رئيسٌ آخر في القفص

مشهدٌ مؤسف ذاك حيث يقف الرئيس المعزول في قفص الاتهام، مؤسفٌ بمعايير ومقاييس عديدة.. ليس فقط لكون الدوائر دارت عليه سريعاً، من الرئاسة إلى الحبس (على قول الماغوط بتصرف)، ولا لرفضه تصديق الواقع وتشبثه العنيد، اليائس والعبثي في الحقيقة، بمنصبٍ لن يراه مرةً أخرى في الغالب الأعم، وإنما لأنه بمثوله في ذلك القفص، بعناده وسوء فهمه للواقع ناهيك عن رفضه، يجسد ويختزل ذلك الخلل العميق المتعدد الأسباب في مسار الثورة.
ثاني رئيسٍ يحاكم في زمنٍ قياسي، وكأن مصر التي تحملت مبارك وترهل عصره باتت لا تطيق صــــبراً على أية شبهة استبدادٍ أو بطءٍ في الإصلاح، فها هي تطيح برؤسائها بسرعةٍ تُعيي المتابع وتقطع النفس… غير أن الأمر ليس بهذه البساطة، فإني أعتقد أنه لئن كان تقديم مبارك للمحاكمة يعبر عن مطلبٍ شعبي يمثل روح الثورة ومظالمها في المقام الأول، فإن مثول د. مرسي، أول رئيسٍ منتخب، في القفص (بالإضافـــــة إلى المهزلة في تفاصيل محاكمة مبارك) يعبر عن استعصاءات الحراك الثوري المصري، الذي أدى إلى توالي موجه والواقع المعقد للإشكالات الاجتماعية والسياسية المتراكمة والمتوارثة عبر عقودٍ طويلة ليس أولها عهدا مبارك ومرسي (وإن كنا نرجو أن يكونا آخرها).
لا تقوم الثورات الشعبية لأسبابٍ أخلاقية أو تساؤلاتٍ وإشكالاتٍ تتعلق بالهوية الدينية، وإنما كرد فعلٍ غاضبٍ على اغتصاب الحقوق والتهميش والقمع والإفقار، والثورة المصرية لم تشذ عن ذلك، المشكلة نبعت من غياب تنظيماتٍ ثورية حقيقية ذات حضورٍ جماهيري، جاهزة ومستعدة لاقتناص الفرصة وقيادة ذلك الحراك الضخم والمهيب؛ وحينذاك لم تجد قطاعاتٌ متسعة من الجماهير أمامها فصيلاً آخر منظماً غير الإخوان، ليضعوا ثقتهم فيه وليجربوه، بالإضافة إلى كون ذلك الجمهور تعرض طيلة أربعة عقودٍ لحملةٍ تضافرت فيها مجهودات قوى يمينية رجعية عديدة، على رأسها تحالف الولايات المتحدة النظام – الإخوان لتسييد وهيمنة مجموعة من المفاهيم المستندة إلى الموروثات الشعبية والتراث الأكثر سلبيةً وإذعاناً… في تلك الفترة المبكرة من عمر الثورة لم يفطن الكثير من الواقعين في الوسط بين المنتمين الخلصاء لتيارات الإسلام السياسي والثورة المضادة، أولئك الذين أوصلوا د. مرسي إلى كرسي الرئاسة من الناحية الفعلية، إلى التناقضات العميقة بين الإخوان المسلمين فكراً وتنظيماً وبين دوافع الثورة وأهدافها.
ليست المرة الأولى التي نؤكد ونذكر فيها أن الجماعة لم تكن تنظيماً ثورياً، وإنما كان إصلاحياً في أفضل الأحوال قَبِل بالتعايش (القلق أحياناً) مع النظام، فضلاً عن تماهيه معه في انحيازاته الاقتصادية والاجتماعية، تلك التي قامت عليها الثورة، ولئن غابت تلك الحقيقة عن عموم الجمهور الذي كان يتحسس طريقه في عالم الديمقراطية والاختيار الجديد عليه، فإنها ما لبثت أن اتضحت مع مضي الأيام، من دون أي إنجازات أو حتى بوادرها، ومع الإيغال غير العابئ في محاولات ‘التمكين’، تلك الكلمة – المشروع سيئة السمعة؛ وبديهي أن ذلك الجمهور اكتشف أن انحياز الجماعة ذاك يجعلها جزءاً من المشكلة، لا حلها! ولعل ذلك يلفت النظر إلى حقيقة أن وجود الجماعة وانتعاشها اقترنا بحالة الاستعصاء السياسي وانسداد أفق التغيير وسيناريو التوريث، وقد تغير ذلك الظرف وبرزت إلى الوجود آمالٌ وفصائل تعد بمستقبلٍ حرٍ أكثر عدلا، بما يلغي ذلك الاحتياج للجماعة… وللأسف، لم تكن تلك الحقيقة الوحيدة الغائبة، إذ أنه في زمن مبارك، زمن الركود والسكون، حيث لا يحدث شيء ذو بال، وحيث الجماعة تكاد تكون التنظيم الوحيد الثقيل في شارعٍ غير مسيسٍ بالمرة، اختفت سمات العنف والإقصاء الأصيلة في الجماعة، لأنه ببساطة لم يكن هناك من يُقصى.
