القوة لم تعد تجدي.. المهم احترام حقوق الفلسطينيين والتحاور مع العرب واعادة الجولان
حسنا اننا لم ننتصر.. فالهزيمة ستعلمنا التفكيرمرتين في اي مغامرة عسكرية قادمةالقوة لم تعد تجدي.. المهم احترام حقوق الفلسطينيين والتحاور مع العرب واعادة الجولان الأنباء السيئة و( المتوقعة): اسرائيل ستخرج من هذه الحرب وهي مهزومة. أما الأنباء الجيدة و( المفاجئة): هذا الفشل المدوي قد يتمخض عن بشائر جيدة. لو أن اسرائيل انتصرت في المعارك انتصارا سهلا وجارفا، لتسبب ذلك بضرر فظيع للسياسة الأمنية الاسرائيلية. ضربة خاطفة كانت ستؤدي، لو حدثت، الي إلحاق كارثة بنا. نشوة الانتصار كانت ستُغري لتكرار ذلك في ساحات اخري. نار خطيرة كانت ستُخيم علي المنطقة كلها ونتائجها لا يعلم بها إلا الله. في المقابل قد تؤدي الهزيمة في هذه الحرب الصغيرة الي تعليمنا درسا هاما للمستقبل، وربما التأثير علينا في تغيير اللغة التي نتحدث بها مع جيراننا – لغة العنف والقوة. القول بأن اسرائيل لا تستطيع أن تسمح لنفسها بالهزيمة في ارض المعركة قد أصبح كما نري قالبا فارغا من المضمون، وعبارة تكرارية عدمية: الفشل لن يؤدي فقط الي منفعة اسرائيل وانما قد يكون ايضا سببا في تعليم الامريكيين درسا هاما ـ أنه لا جدوي من دفع اسرائيل نحو مغامرات عسكرية.منذ حرب 1948 لم تحقق اسرائيل إلا انتصارا عسكريا جارفا وحاسما واحدا فقط. حرب حزيران (يونيو) 1967. قدرة اسرائيل الردعية عادت اليها وبقوة كبيرة وبصورة كان من المفترض فيها أن تضمن أمنها لسنوات طويلة. فماذا حدث؟ مرت ست سنوات فقط فنزلت علي رؤوسنا أصعب حرب في تاريخ اسرائيل، حرب يوم الغفران. في تلك الحرب وجدنا أننا لا نملك ردعا ولا كُندرةً . بل علي العكس، لم تؤدِ الهزيمة إلا الي حث الجيوش العربية علي استعادة كرامتها الضائعة، وقد نجحت في القيام بذلك خلال فترة قصيرة من الزمن. اسرائيل أدركت قصور قوتها. ربما ايضا تؤدي هذه الحرب بدورها الي إنزالنا من الخيال الي ارض الواقع، حيث تعتبر القوة العسكرية مجرد قوة عسكرية، وأن زرع الدمار والبؤس وإلحاقهما بمئات آلاف المدنيين، كما فعلنا في لبنان، هو عمل ليس إجراميا فقط وانما غير نافع ايضا. ذلك لأننا في مواجهة الفلسطينيين ايضا نسجل الانتصارات و الانجازات طوال الوقت، فما الذي ربحناه من ذلك؟ الردع؟ وهل تنازل الفلسطينيون عن حلمهم بأن يكونوا أحرارا طلقاء في بلادهم؟.فشل الجيش الاسرائيلي في مواجهة حزب الله ليس هزيمة مصيرية. اسرائيل قتلت وأُصيبت ايضا بالخسائر، ولكن وجودها أو أي قطعة من ارضها لم تدخل دائرة الخطر للحظة. المصطلح المحبب لدينا حرب وجودية ليس أكثر من مجرد تعبير عن هزلية هذه الحرب السخيفة، التي كانت منذ بدايتها حربا اختيارية لعينة. ليس من الصعب تخمين ماذا كان سيحدث لو أن حزب الله قد هُزم خلال عدة ايام من الجو، كما وعدونا بتصلف وتبجح في القيادة العسكرية في البداية. الولايات المتحدة كانت تزجنا نحو مجابهة عسكرية مع سورية، وقد كان من الممكن أن نقع في إغراء ذلك لو أننا أُصبنا بنشوة الانتصار. ومن بعد سورية كنا سننتقل الي ايران. وفي موازاة ذلك كنا سنتفرغ لمعالجة أمر الفلسطينيين لتكون النتيجة محاولة لحل المشكلة الفلسطينية من الأساس بواسطة القضم والافتراس والإزالة والقصف والتفجير.ربما لن يحدث كل ذلك الآن، لأننا اكتشفنا أمام أعيننا أن قوة جيشها أكثر محدودية مما حدثونا. القدرة الردعية يمكنها منذ الآن أن ترتد في الاتجاه المعاكس: اسرائيل كما نأمل ستفكر مرتين قبل أن تدخل في مغامرة عسكرية خطيرة مرة اخري. صحيح أن خطر رغبة الجيش الاسرائيلي في استعادة كرامته الضائعة علي ظهور الفلسطينيين الضعفاء قد يعود مرة اخري، ذلك لأنهم سيفكرون أنهم اذا لم ينجحوا في بنت جبيل فمن الممكن التعويض عن ذلك في نابلس.يتوجب أن نأمل أن تصحو هذه الحكومة وأن تقرر اليوم وضع نهاية لهذه الحرب الجنونية. ولكن اذا استوعبنا فكرة أن ما لم ينجح بالقوة لن ينجح بالمزيد من القوة – فان هذه الحرب قد توصلنا الي طاولة المفاوضات. من المحتمل أن يدرك المستوي السياسي منذ الآن أن الاستجابة للمخاطر التي تُخيم علي اسرائيل لا تكمن في المزيد من ممارسة القوة. وأن الاستجابة لمطالب الفلسطينيين المشروعة لا تكمن في عشر عمليات سور واقٍ اخري، وانما في احترام حقوقهم. وأن الرد علي التهديد السوري يكمن في اعادة هضبة الجولان لأصحابها الشرعيين من دون تسويف، وأن الاستجابة للخطر الايراني تكمن في تقربنا من العالم العربي والاسلامي وإزالة العوائق بيننا وبينهم.اذا انتهت هذه الحرب اذن كما تنتهي اليوم، فربما يسأل عدد أكبر من الاسرائيليين أنفسهم لماذا نقتل ونُقتل، وربما سيدركون أن كل هذا كان سدي مرة اخري. ربما يكون انجاز هذه الحرب في حفر فشلها عميقا في الوعي الاسرائيلي، الأمر الذي يدفعها الي طريق جديد أقل عنفا وأقل عربدة – وكل ذلك بسبب الفشل. في عام 1967 كتب افرايم كيشون: عفوا، لقد انتصرنا ، في هذه المرة من الممكن تقريبا القول: من الجيد أننا لم ننتصر.جدعون ليفي(هآرتس) 13/8/2006