مدرسة 7 نوفمبر: الأساتذة أم التلاميذ؟

السبب البعيد لما يعانيه الوطن العربي من مآس منذ أكثر من عقدين هو الثاني من آب (أغسطس) 1990. فقد أحلّ الغزو العراقي للكويت بالمنطقة العربية كل أنواع النقم: نصف مليون جندي غربي وحرب مدمرة تحملت تكاليفها دول الخليج العربية، وانتقاص من سيادة العراق أسوأ من نظام الانتداب، وحصار اقتصادي طويل راح ضحيته مئات الآلاف من أطفال العراق (الذين عدّت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت إبادتهم على هذا النحو ‘ثمنا جديرا بأن يدفع’ في سبيل تحجيم نظام صدام حسين)، و’نفط مقابل غذاء’ اختصرت في ندرته كل معاني الحياة، وانكسار لإرادة وطنية واعدة خذلها طيش الزعامة وجبروت الأوهام.
ثم أتى 11 أيلول (سبتمبر) 2001، فما لبث أن أعقبه 9 آذار (مارس) 2003 في وصل ‘بيروقراطي’ (كما اعترف بذلك نائب وزير الدفاع بول وولفويتز) بين متباعدين، بل متناقضين، سياسيين وإيديولوجيين (البعث والقاعدة، أو صدام حسين وأسامة بن لادن). هكذا أتى مبعوثو العناية الأمريكية. غزو سهل فاحتلال سريع، ثم مقاومة مشتدة ففظائع وجرائم وتشريد وتيتيم على أوسع نطاق. عراق صناعي وعلماني تمت إعادة ترجمته طائفيا ومذهبيا لتقدمه أمريكا الذكية جدا على طبق من نوايا حسنة إلى إيران السعيدة جدا بزوال عدوها البعثي من جانب وعدوها الطالباني من جانب آخر دون أن تحتاج هي إلى إطلاق ولو رصاصة وحيدة.
تواريخ ما أن تذكر حتى تنفتح عوالم من المعاني الناجزة: إذ إن السبب البعيد لما تعانيه تونس من مآس متكاثرة منذ عامين ولما تحملته من أزمات على مدى العقدين الماضيين هو السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1987. فقد أحل الانقلاب الطبي-البوليسي على الرئيس بورقيبة بالمجتمع التونسي كل أنواع النقم: تأسيس لـ’جمهورية الخوف’ التي تنسب تقليديا إلى صدام حسين ولكنها قد تكون بابن علي أنسب وهو بها أجدر. وتأصيل للاجتماع السياسي في ثقافة الكذب الأصيل!
ثم أتى 17 ديسمبر 2010، فما لبث أن أعقبه 23 أكتوبر 2011 في وصل ‘ديمقراطي’ بين متباعدين، بل متناقضين سوسيولوجيين وسياسيين (الثورة الشعبية و’النهضة’ الحزبية، أو شباب ثورة الكرامة والحرية وأدعياء التديّن السياسي القادمين في ‘عربة الأجنبي’، حسب التعبير المعروف في تاريخ الثورة الفرنسية). هكذا أتى مبعوثو المقاولات السياسية. قفز على عقبة الانتخابات فسقوط في جميع الامتحانات. لا أمان ولا استقرار ولا عدالة ولا تنمية ولا حل لمعضلة البطالة والمناطق المهمشة. ولا وضوح ولا صدق ولا دستور ولا وفاء بالتعهدات. أما السر في هذا النجاح الباهر، فهو ذلك الإصرار الأولمبي المشهود على ألا إمكان لاستنشاق هواء الوطنية الطلق إلا من خرم إبرة الحزبية البغيضة.
فما هي النتيجة؟ أن السابع من نوفمبر قد انتصر على الجميع. إذ لا يزال هو النظام السائد. بمعنيين. أولا، عبر سلالته الحزبية-الإدارية-البزنسية، أي ورثة الشرع. وثانيا، عبر أعدائه المفترضين من المعارضين والمنفيين والسجناء السابقين، أي عبر سلالته الموضوعية من الساسة الهواة الذين إنما يفكرون بنفس منطق بن علي التآمري ويتحركون بذات شبقه السلطوي. على أن ‘عندك في الهم ما تختار’ إذا أردت: ذلك أن ورثة الشرع أساتذة في مدرسة 7 نوفمبر، أما البقية فمجرد تلاميذ ليس بينهم من مجتهد أو نجيب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية