الروائي العربي جمال ناجي: نحن نعيش في عصر التعددية الثقافية!

حجم الخط
0

ينسج جمال ناجي أعماله الروائية والقصصية بحرفية عالية ومهارة في التقاط الصور الانسانية التي تعرّي الشرَّ وتكشف أجمل ما في الإنسان، وقد بدأ جمال ناجي شوطه مع الكتابة الروائية منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي، حيث كتب أول رواية له في العام 1977 بعنوان (الطريق إلى بلحارث) والتي نشرت في العام 1982 ولقيت أصداء واسعة في حينها وأعيدت طباعتها سبع مرات، وشكلّت حافزاً له للاستمرار في الكتابة الروائية.
وتتميز تجربة جمال ناجي الروائية بالتنوع من حيث الأماكن والأزمان والموضوعات، ففي روايته الأولى (الطريق إلى بلحارث، 1982) يتناول البيئة الصحراوية في القرية السعودية خلال العقد الثامن من القرن العشرين، بينما تدور أحداث روايته الثانية (وقت، 1984) في المخيم الفلسطيني خلال الخمسينات والستينات، أما روايته الثالثة (مخلفات الزوابع الأخيرة، 1988) والحائزة على جائزة الدولة التشجيعية في مجال الرواية والتي يعتبرها النقاد واحدة من أهم الروايات العربية المعاصرة، فقد تم تحويلها في العام 2006 إلى مسلسل بعنوان:( وادي الغجر) وهي تتحدث عن الغجر وحياتهم وحلهم وترحالهم وتعايشهم مع المجتمعات المحلية، فيما تعد روايته الرابعة (الحياة على ذمة الموت، 1993) مقدمة للدخول إلى موضوعة العولمة من خلال الاقتصاد، وهو ما تم استكماله في روايته الخامسة (ليلة الريش، 2004) التي تدور أحداثها في الأوساط المالية والاقتصادية من منظور نقد سلبيات العولمة. وفي العام 2007، حصل على إجازة التفرغ الإبداعي من وزارة الثقافة الأردنية من أجل إنجاز روايته السادسة التي حملت عنوان (عندما تشيخ الذئاب) والتي يتلاقى فيها السياسي مع الاجتماعي مع الديني والجنسي باستخدام أسلوب تعدد الأصوات الذي وظفه جمال ناجي لأول مرة في رواياته، وقد وصلت هذه الرواية إلى القائمة النهائية للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وأما روايته السابعة والأخيرة (غريب النهر، 2012) ) والصادرة في بيروت عن الدار العربية للعلوم ناشرون، فهي رواية تتناول الهم الفلسطيني منذ ما قبل النكبة إلى الآن، وتلتقي فيها غرائب المأساة ومفارقات الشتات بصورة مختلفة عن النمطية الروائية التي تناولت القضية في ما مضى.
وأما فيما يتعلق بقصصه فقد رأى النقاد فيها اختلافاً جذرياً عن أسلوبه الروائي سواء من حيث الشكل أم أسلوب المعالجة أم المضمون، وقد صنفت على أنها نوع من قصص الكشف في أعماق النفس البشرية بأسلوب جديد يعتمد المفارقة والنهايات غير المتوقعة. وقد صدرت له أربع مجموعات قصصية هي (رجل خالي الذهن، 1989/ رجل بلا تفاصيل، 1994/ ما جرى يوم الخميس، 2006/ المستهدف، 2011).
وقد انتخب جمال ناجي رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين خلال الفترة ما بين 2001 حتى العام 2003، وكان خلال هذه الفترة عضواً في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب، وحاز على الجائزة التقديرية من رابطة الكتاب الأردنيين عام 1983، وعلى جائزة الدولة التشجيعية للرواية للعام 1989، وعلى جائزة تيسير سبول للرواية للعام 1994، وجائزتي التفرغ الإبداعي من وزارة الثقافة ومن الصندوق العربي للثقافة والفنون. وقد حظيت رواياته بطبعات عديدة، وأعدت دراسات كثيرة عن نتاجاته الأدبية إضافة إلى رسائل الدكتوراه والماجستير التي تناولت تجربته الروائية، كما أدرجت بعض قصصه القصيرة في المناهج المدرسية فيما تدرس رواياته في بعض الجامعات. كما ترجمت روايته (الطريق إلى بلحارث) إلى اللغة الروسية إضافة إلى عدد كبير من قصصه القصيرة التي ترجمت إلى اللغات الإنجليزية والألمانية والتركية.
وجدير بالذكر أن جمال ناجي كاتب متفرغ منذ العام 2004 حتى الآن، وهو يشغل حالياً موقع رئيس المركز الثقافي العربي بعمان.
في هذا الحوار يتحدث جمال ناجي عن إسهاماته وإضافاته وعن الكثير من تفاصيل عالمه الإبداعي وما يحيط به من قضايا إبداعية ونقدية مختلفة.
*أستاذ جمال ناجي، أنت روائي وقاص وتكتب أيضاً المقال الفكري، إضافة الى جهودك النقدية والصحافية.. برأيك كيف يمكن لكل هذه التركيبة المتشعبة أن تنسجم في شخص واحد، وإلى أي خانة من هذه الخانات تريد أن تنتسب؟ وهل أنت راضٍ عن مسيرتك حتى الآن ؟.
*أنا كاتب روائي قبل أن أكون قاصا، بدأت روائيا وأصدرت ثلاث روايات قبل نشر القصص القصيرة، وأعتقد أن تعدد الأبعاد المعرفية لدى الكاتب الواحد يعد من الضرورات الإبداعية، لأن الكتابة الروائية تكاد تكون قارة، ومتطلباتها الفنية والمعرفية لا تنتهي، وهو ما ينطبق أيضا على الكثير من الأجناس الإبداعية. أما مسألة الرضا فليست في واردي، بيني وبين الرضا مسافات شاسعة.
* إضافة الى الأعمال الروائية والقصصية التي صدرت لكم، هناك رواية صدرت لكم مؤخراً بعنوان (غريب النهر)، ماذا عنها، وما هو الجديد الذي يميزها عن بقية اعمالك الروائية؟ وما هي مشاريعك القادمة ؟
*غريب النهر هي رواية تتناول الهم الفلسطيني منذ ما قبل النكبة إلى الآن، تلتقي فيها غرائب المأساة ومفارقات الشتات بصورة مختلفة عن النمطية الروائية التي تناولت القضية في ما مضى. لا أستطيع الإطالة في الحديث عن روايتي ومن الأفضل أن أدعها هي تتحدث عن نفسها، علها تقول شيئا جديداً.
أعكف الآن على مشروعي الروائي الجديد الذي أتمنى أن أتمكن من إنجازه خلال الشهور القادمة، وهو مشروع محفوف بالمخاطر هذه المرة، لأنه يشق الكثير من ظواهر المسكوت عنه في حياتنا العربية.
* يُقال بأن الأدب عرض تقابلي للموت والحياة، وهذا ما حاولت تحقيقه في روايتك (الحياة على ذمة الموت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993)، فهل هذا صحيح؟ وكيف ترى اليوم هذه الرواية بعد مرور عشرين عاماً بالتمام والكمال على صدورها؟
*في رواية ‘ الحياة على ذمة الموت’ لم أسع إلى تحقيق عرض تقابلي بين الحياة والموت، هذه فكرة لم تخطر ببالي عند كتابة الرواية، الموت ليس مجرد حدث فيزيائي في الرواية، إنما هو يحمل أبعادا تتصل بالنهايات المفترضة، وتلك المحتومة، للعلاقات، والنجاحات والممالك المالية والاجتماعية وغير ذلك مما يندرج تحت عناوين النهايات، أما بخصوص نظرتي الحالية لهذه الرواية، بعد عشرين عاماً على صدورها، فأنا لستُ راضٍ عنها. قلت لك أنني لست من فصيل الراضين.
* يتجاذب العالم العربي، تياران، تجاذب النقيضين، ليلتقيا في آخر المطاف عند حتمية النتيجة الواحدة، تيار قومي عربي نهضوي حاول جاهداً التملص من التأثيرات الأجنبية، وهذا التيار علماني يرفض الدين دون مناهضته أو محاربته، وتيار أصولي، يقول بأمة إسلامية واحدة موحدة، فيدعو لما ثار عليه القوميون النهضويون أوائل هذا القرن، ألا وهي الدولة الشرعية، على غرار الدولة العثمانية، برأيك أستاذ جمال، ما هو التيار الثالث الذي يمكن أن يقود الأمة باتجاه تحقيق أحلامها وتطلعاتها وآمالها بعد ان أخفق الجميع حتى الآن في الوصول الى الغايات المنشودة ؟
*تستفزني كثيراً مفردة ‘ التيار’، إنها جزء من المتخيل السياسي والاجتماعي، ولو أردنا الرجوع إلى تعريف ‘ التيار’ لوجدنا بأنه محصلة لتضافر مجموعة من العناصر الثقافية والسياسية والاجتماعية، هذا التضافر غير قائم إلا في خيال الساسة والمثقفين الذين يعانون من رغائبية عجيبة عند إطلاقهم المسميات، لأن الواقع مختلف عما هو مقيم في الوجدان العربي، لقد تم ابتذال مصطلح التيار إلى حد إطلاقه على مجموعات انتخابية في نقابة أو هيئة أو مؤسسة، هذا تعسف معرفي وثقافي وسياسي.
إن ما يجعل هذا المصطلح غير قابل للحياة الآن، هو تلك التعددية الثقافية التي أدت إلى تصدعات غير قابلة للالتئام داخل صفوف كل مجموعة، نحن نعيش عصر التعددية الثقافية، وهي التعددية التي تتخذ أسماء حركية مثل: الطائفية، العرقية، المذهبية..، فمنذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وما تبعه من انهيارات سياسية في عالمنا العربي، اندفعت الثقافات الفرعية إلى السطح بقوة، إلى حد أنه تم تصميم دساتير بموجب المحاصصات الثقافية، وظهرت مطالبات بالانفصال داخل الكثير من الدول استنادا الى هذه التعددية، ما يعني أننا نعيش عصر نهاية يوتوبيا الأمة العربية الواحدة، أنظر الى ما يحدث في العراق وسوريا ومصر ولبنان ومطالبات الامازيغ في المغرب العربي، صحيح أن من الصعب عليّ التنكر للتعددية الثقافية التي قد تصرف على هذا النحو أو ذاك، لكن علينا أن نعترف بأن التطبيقات السياسية للتعددية الثقافية في عالمنا العربي ستؤدي إلى مزيد من التمزق، لأن ديمقراطيتنا العربية ليست معافاة، كتلك التي تسود في أمريكا أو أوروبا أو كندا، إنها ديمقراطية قائمة على المحاصصة لا على الولاء للأفكار أو الانتماء للأوطان .
فيما يتعلق بالدولة الإسلامية فإن إقامتها مستحيلة لأسباب أهمها عدم وجود قيادة سياسية للعالم الإسلامي، وظهور تنظيمات لا تؤمن بالعمل السياسي إنما بالقتل والتفجير وتكفير الاخرين، إضافة إلى المعطيات المعاصرة التي تؤكد على تعذر تطبيق الشريعة الاسلامية في كل مناحي الحياة.
شخصياً أشعر بأن السياسي العربي جربَّ حظه أكثر مما ينبغي، وقادنا إلى هزائم وإخفاقات تفوق الاحتمال، وتسيد المشهد على مدى سبعين عاماً، ولقد آن الأوان لأن ينزاح قليلاً من المشهد ويسمح للثقافي بممارسة دوره في لملمة الشظايا وإدارتها، عله يفلح في بناء عالم عربي جديد مختلف .
* وصول الفلسفة الى الحكم في بعض دول العالم وبعض الأقطار العربية لم يحوّل هذه الدول الى جمهوريات أفلاطون أو مدن الفارابي الفاضلة، ما الذي حدث، هل خانت الفلسفة تنظيراتها أثناء الممارسة ؟
*سأكرر قولاً سبق لي أن ذكرته في مكان آخر، وهو: إذا كان من غايات الفلسفة العثور على الحقيقة، فأنا ضد قبض ‘الفلاسفة’ عليها، خصوصاً الفلاسفة المسيّسون، لأنني لا أئتمنهم عليها، وأخشى عليها من تشويهاتهم، فضلاً عن أن الحقيقة الحرة المتجولة خير من الحقيقة الأسيرة في أقفاص الفلاسفة.
ثم انني لست على ثقة من وصول الفلسفة إلى الحكم في عالمنا العربي وليس لدي مثال حي يمكن الاعتداد به لتأكيد هذه الفرضية. أعتقد بأن وصول الفلسفة إلى السلطة في عالمنا العربي سيكون من علامات الساعة.
*أستاذ جمال، بقدر ما تبدو في ظاهرك كائناً هادئاً فإنك في عمق شخصيتك لست كذلك أبداً، فأنت مليءٌ بأسئلة الوجود إلى ما لانهاية، ماذا بين رواياتك وسيرتك الذاتية؟ وهل أنت مشاكس بطبعك ؟
*يقولون بأن المياه الساكنة عميقة الغور، لكنها ليست مشاكسة بالضرورة، أعتقد بأنني مسكون بأسئلة الوجود كما ذكرت، هذا جزء من حيرتي الدائمة مع الحياة وفيها ومنها، لا أتخيل كاتبا لا تشغله هذه المسألة التي لو تخلّى الانسان عنها لما بقي له غير التنظيمات التجارية وأصناف الطعام وشؤون الأسرة.
بيني وبين رواياتي وشائج لا أستطيع التنصُّل منها أو تجاهلها، فأنا دائمُ الاستفادة من تجاربي الشخصية دون ان يعني هذا أن أحداث رواياتي قد حصلت معي، أحيانا يكون العكس هو الصحيح، فأستفيد من رواياتي وأتعلم من شخوصها، هنالك مثال حي على ذلك، ففي روايتي ‘مخلفات الزوابع الأخيرة ‘ يثور ‘سبلو’ الشخصية الرئيسية بزوجته ‘بهاج’ من دون سبب، وحين يحاول مصالحتها يقول لها: عندما ينفجر جسم مضغوط فإنه لا يؤذي إلا أقرب الناس إليه، أنا انفجرت وأنت أقرب الناس لي.. هذه العبارة تعلمتها من شخصية سبلو، واستخدمتها غير مرة في تعاملي مع أناس أحبهم وأثور عليهم.
* ماذا يمثل لك العنوان الروائي؟ هل هو عتبة موجهة لعملية القراءة؟ وهل يمكن للرواية أن تعيش بعيداً عن السياسة والأيديولوجيا؟
*آخر ما أفكر به هو عنوان الرواية، عادة ما أختاره بعد الانتهاء من كتابتها، لا أشغل نفسي به إلا بعد إنجاز العمل الروائي.
علاقة الرواية بالسياسة والايديولوجيا قائمة ولكن ليست مثلما يريد السياسي العربي الذي يطالبنا بما يشبه المباشرة. هذه العلاقة تكمن في عمق الأفكار والأحداث دون أن تُفرض عليها، لكن، ولأن العملية الإبداعية شديدة التعقيد فإن من الصعب وضع محددات لهذه العلاقة، يحيلني هذا إلى مصطلح ‘معمل الروح’ لجورج لوكاش، فالأفكار والأحداث أثناء الكتابة تمر في معمل الروح الذي يمارس تأثيراته العميقة عليها، إلى حد أنها تخرج بشكل مختلف جدا عما كانت عليه قبل دخولها إليه، ربما يفسر هذا ما يطلق عليه ‘مفاجأة النص’ وأعني بها أن الكاتب يفاجأ بعد انتهائه من كتابة روايته بأنها تنسجم مع أفكاره دون أن يخطط لذلك أو يتقصده.
* لاحظنا من خلال متابعة رواياتك أن الأمكنة تكاد تكون هاجسك في الكتابة، وفيها تجري الأحداث وتتحرك الشخصيات، وثمة تعدد للهجات ومستويات الحكي، وثمة تعدد للأمكنة، (فلسطين، الأردن، السعودية، تركيا..)، وهذا يقودني للحديث عن الأمكنة والفضاءات التي تتحرك فيها قصصك ورواياتك، وهل أن هذا الحضور المكثف للمكان في أعمالك هو حقل من حقول البحث عن بنية جديدة للشكل الروائي؟
*كما تعلم فالرواية تستند إلى واقع أرضي نسميه المكان، وحتى لو كان هذا الواقع فضائياً فثمة مكان كوني للأحداث، لكن المكان الروائي ليس مجرد وعاء يحتضن الأحداث، فهو يمارس تأثيراته على الأحداث والشخصيات، إلى حد أن له تأثير بيولوجي ونفسي عليها من حيث أشكالها وأمزجتها وطباعها. في منظومة العمل الروائي ثمة عناصر كثيرة تتناغم لإنجاح العمل، المكان واحد من أهم هذه العناصر، لكن المشكلة تكمن في كيفية توظيفه روائياً، هذه مسألة شائكة وتحتاج إلى تأمل طويل، إنه المعامل الموضوعي للزمن، مع أنني لست على ثقة من وجود تكافؤ بين قطبي ثنائية الزمان والمكان، هذا الموضوع يطول الحديث فيه، لكن يمكننا أن نتحدث عن التعددية المكانية، مثلما نتحدث عن تعددية الأزمان، التاريخية والنفسية والبيولوجية والفلسفية والروائية … الخ، لا أعني بالتعددية المكانية تنوع الأمكنة أو تباعدها، إنما تعدد الأبعاد في المكان الواحد وانعكاساتها على الأحداث الروائية.
* من خلال قراءتنا لمجموعاتك القصصية، نلحظ أن هناك التصاقا عميقا في الواقع، وفي المجموعات يمتزج اللون والصوت والرائحة، وكل قصة من قصصك هي شريحة نابضة من الواقع بكل مواصفاته وتناقضاته في ماضيه القريب وحاضره، وقد اتسمت مجموعاتك القصصية في الوقت نفسه باللغة الشعرية وبقدرتها على صناعة الأسئلة التي لونت النصوص بالدهشة، فهل نتاجك القصصي يندرج تحت مفهوم (الواقعية السحرية)؟
*قصصي القصيرة تقترب من الواقعية السحرية، لكنها لا تنتمي إليها بقدر ما تنتمي إلى ما يمكن أن نسميه قصص الكشف والمفارقة. أكثر ما يعنيني عند كتابة القصة هو التكثيف الشديد، والتخلص من كل الزوائد اللفظية والتعبيرية، في تقديري، يجب أن تكون كل عبارة في القصة مسددة نحو غاياتها بدقة متناهية، بعيدا عن الاسترسالات ومن دون الوقوع في فخاخ الذاكرة التي عادة ما تمارس ضغوطها على الكاتب محاولة تحقيق حضور ما في القصة.
القصة القصيرة فن عظيم وأعتقد بأن العودة إلى هذا الفن ستكون قريبة في الادب العربي بعد موجة التنصل منها ونفي مبررات وجودها.
* من وجهة نظري فإن أعمالك الروائية تمتازُ بأنها اشتباكيه بامتياز، وأنها تجريبية بلا منازع، وأنها تتصف بحرفيّة عالية، وهي روايات تحاول فيها أن تدمج السرد والشعر والاحالات السينمائية والفوتوغرافية والجرافيكية في بوتقة واحدة تصل إلى ما بعد الكتابة. فهل تتفق معي في ذلك؟
*أتفق معك إلى حد بعيد باستثناء الشعر، وأضيف إلى ما ذكرته، أنني أستظل أثناء الكتابة بالعلوم والفلسفة والتاريخ والنصوص الدينية ودراسات النفس البشرية وسواها.
بصراحة، لقد خالفتُ في هذا اللقاء واحدا من قوانيني الخاصة التي تفيد بأن من الأفضل لي أن أكتب الرواية بدلا من الحديث عن كتابتها . هذه واحدة من مشاكلي مع ذاتي، أضع القوانين لنفسي ثم أقوم بخرقها، ثم أعاتب نفسي بعد فوات الأوان .
* ما هي القضية الرئيسية عند جمال ناجي؟ وهل صحيح أن العمل الناجح يُبشِّر بالثورة ويعد بولادة أمة جديدة ؟
*العدالة والإنصاف يعدان همي الأول في الحياة، وفي هذا الإطار تندرج مجموعة من القضايا في مقدمتها القضية الفلسطينية .
ليس شرطا أن يبشر العمل الناجح بالثورة أو بولادة أمة جديدة، لكنه قد يساهم في التغيير مثلا، والأهم أن الكاتب لا يضع نصب عينيه مثل هذا الهدف، لأن الكتابة في هذه الحالة تتحول إلى فعل قصدي أو نوع من الهندسات المسبقة التي تفسد جماليات الرواية وتحرفها عن مساراتها الإبداعية.
*ما هي حدود العلاقة بين الأدب والحرية من وجهة نظرك؟ وكيف ترى مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي؟ وكيف تقرأ تأثير الربيع العربي على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة ؟.
*هي علاقة احتياج متبادل بين الادب والحرية، إذ لا يمكن للأدب أن ينمو ويزدهر من دون الحرية، كما لا يمكن أن تسود الحرية من دون أن يكون الأدب واحدا من تجلياتها ومسبباتها الرئيسة.
أفضل أن لا أتحدث عن مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي، لأن كلمة المسؤولية تحيلني الى مصطلحات تم توظيفها للحد من الحريات، مثل ‘الحرية المسؤولة ‘ و’مسؤولية الالتزام ‘ وسواهما، المبدع هو جزء من النسيج الوطني والاجتماعي، ومن الطبيعي أن يكون له دور بارز في خدمة قضاياه الوطنية، هذه الضرورة تنبع من بنية المبدع لا من خارجه، باختصار، المبدع يقاوم كل أنواع المباشرة أو الإيحاء بالمسؤولية حين تأتي من خارجه، لكنه يجدها واحدة من مسلماته حين تأتي من داخله هو .
* سندس، عزمي الوجيه، الشيخ عبد الحميد الجنزير، رباح الوجيه، جليلة، جبران، رابعة، بكر الطايل، فاتن الريشة، العقيد رشيد حميدات.
هذه الشخصيات تحركت في فضاء روايتك ‘ عندما تشيخ الذئاب’ فأيها ما زالت حاضراة في ذاكرتك وتعيش معك، أظن أنني ما زلتُ حتى اللحظة متأثراً بالطريقة التي أخبرت بها سندس عزمي الوجيه أن والده رباح الوجيه مصاب بعقم خلقي منذ طفولته ؟
*علاقاتي بشخصياتي الروائية تشبه في جانب منها – علاقاتي مع الناس، إنها علاقات مرحلية، لا أقول بأنها تنتهي بانتهاء مرحلة كتابة الرواية، لكنها تضعف بمرور الزمن، وتتحول إلى علاقات قديمة بيني وبين هذه الشخصيات، فأتذكرها في ظروف معينة وأنساها في ظروف أخرى، وكان يمكن لهذه العلاقة أن تستمر بمتانتها الأولى، لولا أنني أقيم علاقات مع شخصيات جديدة في روايات جديدة، هذه العلاقات الجديدة تطغى على ما سبقها في معظم الأحيان، فضلاً عن أن تلك الشخصيات تخضع لعامل ‘زمن المابعد’ فأنا أشعر بأن بعض الشخصيات التي بنيتها في رواياتي الأولى قد أدركها الموت الفيزيائي بسبب مرور الزمن، شخصية ‘الأم’ في رواية ‘الطريق الى بلحارث’ وشخصية ‘شهاب’ في رواية ‘وقت’، وشخصية ‘سبلو’ في ‘مخلفات الزوابع الأخيرة ‘ هذه الشخصيات يفترض أنها ماتت فيزيائياً وإن كانت حية في الروايات. أحياناً أشعر بأن بعض شخصياتي الروائية القديمة تعاتبني. بالمناسبة، سندس لا تكف عن معاتبتي كلما تذكرتها!
* يصادف يوم 15/11/2013 ذكرى مرور أربعين عاماً على غياب تيسير سبول؟ كيف تنظر اليوم إلى تجربته الروائية؟ وماذا تقول بهذه المناسبة؟
*إذا نظرنا إلى تجربة تيسير سبول الروائية بالقياس إلى الزمن الذي ظهرت فيه فإنها تعد تجربة فريدة مميزة، صحيح أن الحياة لم تمهله كي يكتب المزيد، لكن روايته ‘أنت منذ اليوم’ تعد فتحاً روائياً في حينها، ما يميز تلك الرواية أن كاتبها امتلك جرأة التمرد على الأساليب التقليدية التي كانت سائدة وتمكن من تقديم بديل روائي مقنع للقارىء والناقد.
تيسير سبول هو واحد ‘من كيسنا’ وموته شكلَّ خسارة مبكرة للأدب العربي.
* الآن بعد كل هذا الذي تحقق، أين أنت؟ وما الذي تريده من الكتابة؟ وبماذا تحلم؟ وماذا عن تصورك للمستقبل؟ وبماذا تختتم هذا الحوار ؟
*والله لا أدري، لا أستطيع تحديد أين أنا، ولا ماذا أريد من الكتابة أو الحلم أو المستقبل، هذه أسئلة تحتاج إلى مطارحات نفسية لم أجرؤ على فعلها حتى اللحظة، وقد لا أجرؤ إلى الأبد. ربما تكون هذه أفضل خاتمة لهذا الحوار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية