الأولى وحينما كان غالبية الشعب في الشوارع كان قادة الجماعة يجتمعون مع قادة النظام السابق ومع حفنة من مرتزقة السياسة في العهد السابق وكانوا يحاولون أن يظهروا بأنهم أصحاب اليد الطولى في مجريات الأحداث وقد تم إعطائهم الفرصة إعلامياً لهذا الظهور .. حتى صدقوا أنفسهم.
وحتى في عهد المجلس العسكري كان قادة الإخوان هم اليد اليسرى للمجلس العسكري إعلامياً وسياسياً ولم يكن لهم إلا مهمة واحدة وهي تبرير الأخطاء والإنتهاكات التي حدثت في تلك الفترة. وفجأة تم الدفع بهم دفعاً والزج بهم زجاً في لعبة سياسية أكبر منهم، ومن دفعهم معنوياً كان يعلم علم اليقين بأنهم سينفذون السيناريو المطلوب حرفياً وبطريقة عفوية كالطفل الذي يتم إستغلاله وإستمالته بإعطائه لعبة مفخخة.
وبدأ بعدها الصراع التمثيلي الهزلي بين قيادات جماعة الإخوان وبين قادة المجلس العسكري والتي إنتهت بوصول ‘أغبى’ شخصية في جماعة ‘غبية’ لسدة الحكم .. وكان هذا هو المطلوب بالتحديد.
وبغض النظر عما إذا كان وصول ‘محمد مرسي’ لسدة الحكم نتيجة صحيحة أم تم تزويرها لكنها كانت النتيجة المطلوبة لإستكمال السيناريو الموضوع بحرفية، وربما العبارة الكوميدرامية والتي قالها المشير طنطاوي وتم نشرها إعلامياً بأنه وقت النتيجة كان ‘يقضي حاجته’ لهي أكبر دليل على أن النتيجة كانت معروفة مسبقاً.
وقد حققت الخطة الموضوعة أهدافها بدقة متناهية والأعجب أنها قد تعدت هذه الأهداف وحققت أهداف أخرى لم تكن في الحسبان.
فالخطة الموضوعة كان هدفها الأول هو تبرئة مبارك إعلامياً ثم شعبياً وإظهاره بمظهر الحمل الوديع المحب لوطنه والذي تكالبت عليه الذئاب المأجورة، وهذا هو السبب في عدم رحيل مبارك وهروبه من مصر لإنه كان على علم بهذه الخطة هو وذراعه الباطشة حبيب العادلي.
وإعتمدت هذه الخطة إعلامياً على سحب كل الألقاب والأوصاف والتي حصل عليها مبارك وعصابته بعد ‘ثورة يناير’ ومنحها لجماعة الإخوان وقادتها، فالمخلوع أصبح ‘مرسي’ وليس ‘مبارك’، والنظام السابق أصبح ‘نظام الإخوان’ وليس ‘نظام مبارك’ و’الفلول’ أصبحوا أعضاء الجماعة وليسوا ‘مرتزقة’ مبارك.
ثم يأتي هدفها التالي وهو محو ما يسمى بـ’ثورة يناير’ وشهدائها من الذاكرة الشعبية والإعلامية وإستبداله بـ’ثورة يونيه’، ويليه السعي الدؤوب في إسترجاع النظام القديم بنفس شخوصه وأساليبه .. ولكن هيهات فليس الأمس كاليوم.
ولكن أعجب ما قرأت وسمعت لوصف ‘ثورة يناير’ هو إطلاق وصف ‘وكسة’ عليها من بعض الأبواق الإعلامية المأجورة أو التابعة لنظام مبارك .. ومصطلح ‘الوكسة’ كان يطلق على سبيل الدعاية على هزيمة قادة الجيش المصري المخزية في نكسة يونيه 1967 .. وكأنهم يريدون أيضاً أن يمحو هذا العار والذي تسبب فيه رعونة بعض قادتنا العسكريين حينها ويحملوا مسؤوليته على ما حدث ضد نظام فاسد وعميل في يناير 2011.
واليوم .. وبعد أن قام قادة الجماعة بأداء دورهم المطلوب بجدارة فاقت كل التوقعات فأصبح أعضاء الجماعة خارج المشهد السياسي ليعودوا إلى جحورهم لعدة عقود قادمة، وأصبحت نهاية قادتهم الحتمية هي السجون بسبب طمعهم السلطوي وسوء تخطيطهم.
وأصبح اليوم السؤال الشهير: .. هو الشغل الشاغل لكل مواطن مصري .. وكاذب هو من يعلم علم اليقين إجابة هذا السؤال.
ياسر سليمان
رئيس تحرير جريدة الإسماعيلية برس