لبنان: ولكن… هل هي الحرب الأخيرة حقاً؟
مطاع صفديلبنان: ولكن… هل هي الحرب الأخيرة حقاً؟إنها المواجهة الأوضح والأعنف لأمريكا مع العرب بأداة جيشها الإسرائيلي. لقد أمسي مشروعها الأكبر في الاستيلاء الشامل علي (الشرق الأوسط) يعاني من الاستعصاء البنيوي ليس في قابليته للحياة، إنما كذلك في قدرته علي سلب هذه الحياة من عدوه. لم يتبقَ لمخططي المشروع سوي الإقرار بالهزيمة المزدوجة، وهي خسارة المشروع سلماً أو حرباً. ومن هنا هذا الطيش الجنوني في القتل المجاني المرخص لإسرائيل، ومعه ويرافقه هذا الارتباك الآخر علي الصعيد السياسي والدبلوماسي ما بين واشنطن وتل أبيب، وانعكاساته المتناقضة علي سير المناقشات الدولية في أروقة مجلس الأمن، بحيث لا يولد إتفاق ما حتي يلغيه اختلاف يعقبه. بقدر ما صار كل الأطراف يحتاج إلي هدنة ما، بقدر ما يعجز الجميع عن اكتشاف المخرج من عقباتها المستجدة والإعداد لما سيعقبها من إشكالات في التنفيذ والتطبيق.لعل السبب الرئيسي في ذلك أنه ربما كانت هذه الحرب هي الوحيدة في نوعها التي يراد لها أن تأتي نتائجها السياسية مناقضة لحقائقها المسجلة في ساحة الميدان. فما تحاوله دبلوماسية الغطرسة الأمريكية في نيويورك هو إجبار لبنان بكل ثمن علي القبول بنقل القتال مع العدو علي حدوده، إلي الاقتتال ما بين مكوناته داخل وطنه الصغير. أي أنه مقابل سلم خبيث تمنُّ به إسرائيل علي البلد المدمر في بناه التحتية والعمرانية عليه أن يتابع بإرادته تدميره لبناه الاجتماعية والانسانية.أمريكا التي غدا أقصي اختصاصها الحضاري هو تقويض حضارات الآخرين، فإنها لا تكاد تنتهي من الغزو العسكري الإعدامي لهذا البلد الإسلامي والعربي أو ذاك، من أفغانستان إلي العراق، حتي تتبعه بأخطر أشكال التدمير الذاتي، بتوليد أسبابه المصطنعة؛ فالمهم الأهم بالنسبة لها هو ألا تتوقف آلة الموت أبداً. فما أن تنفتح أبواب جهنمها لمرة حتي لا يمكن إقفالها، ولو أحرقت زبانيتها أنفسهم. تلك هي أحداث استراتيجية (ما بعد حداثية؟) لتعميم ثقافة القتل المجاني، باعتبارها أضحت هي التركيب الأعلي لفاشيات القرن العشرين التي أنهكت الغرب بعشرات الملايين من قتلي حروبه العالمية. وها هي يتم تحويلها أمريكياً اليوم ضد بقية العالم، ومن قارته العربية والإسلامية مبدئياً، تحت شعار تعميم الديمقراطية بأداة نقيضتها التاريخية المطلقة: الإمبراطورية. ما حدث أخيراً في مجلس الأمن ليس مجرد إعلان لوقف (الأعمال الحربية) فحسب. إنه أول إعلان دولي من شأنه أن يكرس بطلان المبدأ اللاأخلاقي الذي تقوم عليه الاستراتيجية الأمريكية نفسها بعد أن جعلت من العدوان علي الشعوب هو البديل عن شرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي والأعراف الأخلاقية الناظمة لسلوك المجتمعات إزاء بعضها. فهي التي تضطر إلي الموافقة أخيراً علي وقف الحرب التي خططت لها وأوكلتها إلي شريكتها وربيبتها إسرائيل. لكن هذه الشريكة لم تحسن التنفيذ وسقطت في أسوأ تجربة مهينة واجهت جيشها الذي لا يقهر، وليس مقابل جيش نظامي آخر، بل في وجه مقاومة شعبية مسلحة بالإيمان والوعي أولاً وبالإضافة إلي حرفية مبتكرة في المنازلة غير المتكافئة أصلاً. ومع ذلك تكشف المقاومة عن بعض الخزين الهائل من قدرات الأمة المحجوزة والممنوعة من الإنطلاق والتعبير المختلف عن حقيقتها. لا يوصي قرار المجلس وبعد مخاضه العسير الطويل، بإنهاء الحرب فوراً، بل يكاد يضع نوعاً من خارطة طريق مشابهة لتلك التي سبقتها والمعلنة بشأن إنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي لا تزال تحث خطاها منذ سنوات نحو التنفيذ، وتعبر خلال ذلك بكل الحروب الصغيرة والفواجع والمناورات الصهيونية المدعومة دائماً بالحاضنة الأمريكية. فالجيش الإسرائيلي مزمع علي الوصول إلي نهر الليطاني بأي ثمن، وتحت مظلة هذا القرار الدولي (السلمي) الذي يكاد يولد ميتاً من لحظاته الأولي. فما الحاجة حقاً لكل هذا العناء الدبلوماسي لإصدار قرار محكوم عليه أن ينقل كل ما هو خطير وعاجل إلي ما هو آجل، ومقذوف به إلي متاهات المناورات المصحوبة دائماً بأشكال العنف العسكري الهمجي وأشباهه.ليست هي الحرب الأخيرة إذن. وإذا كانت أهداف العدوان لم يحققها دمار لبنان حتي الآن، ففي جعبة الجلادين ما لا يحد من الخطط الإلتفافية. هذا فضلاً عن كون حيثيات القرار نفسه لا تنصّ علي الحسم الواضح في أي من فقراته. والقرار متروك جملةً وتفصيلاً لصدف المجهول مما سيقع اليوم أو غداً من المفاجآت التي لن تكون هي كذلك إلا لمن لا يتوقعها أو لم يحسب لها حساباً. ومع ذلك قد يمكن القول إنها الحرب الأخيرة بحسب قراءات أخري تلتفت إلي البعض من رموز الدلالات المستجدة علي المألوف من تقاليد الصراع العربي الصهيوني. ربما هي الأخيرة بالنسبة لمسلسل الحروب ما بين الجيوش المنتهية غالباً إلي اندحار الجانب العربي منها بخاصة. وهي الحرب الأولي في مسلسل جديد، ربما سيتبعها ويطوِّر من خواصها. الأولي من حيث أن الجيش الإسرائيلي يقاتل فيها مقاومة، ليست فلسطينية، بل عربية. أي أن إسرائيل بعد أن ترسخ لديها الاعتقاد بكونها هزمت العرب بإخراج جيوشها من الميدان نهائياً، لا يبدو أنها أعدت نفسها لمنازلة الشعوب ومن الآن فصاعداً. هذا في الوقت الذي تسعي فيه أمريكا إلي تجنب هذا النوع من المنازلة بما تظن أن مشروعها الشرق الأوسطي سيكون متكفلاً بالتحوّط ضده، وذلك بافتعال كل الوسائل المؤدية إلي إعادة تركيب الجغرافية البشرية للمجتمعات العربية والإسلامية من حولها، وعدم الإكتفاء بجغرافية التقسيم والتفتيت السياسي القابضة علي الكيان القومي والتاريخي منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية. إذ لم يعد هذا الماضي التقسيمي كافياً لدرء احتمالات الحاضر والمستقبل القريب. لقد استنفد معظم أغراضه المرسومة له. وأهمها إحباط المشروع النهضوي العربي طيلة القرن الماضي، وفي ظل حربين عالميتين، ومن ثم مع زرع عش للحروب الإقليمية الدائمة اسمه الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي. هكذا علي الأقل يمكن اعتبار هذه الحرب بمثابة المفاجأة السعيدة بالنسبة لابطالها، والصدمة القاسية بالنسبة لأصحابها ومفتعليها. لكنها في حد ذاتها تؤلف حلقة انعطاف ليس في مسلسل الصراع العربي الإسرائيلي والأمريكي وحده، لكن في تاريخية النهضة العربية نفسها المصابة بعقد الهزائم العسكرية المتراكمة. وقد تذهب بنا التطلعات المصيرية إلي حد الاعتقاد بأننا بتنا نشهد انبثاق نموذج الدولة العربية المقاومة، ولا ننتظره أو نحلم به فحسب، ولبنان الذي كان حقل التجارب المأساوية، بل المصيرية لذاته ولأشقائه من حوله، يصير اليوم مرشحاً لاستيلاد تجربته العظمي والرائدة تحت صيغة الدولة المقاومة، شعباً حراً وكياناً سياسياً وحضارياً قادراً علي حماية نفسه، والإشعاع بثقافة هذه الحماية علي عالمه العربي المريض من حوله. لبنان جوهرة النهضة العربية كان المبدع الأول في ثقافة السلام، وقد أضحي كذلك في ثقافة الحرب. ولسوف يغدو هو المثال الأوضح كذلك عن مزاوجة الثقافتين معاً من خلال نموذج الدولة المقاومة، التي أمسي يتملك من أثمن عناصرها بدءاً من الشعب المقاوم فعلاً وواقعاً ووراءه مجتمع الوحدة الوطنية الذي كان هو الرهان الأصعب في مختلف منعطفات تاريخه المعاصر. ولسوف يظل هو التعبير الأمثل عما تعنيه هدية المقاومة لشعبها. إنه النصر الأصيل الذي لن يخيف أحداً إلا أعداءه الظاهرين والمتوارين وراء خيباتهم وبؤس رهاناتهم.9