أما الآن، ومع تشكل تياراتٍ معبرةٍ عن قوى اجتماعية عريضة، تكشف مدى انغلاق الجماعة عبر الممارسة السياسية المفتوحة، وتسلط أفكارهم الخاصة والغامضة على عقولهم، حيث يرون الواقع من خلال سردية صراع الحق مع الباطل، الأبيض مع الاسود، وحيث هم فرسان الحق وتجسيد الإسلام وإرادة الله على الأرض في واقعٍ معقد مليء بالعديد من الألوان وأطيافها، ناهيك عن كونها منظومةً مغلقةً بإحكامٍ على نفسها محصنة عبر مقولاتٍ دفاعية، إذ ما أن تتعرض الجماعة لانتكاسة من جراء صراعها السياسي جداً، وهو أمرٌ طبيعي ومتوقع في عالم السياسة، حتى تأخذ بالصياح تنديداً بأعداء الإسلام، الذين هم في واقع الأمر إخوانهم في الوطن الذين انتخبوهم في المقام الأول… ليس من احتمالٍ للخطأ من جانب الجماعة أو من مراجعاتٍ حقيقية… في ضوء هذا نفهم سوء تقديرهم للموقف الذي أدى إلى ثورة 30 يونيو، أعلم أننا جميعاً تستهوينا المقارنات فنستسلم لتفسيراتها، كما أننا نحب أن نرى التاريخ يكرر نفسه، بيد أنه لا يفعل لأن مياه النهر تتغير، وتلك المقارنات خادعة بقدر ما هي سهلة ومريحة، ومن ذلك تلك المقارنة بين صراع الجماعة مع عبد الناصر في 1954 والفريق السيسي إبان وعقب ثورة 30 يونيو…ومع أن مقارنةً حقيقيةً تحتاج إلى مقالٍ إن لم نقل مقالات، فإنني هنا سأكتفي ببعض النقاط الجوهرية الفارقة: لقد اصطدمت الجماعة حينذاك مع ضابطٍ، شابٍ لا علاقة له ولا ارتباطات بالنظام السابق قاد ثورةً وطنيةً أعادت صياغة المجتمع في نهاية المطاف… لقد كان الصراع بين الطرفين صراع إرادات بعد شهرٍ عسلٍ قصير نتيجة اخطاء قيادة الجماعة وتعاليها على ذلك الضابط العنيد القوي الشخصية الشديد الاعتداد بكرامته، الذي خطط وقاد الثورة بالفعل، أما الآن فالوضع يختلف، فالمقارنة بين الفريق السيسي وعبد الناصر غير جائزة في الأساس (بغض النظر عن كل الاستدعاءات) من حيث السن (والرتبة بالتالي) والتكوين والشخصية والارتباط بالنظام القديم، والتمثيل الطبقي، والأحلام والزمن.
ما لم تفهمه قيادات الجماعة أن صراعهم هذه المرة مع قطاعاتٍ واسعة جداً من الشعب رفض ما يمثلونه من استمرارٍ فعلي لعهد مبارك مع اختلافٍ في مكسبات اللون والرائحة مع بنيتهم الفكرية والتنظيمية المغلقة التي لا تقبل بالآخر، وهي نفس الأسباب التي جعلتهم لا يستمعون النصيحة.
ليس من شكٍ في أن الثورة المصرية قد تعثرت كثيراً حتى الآن، وأنها لم تحقق أية مكتسباتٍ تذكر، وأن حصيلة حكم الجماعة عامٌ من الإحباط وخفض سقف المطالب وفتح الباب أمام عودة مشرفة للمؤسسة العسكرية للاشتغال العلني في السياسة باستدعاءٍ شعبي.
لا أنكر أنني شعرت بالرثاء للدكتور مرسي، فالرجل قذف به في خضم صراعٍ هو غير مؤهلٍ له بأية صورة، ويبدو أنه سيذهب بجريرةٍ قرارات الجماعة.
لا أستطيع أن أراهن على زوال تنظيم الإخوان المسلمين على الرغم من هبوط شعبيته، فالواقع الشديد السيولة العاري من المكتسبات الثورية قد يفاجئنا بمتغيراتٍ عديدة لا حصانة لأي شخصٍ كائناً من كان فيها… إلا أنني أعتقد أنه يتعين على الجماعة أن تتعايش مع الواقع فتكف عن التظاهر من دون طائل والذي يرسخ للعنف وعودة الدولة الأمنية والقيام بمراجعاتٍ عميقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شعبيتها المتداعية.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية