‘في ميدان العباسية .. ستجده واقفا هناك .. بملابسه الداخلية .. فقط ينظم حركة المرور .. بجوار العسكري المسكين، وحين أضاءت الإشارة الحمراء .. حاولت سيارة زالاموكة سوداء المرور، لكنه وبكل جسارة وقف أمامها وضرب بقبضة يده مقدمة السيارة الفارهة ..
كان ممددا بطول جسمه على الآرض .. عندما حاولت السيارة المرور عنوة ‘بهذه السطور ينهي الكاتب هشام علوان روايته السابقة ‘تحول الكائنات’ واصفا بطله ‘شهاب’ الذي تناوشته الحياة، حتى خلصته من بقايا ثوريته، وأمام الضغوط الهائلة، انفجر ‘شهاب’ متحولا إلى هذا المجنون البائس، ليلتقطه ‘هشام علوان’ بطلا لروايته الجديدة ‘دفاتر قديمة’ مواصلا سرديته، حيث يصطنع حيلة روائية تضع روايته في محك الرواية الجديدة التي تخلق لنفسها خطا غير مسبوق من خلال تقنية الكولاج القص واللصق حيث تقوم الرواية على متابعة ‘الرائد أكثم’ لقصاصات قديمة كتبها شهاب، وهذه القصاصات عبارة عن فصول سابقة من روايته ‘تحول الكائنات’ وبهذا يصطنع هشام تقنية جديدة تماما على الرواية، بجعل الارتداد الزمني يتحول إلى ارتداد لروايته الأسبق زمنيا، فينقل خمسة فصول كاملة من روايته ‘تحول الكائنات’ مبدلا عناوينها من ‘اليوتوبي’ إلى ‘المثالي، ومن ‘الرومانتيكي’ إلى ‘العاشق’ ومن الإيروطيقي ‘إلى الوريث’ ومن ‘الراديكالي’ إلى ‘الثوري’، بينما احتفظ بـ ‘الداجن’ اسما للفصل ذاته في الروايتين، وقد أسقط اللفظ بالإنجليزية الذي حرص على ترجمته في عناوين الفصول .. وهي تغييرات طفيفة، مثل تغييراته القليلة في متن الفصل ذاته.
فما القيمة التي تمثلها هذه الطريقة الغريبة في بنية الرواية ؟ الحق أن كثيرين لن ينتبهوا لهذا ‘الكولاج’ الروائي، والواضح أيضا أن الكاتب قد وقع بشكل ما في ‘غواية نصه’، وهو ما فعله من قبل في روايتيه المتشابهتين: ‘واحة الخصيان’ و’المواوية’، ولذا ستجد الجزء المقتبس يقترب أكثر من الذاتي، فشخصية ‘شهاب’ تكاد تكون ‘المرتجى’ الذي يحلم به الكاتب، شهاب هو مرآة هشام، وتطوحه وتطلعه، ولذا فروح المؤلف مأخوذة مشدودة لشخصية شبيهه ‘شهاب’ وهو ما يبرر الفصول الخمسة المقتبسة، فضلا عن شغف التجريب ذاته.
إن الرواية تتصور أن هناك إدارة بوزارة الداخلية تتبع المجانين باعتبارهم يتخفون لإحداث الثورة المنتظرة، وهي إدارة قديمة منذ كانت تراقب نجيب سرور، ويذكر الكاتب أن الرائد أكثم كان مولعا بنجيب سرور، وقد رثاه بعد موته [ توفي نجيب سرور عام ور في 24 أكتوبر 1978 عن ستة وأربعين عاما وهو ما يعني عمليا استحالة وجود الرائد أكثم في الخدمة في هذا الوقت ] ثم يتطور الأمر ليراقب شهاب، ثم تتطور الرواية تطورا عبقريا بدخولها إلى متنها الأساسي بالحديث عن الرائد أكثم وزواجه الفاشل من صافي ابنة اللواء شكري تيمور، وكيف اكتشف أنها أسرة فاشلة داعرة، وكيف تخلص من زواجه القذر هذا، وحالة الازدواج التي يعيشها هذا الضابط الشاب، حتى تصل بنا الرواية في يسر إلى انتفاض المجانين في ميدان التحرير.
وفكرة جنون العقلاء قائمة في التراث العربي ولها أصلها المنتشر في أدبيات التحامق والغفلة والجنون، حتى أن أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري يخصص كتابا كاملا يحمل عنوان ‘عقلاء المجانين’ وإن كان قد مال لجنون الهوى قليلا، وفيه يسمي فصلا بعنوان ‘من تجان وتحامق وهو صحيح العقل وهم ضروب، فمنهم من تعاطى ذلك ليرى شأنه ويستره على الناس سمعت أبا موسى عمران بن محمد بن الحصين يقول: سمعت إبراهيم بن الحارث الكرماني يقول سمعت أحمد الدورقي يقول قال مالك بن دينار: رأيت بالمصيصة شيخاً في عنقه غل وسلسلة والصبيان يرمونه وهو يقول:
إن من قد أرى على صور النا … س وإن فتشوا فليسوا بناس
قال فتقدمت إليه فقلت أمجنون أنت؟ قال أنا مجنون الجوارح لا مجنون القلب ثم مر وأنشأ يقول:
واريت أمري بالجنون عن الورى … كيما أكون بواحدي مشغول
يا من تعجب في الأنام لمنطقي … ماذا أقول ومنطقي مجهول
(صدر بتحقيق د. عمر الأسعد عن دار النفائس )
***
تمثل هذه المقتبسات الطويلة جدا، تمثل ‘ الضد الجمالي ‘ على مستوى اللغة والحدث للرواية ذاتها دفاتر قديمة وكأنه يوازن دموية الحدث، وخشونة الشخصيات، وعنف اللفظ، بالفلاش باك الغارق في رومانسيته، بينما جاءت لغة الفصول الجديدة أقرب إلى لغة تقارير المباحث، على مستوى الشخوص، قدم ‘علوان’ تحفة نادرة، كاشفا بحرفية فنية، وفتنة خالصة باللغة، عن نفسية ضباطه أبطال الرواية الرائد أكثم، اللواءات، لكن شخصية أكثم تحديدا نالت من عناية الكاتب، ليجعله حاملا للضدين معا، النبل والشراسة، التعاطف والحنق، الرجولة والديوثة، بينما تلعب الشخصيات الثانوية دورها الأكثر أهمية في الرواية، حيث نجد ‘(عكاشة الزعيم)، (سونيا مجنونة ناصر) (النبي جـمال) ‘فرحة’، خليل المهندس الزراعي وزوجته إلخ .. وقد صاغ الكاتب شخصياتهم بقليل من النمطية السائدة في أفلامنا العربية، إلا أنه منحهم بُعدا فانتازيا حقيقيا، ثم توسع في مدهم برمزية جعلتهم وقودا للثورة، وتأسيسا للغضب العام. يأتي بعد ذلك التقاط شخصية نجيب سرور متكأ للدخول لعالم الجنون، بما يحمل من رمزية الخروج على القانون المجتمعي، ومواجهة هذا التحالف الفاسد مهما كانت قيمته ..
***
إننا أمام لغة ناقلة بعفوية ناعمة، موحية بالبساطة الخادعة، حيث الكتابة ‘قنص فاتن’ كما يكرر هشام علوان، وحيث لا يميل الكاتب إلى تشفير نصه بصياغات معجمية غامضة، كما يقول في حوار له، وبلغة سليمة محكمة فصيحة وعامية، لغة هشام علوان دائما أنيقة، رغم غرقها في التدني الفني البديع الخادم للحدث والجو النفسي: (أطلق عليه اللواء أشرف جلال لقب ‘كبّاش البيوض’ وهو حيوان أولي …) صـ 105
(قتلته يا ابن الوسخة) صـ125.
***
عبر أربع روايات ومجموعاته للأطفال، سيطرت على إبداعات هشام علوان، روح أخاذة، لا ينسى القارىء مطلقا، وهو صادق مع نفسه، ولذا يضىء صدقه أفئدة الآخرين.
الرواية صدرت في ديسمبر 2012م عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة .