العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (9)
سيادة العنصر العربي في التكوين الديمغرافي ليست ظاهرة تاريخية بل واقعاً ونتاجا لتحولات تاريخية معقدةولادة فكرة القومية وتأثر الجماعات الكردية والتركمانية والايرانية بها تركت اثرا سلبيا علي التعرب في العراقالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (9)بشير موسي نافعہ تنشر القدس العربي مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض.انتشار القبائل العراقيةإن الدلائل التي توحي بها صورة انتشار العشائر العربية في العراق في النصف الأول من القرن العشرين، عندما أخذت هذه الصورة في الاستقرار إلي حد كبير، هي دلائل بالغة الإثارة والأهمية. لقد وفرت خصوبة العراق، حيث يشق أرضه علي امتدادها كله نهران رئيسيان، بتفريعات عديدة وانهار أخري أصغر نسبياً، وحيث ترتفع معدلات سقوط الأمطار في المناطق الشمالية، مسرحاً واسعاً لتوزع العشائر وانتقالها. وساهمت الحروب، سواء الحروب بين العشائر ذاتها، أو بينها وبين حكومات العراق المختلفة، أو بين العراق والقوي المجاورة، في إطلاق دينامية واسعة من الانتقال والتداخل بين عشائر القبائل المختلفة. ففي حين كان من الممكن غالباً تعيين ديار محددة في الجزيرة العربية لقبائل بعينها، فإن ذلك ليس واقعياً دائماً في ما يتعلق بالعراق. ثمة مواطن في العراق شهدت استقراراً كثيفاً لعشائر هذه القبيلة أو تلك، ولكن انتشار هذه العشائر في أغلب الأحيان يستعصي علي التحديد والحصر. وهذا، ربما، ما يجعل الوجود العربي العشائري في العراق فريداً إلي حد كبير. حتي منتصف القرن العشرين، كانت عشائر عنزة، الظفير، حرب، وشمر العراقية، تعتبر عشائر بدوية ينحصر مجال تجوالها في الصحراء جنوب وغرب الفرات، وفي منطقة الجزيرة الفسيحة. ولكن الصورة الحقيقية لتفرع هذه العشائر ونمط حياتها أكثر تعقيداً. فعنزة وحرب والظفير هي آخر العشائر وروداً إلي العراق، وقد ارتبط قدومها في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر بالصراعات القبلية الناجمة عن صعود وتوسع الحركة السعودية – الوهابية. أصل مواطن حرب هو الحجاز ونجد، وقد اتخذت عشائرها العراقية من منطقة الشامية، قرب الأخيضر، دياراً لها؛ ولكن أغلب عشائر حرب عادت فيما بعد إلي الجزيرة العربية. عشائر الظفير، من جهة أخري، هي أقرب إلي العشائر المتحالفة منها إلي تجمع قبلي واحد، وتتجول، كما عنزة، في جانب الفرات بين الزبير وأنحاء السماوة. أما عنزة، التي تعود إلي وائل وتعتبر واحدة من أقدم القبائل العربية، فتنقسم إلي قسمين رئيسين هما بشر ومسلم. من مسلم جاءت الرولة، التي هي عنزة بلاد الشام، ووهب، الذين هم أصل آل سعود؛ بينما تعود معظم عنزة العراق إلي فرع بشر. وتتجول عشائر عنزة عبر المجال الصحراوي العراقي غربي الفرات وجنوبه، من الحدود السورية- الأردنية إلي الحدود السعودية. ويقر العزاوي، الذي كان يكتب في ثلاثينيات القرن العشرين، أنه حتي بين عنزة كان هناك في ذلك الحين ريفيون. شمر هي بالتأكيد الأكثر تعقيداً وتوزعاً. إن أهم فروع شمر في العراق هي شمر الجرباء، زوبع، وسنجارة؛ وقد غلبت البداوة علي هذه العشائر إلي أن أخذت في الاستقرار خلال النصف الثاني للقرن العشرين. تشترك سنجارة وزوبع في نجار واحد؛ وبينما يعود تاريخ ورود زوبع إلي العراق إلي النصف الأول من القرن الثامن عشر، علي الأرجح، فإن سنجارة كانت ربما آخر عشائر شمر وروداً. تقطن زوبع غربي بغداد في منطقة أبو غريب وباتجاه الفلوجة، وتتوزع سنجارة بين الموصل وأراضي نهر اليوسفية من منطقة المحمودية. شمر الجرباء هي أكثر عشائر شمر العراقية شهرة، وهي التي تضم عائلة رؤساء شمر. تأخر وصول شمر الجرباء إلي العراق إلي بداية حركة التوسع السعودي ـ الوهابي، ووجدت في العقود الأولي من القرن التاسع عشر علي الجانب الأيمن للفرات. ولكنها دفعت، بسبب من تورطها في حركات تمرد ضد داود باشا والإدارات العثمانية التالية، إلي منطقة الجزيرة وأعلي دجلة، حيث أزاحت عشائر العبيد إلي الحويجة، والجبور إلي عدة مناطق متفرقة. بيد أن شمر تشمل أيضاً عدداً من العشائر الريفية التي تتابع قدومها إلي العراق، ومن ثم استقرارها، منذ القرن الثامن عشر. هناك بنو سعد، الشمامرة، الجعفر، الأكرغ، والبوحسان، التي تقطن مناطق المسيب، الدغارة، الكوفة، الرميثة، والديوانية. وأهم عشائر شمر الريفية هي شمر طوقة والمسعود، التي وصلت سوية إلي العراق ومن ثم انقسمت بين منطقتين، حيث استقرت طوقة علي الجانب الشرقي من دجلة بين نهري ديالي والكوت، بينما استقرت المسعود في كربلاء والمسيب علي أطراف نهر الحسينية. قبائل شمرتنحدر شمر من أصول طائية؛ ولكن وجود طيء في العراق قديم وإمارتهم في الجزيرة وأعالي الفرات كانت واحدة من أهم الإمارات العشائرية في عصر الحكومات المغولية والتركمانية في العراق. ما تبقي من العشائر التي تحمل اسم طيء، بعد نهاية الإمارة وتدافع قوي عشائرية جديدة نحو الجزيرة وجانبي الفرات الأعلي، تفرق بين الموصل وماردين. ولكن العراق يضم إلي جانب شمر كتلتين رئيسيتين من العشائر الطائية الريفية، هي بنو لام والسنبس (أو معن). تواجد بنو لام في أنحاء العمارة، شرقي دجلة، منذ القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وربطت بينهم وبين المشعشعين الغلاة في الحويزة علاقات معقدة. وبالرغم من أن العزاوي يصنفهم ضمن العشائر الطائية، فإن أوبنهايم يصف أصولهم بأنها غامضة. المؤكد، علي أية حال، أن وجودهم في ناحية العمارة قد سجل منذ الفتح العثماني للعراق، وقد أدي اتساع تفرعهم ومجال استقرارهم إلي أن بعضهم انتهي إلي الجانب الإيراني من الحدود وبات يتحدث الفارسية. ولا يخفي أن بعض العشائر التي تتظلل ببني لام تنتمي أصلاً إلي كعب وربيعة والعبيد والبومحمد والأجود. أما عشائر سنبس (معن)، الكتلة الثالثة من العشائر الطائية، فإن فروعها لا حصر لها، ومنهم في أربيل والموصل وبغداد وسامراء والحلة والفلوجة والرمادي واليوسفية. وإليهم تنتمي عشائر الخزاعل الشهيرة التي تقطن ما بين كربلاء والحلة والنجف، والتي لعبت دوراً كبيراً في ثورات العشائر في حوض الفرات. كتلتا زبيدوبين العشائر العراقية الريفية كتلتا الزبيدية، زبيد الأكبر وزبيد الأصغر، التي أخذت في الاستقرار خلال مراحل متفاوتة من تاريخ العراق. تنقسم عشائر زبيد الأكبر إلي البوسلطان، الجحيش، السعيد، بني عجيل، المعامرة، والعمار. ويقطن القطاع الأوسع من عشائر زبيد الأكبر في جوار الحلة، ولكن بعضاً من الجحيش يوجد في منطقة الموصل؛ كما أن عشائر بني عجيل توجد في الصويرة، قرب الكوت. وينتمي إلي زبيد أيضا آل حميد، بنو زيد، السواعد، وآل أزيرج والبو محمد. وتتفرق أغلب هذه العشائر في أنحاء نهر الغراف والجزائر والمنتفق والعمارة. ولعل أكثرها تفرعا عشائر البومحمد، التي نازعت بني لام الهيمنة علي جانبي دجلة في منطقة العمارة. وربما كان رؤساء البومحمد من العزة، إذ ليس من المستغرب في تقاليد الكثير من العشائر الريفية العراقية أن تأخذ عشيرة ما رؤساء لها من خارج العشيرة. أما زبيد الأصغر، فتضم بعضا من أهم العشائر العراقية وأكثرها تفرعاً وتوزعاً. أولها الجبور التي تنبث في أنحاء مختلفة من العراق، بما في ذلك ديالي، اليوسفية، الحلة، أنحاء الموصل، الزاب الكبير، الخابور والديوانية. ثانيها الجنابيون، الذين يقطن قسم منهم بين الثرثار ودجلة، وأراضي الزبيدي، والإسكندرية والمسيب واللطيفية، في حين أن بعضهم الآخر يتواجد في أنحاء تكريت. ثالثها الدليم، الذين هم أغلب محافظة الأنبار الحالية (لواء الدليم العثماني) من الفلوجة إلي عانة في أعالي الفرات، وهم أيضا في الشامية والجزيرة وسلمان باك. ومن عشائر الدليم التي انفصلت مبكراً آل الفتلة، الذين تنقلوا من موطن إلي آخر حسب المتغيرات في مجري الفرات الأوسط إلي أن استقروا في المشخاب، وكان لهم دور بارز في ثورة العشرين. ويساكن الدليم في أعلي الفرات بعض من العشائر الصغيرة كالجميلة، العكيدات (أو العقيدات)، الشجيرية، الكرطان والبكارة. رابع عشائر زبيد الصغري هي العبيد التي استقرت بطونها المتعددة في الحويجة، الزاب الصغير، اليوسفية، أنحاء الموصل، الضلوعية، ديالي، أنحاء كركوك وشمالي الحلة. وقد لعب رؤساء العبيد من آل الشاوي أدواراً هامة في تاريخ العراق السياسي والثقافي خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. خامسها هي عشائر العزة التي لا تقل تفرعاً عن الجبور والجنابيين والدليم والعبيد، وربما تفوقها جميعا في الانتشار. كانت مواطن عزة أصلاً شرقي دجلة بين بغداد وكركوك، ولكن النزاعات العراقية ـ الإيرانية المتكررة أدت إلي انتشارها الواسع. وتتواجد عزة الآن في أنحاء الموصل وكركوك وبغداد وديالي وتكريت، كما في الحلة وأعلي الفرات، وتساكن ربيعة في الكوت، بل ويتواجد بعض منها في منطقة العمارة أيضاً. عشائر المنتفقإحدي أهم كتل العشائر العراقية الريفية هي بلا شك عشائر المنتفق التي اجتمعت حول إمارة لها عاشت من منتصف القرن الثاني عشر الميلادي إلي أواخر القرن التاسع عشر. لقد استوطن بنو المنتفق، الذين يرجح عودة أصلهم إلي بني عقيل، الأهوار الواقعة بين الكوفة والبصرة، ولكن إمارتهم لم تبرز إلا بعد انهيار إمارة بني أسد المتمركزة في الحلة. ثم أخذت عشائر المنتفق رؤساء لها من بني شبيب (السعدون)، الذين يرجعون في أصولهم إلي أشراف الحجاز، في المائة العاشرة للهجرة/ السادسة عشرة الميلادية. ومنذ برزت إمارة المنتفق بعد دفاعها بقيادة مانع السعدون عن البصرة في مواجهة الغزو الفارسي في 1625، بدأت عصبية الإمارة في الاتساع لتضم تحت مظلتها العديد من العشائر الأخري التي يصعب تحديد تاريخ ورود كل منها إلي جنوب العراق والتي لا يجمعها بالضرورة أصل قبلي واحد. تنقسم المنتفق إلي عدة عشائر رئيسية، أكبرها هي عشائر الأجود التي هي بلا شك من أصل عقيلي. أهم فروع الأجود غزية والشريفات والبدور، وأخري متعددة؛ وإليها أيضا تنتمي خفاجة (العقيلية هي الأخري) التي سيطرت زهاء القرون الثلاثة علي المنطقة الممتدة بين كربلاء والكوفة. وفي حين يستوطن الأجود أسفل الفرات، فإن بينهم من يتواجد في ديالي شمالي شرق بغداد. وضمن المنتفق أيضا بنو مالك الذين يتفرعون إلي عدة عشائر رئيسية، بمن في ذلك بنو أسد الذين فقدوا نفوذهم منذ انهيار إمارتهم في منتصف القرن السادس الهجري/ منتصف الثاني عشر الميلادي. وتتواجد عشائر بني مالك في أنحاء كربلاء والحلة، والحباب من محافظة ديالي، كما في المجر الصغير من منطقة العمارة. ويذكر العزاوي أن كلاً من عشائر زنكنة والطالبانية الكردية تعود في أصولها إلي بني أسد، وهو إن صح فإنه يشير إلي أن التداخل العربي ـ الكردي لم يكن فقط علي مستوي الأفراد والعائلات بل أيضا علي مستوي المجموعات العشائرية. أما أهم عشائر المنتفق الأخري فتشمل بني سعيد في العمارة، بني حجيم (ويتفرع منهم الظوالم الذين انطلقت منهم في الجنوب ثورة العشرين) في الديوانية، وعدة عشائر في البصرة وأسفل دجلة. إلي جانب العشائر الزبيدية، الطائية، وعشائر المنتفق، ثمة عدد من العشائر الريفية الأخري الهامة ذات الجذور البعيدة في العراق وذات الأثر الهام في تكوينه الديمغرافي. هناك، مثلاً، عشائر ربيعة التي تضم عدة فروع رئيسية، مثل المياح، السراي (السراج)، أهل الثلث، الكريش (أو قريش) وبنو عمير؛ ويقطن بعض منها أسفل دجلة في الكوت والعمارة، وبعضها الآخر جنوب وجنوبي غرب بغداد في أنحاء المسيب وفم نهر اليوسفية علي جانب الفرات. وهناك أيضا بعض من كعب، التي انقسمت عشائرها بين إيران والعراق، ويسكن جزؤها العراقي شمال العمارة والكوت والخالص علي جانب الفرات. وتنتشر مجموعة من العشائر القيسية بين بيجي، أبي غريب، بغداد، الدليم، وبعقوبة، وبلدروز. في حين يتواجد بنو تميم في أنحاء مختلفة من العراق، من البصرة جنوبا إلي ديالي والأنبار في الوسط. ويضاف إلي هذا المشهد العشائري بالغ التعقيد والتداخل زهاء العشرين من عشائر السادة العلويين، التي تتراوح في حجمها وثقلها البشري، وتنتشر من الموصل شمالاً إلي البصرة جنوبا. بين هؤلاء الحديديون، المشاهدة، آل ياسر، آل أبي طبيخ، آل السيد مهدي، سادة بني حسن، آل مكوطر، سادة العمارة، ومجموع عشائر سامراء (أو السوامرة) من السادة بفخوذهم المتعددة، وآخرون. ورد هؤلاء إلي العراق من الجزيرة العربية لا سيما الحجاز في أزمنة مختلفة، وقد وجدوا تشجيعا خلال العهد العثماني الأخير من قبل رجال الحكم العثماني للاستقرار وسط العشائر العراقية المختلفة. كان رجال الإدارة العثمانية يسعون إلي توظيف السلطة المعنوية للسادة من أجل المساعدة علي استقرار العشائر ووضع حد لتقاليد الإغارة والتمرد التي عاشت عليها طويلاً، وتوطيد روح الالتزام بأحكام الشريعة والقانون في صفوفها. ولكن أسر السادة الأشراف في العراق لا تقتصر علي تلك المنتشرة في الأوساط العشائرية الريفية، بل تتواجد أيضا، بأصولها العلوية والعباسية في الحواضر العراقية الرئيسية مثل بغداد والموصل والبصرة. سيادة العنصر العربيما الذي ينبغي قراءته إذن في هذه الصورة من الانتشار والتداخل العشائري؟ إن سيادة العنصر العربي في التكوين الديمغرافي العراقي ليست ظاهرة تاريخية فقط بل هي أمر واقع أيضاً. هذا لا يعني أن سيادة العنصر العربي كانت ستتطور بالضرورة إلي وعي قومي، ولا شك أن ولادة الفكرة القومية في العراق هي مجال بحث مختلف. الدلالة الثانية لهذه الصورة أن العراق وإن شهد في أطوار قصيرة من تاريخه حالة انقسام إداري بين الموصل وبغداد والبصرة، فإن الانتشار والتداخل الكثيف بين عشائره يجعل من العبث، علي الأقل بشرياً، تصوره علي أساس من ثلاث دوائر جغرافية مميزة: شمال ووسط وجنوب. ان كتلة عشائرية رئيسية واحدة يصعب أن توجد في موطن جغرافي محدد؛ وتكاد كل الكتل العشائرية الرئيسة تنتشر بفرع أو أكثر بين الشمال والوسط والجنوب، بين أعلي دجلة والفرات وأسفلها، وبين وادي الفرات ووادي دجلة. أما إن وضعنا في الاعتبار أن القرن العشرين قد شهد حركة تحرر حثيثة من قيود وحدود العشيرة، وان التزاوج والنسب أصبحا يربطان قطاعات واسعة من العراقيين بغض النظر عن خلفياتهم العشائرية، فلنا أن نتصور ما الذي أدي إليه التـــداخل والانتشار العشائري.عروبة نتاج تحولات تاريخيةبيد ان من التبسيط، علي أية حال، الاستنتاج بأن عروبة العراق، هوية وثقافة، تتعلق فقط بالانتشار الديمغرافي الواسع لأبناء العشائر العربية في كافة أنحاء البلاد. فالعراق نتاج تحولات تاريخية كبري وبالغة التعقيد، وقد جعله موقعه الجغرافي في التخوم الشمالية – الشرقية للحوض العربي ساحة استقبال دائمة للهجرات من المحيط الآسيوي. في مطلع تاريخه الإسلامي، خلال عصر الازدهار الفكري والثقافي، استقبل العراق الآلاف من العناصر المسلمة غير العربية التي جذبتها إليه المدارس الفقهية والكلامية واللغوية الإسلامية، أو الطموح للانضواء في سلك الدولة، أو الدوافع الاقتصادية. كان طبيعيا أن تنعكس تحولات ما بعد الغزو المغولي للعراق، الذي حكمته سلالات تركمانية قصيرة بعد انهيار السيطرة المغولية، ثم خضع للحكم الصفوي لعقود ثلاثة في النصف الأول من القرن السادس عشر قبل أن يصبح جزءاً من الإمبراطورية العثمانية في1535، علي تكوين العراق وبنيته. ومنذ منتصف القرن الثامن عشر وحتي عودة الحكم العثماني المركزي في 1831، تمتع أغلب العراق بإدارة ذاتية سيطرت عليها طبقة مملوكية من البيروقراطية العثمانية العسكرية والمدنية تعود أصول معظم عناصرها إلي منطقة القوقاز. عبر هذه الحقبات التاريخية المختلفة، استقبل العراق أعداداً متفاوتة من العناصر الوسط ـ آسيوية، الفارسية، التركية والتركمانية، والقوقازية، سواء كأفراد أو مجموعات عشائرية. في منطقة المرتفعات الكردية، وفي كركوك ونواحيها، كما في النجف وكربلاء، حافظت التجمعات السكانية الكردية والتركمانية والفارسية علي لغتها وهويتها الثقافية. ولكن في أنحاء أخري، خاصة في المدن الرئيسية، كان العراق ساحة انصهار ثقافي وتعرب مستمرة، لا توازيها أية ساحة عربية أخري. ساهم في حركة الانصهار والتعرب أن عروبة العراق بمعناها الثقافي أصبحت سمته الرئيسية منذ الفتح الإسلامي، وساهم فيها أيضا الانتماء الإسلامي الذي ربط كل هذه المجموعات العرقية مع عرب العراق، والدور المركزي الذي لعبته العربية وتلعبه في الانتماء الإسلامي، بل إن الرابطة الإسلامية والموقع الإسلامي للعراق لعبا أحياناً دوراً مباشراً في عملية التعرب، كما هو الحال مع العديد من أسر العلماء وغير العلماء الشيعة من أصول فارسية، الذين استقروا في النجف أو كربلاء منذ عدة أجيال، وأسر العلماء السنة الذين قدموا للعراق من جهات مختلفة، لا سيما هربا من الاضطهاد الصفوي، وحظوا باستقبال ورعاية السلطات العثمانية. إن الظاهرة الجديرة بالاهتمام والتي تشير إلي تاريخية واستمرار حركة التعرب، أن هناك عشائر عراقية غير عربية الأصل قد أصبحت عربية اللسان. يلاحظ إبراهيم فصيح الحيدري، مثلاً، في نهاية القرن التاسع عشر، أن عشائر إمارة ديزه يي الكردية في منطقة إربيل يتكلمون العربية لا يفرقهم السامع من طيء لساناً وهيئة .. ، وذلك بفعل اختلاطهم مع عشائر طيء التي كان لها الكلمة العليا في لواء إربيل آنذاك. كما يلاحظ الحيدري، بشكل مماثل، ان اختلاط عشائر البيات التركمانية، القاطنة في منطقة كركوك، بعشائر العبيد العربية، أدي إلي تبني البيات العربية. وتنتشر عشائر البيات، التي شاركت في الفتح السلجوقي للأناضول في القرن الحادي عشر الميلادي، بين إيران وجنوب شرق الأناضول وسوريا وشمال العراق. ومن جهة أخري، يؤكد العزاوي أن عشائر كرد لواء الديوانية في جنوب العراق تعود بأصولها إلي قبائل كردية عدة، مثل بزيني والهماوند والديزه يي، بالرغم من أنها طورت عصبية واحدة في موطنها الجديد. وقد تعربت هذه العشائر بحيث أن أحداً بينها لا يتكلم بغير العربية.المدن وبوتقة الصهر العروبيبيد أن البوتقة الحيوية لحركة التعرب كانت المدن العراقية الرئيسية. فقد شهدت مدينتا كربلاء والنجف منذ نهاية الربع الأول للقرن الثامن عشر، بعد انهيار الدولة الصفوية ووقوع إيران فريسة لصراعات الجند وقادة القبائل والطامحين، شهدت تدفقاً للعلماء والطلاب المسلمين الشيعة، مما حول المدينتين إلي مركزين بارزين للعلوم الإسلامية الشيعية. وإذ أخذت المدينتان في الازدهار، تزايد الوجود الفارسي فيهما ليصل إلي ذروته في مطلع القرن العشرين، حيث شكلت الجالية الفارسية ثلث سكان النجف البالغ عددهم ثلاثين ألف نسمة، وثلاثة أرباع سكان كربلاء الشيعة البالغ عددهم 75 ألف نسمة. خلال العقود القليلة التالية، وخاصة بعد ولادة الدولة العراقية الحديثة في 1921، ومن ثم صدور قانون الجنسية العراقي في 1924، اختارت أعداد من أبناء الجالية الفارسية مغادرة العراق والعودة إلي إيران. آخرون منهم حافظوا علي جنسيتهم الإيرانية واستمروا في الإقامة في العراق كأجانب؛ بينما حصل البعض الآخر علي الجنسية العراقية، وأصبحوا بالتالي مواطنين عراقيين. كانت اللغة الفارسية هي لغة التخاطب السائدة في كربلاء حيث التواجد الإيراني مرتفع نسبياً، في حين كان استخدام الفارسية بدرجة أقل في النجف، كما في الكاظمية، شمالي بغداد، التي احتضنت هي الأخري جالية فارسية صغيرة. ولكن ذلك لم يقف حاجزاً أمام تعرب الجيل الثاني أو الثالث من أبناء الجالية الفارسية، خاصة في أوساط عائلات العلماء التي استقرت في النجف وكربلاء نهائياً. وتقدم أسر علمائية شهيرة، كبحر العلوم، الأنصاري، الخليلي، الكرباسي، الماقاني، آل نجف، الشهرستاني، الحكيم (الطباطبائي)، والخوئي؛ وعائلات سادة كالقزويني، أمثلة علي حركة التعرب وسط أبناء الجالية الفارسية منذ منتصف القرن الثامن عشر، والتي شملت عدداً كبيراً من العائلات، بل إن وزير التعليم العراقي في وزارة أيلول (سبتمبر) 1921، هبة الدين الشهرستاني، كان لم يزل إيراني التبعية عندما رشح للوزارة، وقد أعلن عند قبوله مقعد الوزارة عن نيته اكتساب الجنسية العراقية عندما تضع الدولة أنظمة التجنس.رجال السياسة والعلم والانصهار في العروبةإن بعضاً من رجال الدولة والسياسة والعلم، ممن لعبوا أدواراً بارزة في تاريخ العراق والعرب، تعود أصولهم إلي أسر كردية أو تركمانية أو مملوكية (شركسية وجورجية). جعفر العسكري (محمد جعفر العسكري؛ 1885 ــ 1936)، الضابط في الجيش العثماني، الذي انضم إلي الحركة العربية الشريفية خلال الحرب العالمية الأولي، وساهم بعد ذلك في تأسيس الجيش العراقي، ثم تولي الوزارة عدة مرات، ورئاسة الوزارة مرة واحدة في مطلع العهد الملكي، هو سليل عائلة تركمانية الأصل من منطقة كركوك. وكذلك صديقه ونسيبه، نوري السعيد (محمد نوري بن سعيد أفندي بن صالح بن الملاطة؛ 1888 ــ 1958)، الوزير ورئيس الوزراء النافذ في العهد الملكي، الضابط السابق في الجيش العثماني وعضو جمعية العهد العروبية والضابط لاحقاً في جيش الحركة الشريفية، هو أيضاً تركماني الأصل. حكمت سليمان (عارف حكمت بن سليمان فائق بن الحاج طالب كهية؛ 1889 ــ 1896)، الوزير ورئيس الوزراء في العهد المملوكي، وشقيق الفريق محمود شوكت، الصدر الأعظم العثماني، هو حفيد أحد الإداريين المشهورين في نهايات العهد المملوكي، والذي يعود في أصله إلي منطقة القفقاس. وكذلك ناجي شوكت (1893 ــ 1980)، الضابط العثماني السابق والإداري والدبلوماسي والوزير في العهد الملكي، هو أيضاً سليل أسرة قفقاسية الأصل، بدأ تاريخها في العراق بأحمد آغا، قائد انكشارية بغداد في العهد المملوكي. أما أسرة فتاح باشا، التي قدمت للعراق ثلاثة أجيال من الصناعيين، فتعود إلي أصل تركماني أو إلي أسرة عربية تتركت لفترة من الزمن. وربما كان جعفر أبو التمن (ت 1945)، رجل الحركة السياسية الوطنية في العراق الملكي، التاجر البغدادي الشيعي الذي حمل توجهات اجتماعية يسارية، حفيد تاجر إيراني الأصل جاء إلي بغداد من ميناء بوشهر. أما بكر صدقي (بكر صدقي بن شوقي العسكري؛ 1890 ــ 1937)، قائد الجيش العراقي في منتصف الثلاثينيات وصاحب أول انقلاب عسكري في تاريخ العرب الحديث، فقد كان كردي الأصل.وإلي جانب العديد من الأسر العلمائية السنية ذات الأصول العربية، التي رسمت خارطة الفكر والثقافة في بغداد العثمانية، مثل عائلتي الألوسي والسويدي، ثمة عائلتان قدمتا عدة أجيال من علماء مدينة بغداد وجوارها. أولها هم الحيدريون، الذين قدموا إلي بغداد من أربيل في القرن السادس عشر، ويشير مؤرخوهم إلي أنهم انحدروا من الأسرة الصفوية ذاتها وأن قدومهم إلي العراق قد نجم عن حركة التحول الشيعي القسري التي قادها الشاه إسماعيل الصفوي في مطلع القرن السادس عشر. أما الأسرة الزهاوية، التي قدمت لبغداد عدداً من علمائها وأدبائها الأعلام، فقد كان مبتداها في بغداد مفتيها من 1854 إلي 1890، محمد أمين فيضي الزهاوي (1797 ــ 1890)، سليل أسرة آل بابان، حكام الإمارة البابانية الكردية خلال القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر.لم يصبح هؤلاء جميعا وغيرهم كثيرون، أفراداً وأسراً، جزءاً لا يتجزأ من فضاء العراق العربي فحسب، بل لعب بعضهم أيضاً أدواراً بالغة الأهمية في توكيد هوية العراق العربية، سياسة وثقافة. هوية العراق العربية، بكلمة أخري، صنعها الانتشار العربي الواسع في أنحائه والتدفق العربي المستمر إليه، كما صنعتها حركة تعرب بالغة الحيوية والتعقيد، رفدت ساحات الفكر والسياسة والصناعة والحكم والتجارة بآلاف من العناصر الفارسية، الكردية، والتركمانية، التي اختارت الانتماء للعراق وعروبته. ولم يكن غريبا بالطبع أن يلعب أمثال نوري السعيد وجعفر العسكري أدواراً هامة في المرحلة الأولي من الحركة العربية، وأن يكون جعفر أبو التمن من قادة ثورة العشرين وأحد أعضاء الوفد الذي وصل إلي الحجاز لدعوة فيصل الأول إلي العراق، وأن يبرز ناجي شوكت إلي جانب رشيد عالي الكيلاني في الحركة الاستقلالية العراقية في 1941، وأن يكون هبة الدين الشهرستاني أحد العناصر الفاعلة في حركة الإحياء الثقافي العربي ـ الإسلامي التي شهدتها النجف في مطلع القرن العشرين. ولكـــــن حركة التعرب أخذت في التراجع خلال حقبة ما بين الحربين، ووصلت إلي نهايتها في منتصف القرن العشـــــرين. إن الأسباب التي أدت إلي تراجـــــع حركة التعرب تعود إلي مجموعة متداخلة من المتغـــيرات السياسية والفكرية.يتعلق المتغير الأول ببروز الدولة الحديثة في العراق وكل جواره العربي والإسلامي. لقد ترك هذا التطور أثراً بالغاً علي أنماط الاجتماع والهوية في العالمين العربي والإسلامي، جاعلاً مؤسسة الدولة مصدراً لشرعية السياسة والانتماء. للمرة الأولي في تاريخ المنطقة تصبح الدولة هي المحدد لشرعية القانون، ومستودع السيادة المطلقة علي الأرض والشعب؛ وأن تؤسس المواطنة علي قاعدة الولاء لهذه الدولة. ولأن هذا التطور قد فرض أصلاً علي المنطقة بفعل السيطرة الإمبريالية المباشرة أو بقوة نظام جديد للعلاقات الدولية، ولم يكن للشعوب العربية والإسلامية دور ملموس في صياغته، فقد تسببت ولادة نظام الدولة الحديثة في بلاد مثل العراق، تركيا، إيران، سوريا، الأردن، السعودية، الكويت .. الخ، في إيقاع اضطراب هائل في حياة شعوب هذه البلدان. أدخل نظام الدولة الحديثة مفهوم الجنسية الحصرية، جواز السفر، القيود علي التنقل عبر الحدود، وفرض علي مواطنيه متطلبات غير مسبوقة كالخدمة العسكرية الإجبارية والانصياع للقوانين التي تشرعها الدولة في مجالات الاقتصاد والتجارة والأحوال الشخصية.فجأة، وجدت عشائر كشمر وعنزة نفسها وقد انقسمت بين دول كسورية والعراق والكويت والسعودية، وأن هذا الانقسام يتطلب حمل جنسيات مختلفة ويفرض قيوداً قاطعة علي تحركها عبر الحدود. وقد اكتشف العرب علي الجانب التركي من الحدود، والتركمان علي الجانب العراقي منها، أن النظام الجديد يفرض عليهم الولاء لدول لا تعبر بالضرورة عن هويتهم الثقافية ولا تشبع حاجات هذه الهوية. وبالرغم من أن الحدود بين العراق وإيران كانت قد رسمت منذ القرن التاسع عشر من خلال الاتفاقات بين الدولة العثمانية والدولة القاجارية، وأن مفهوم التبعية العثمانية والفارسية كان قد أدخل بالفعل إلي حقل العلاقات بين الجانبين، إلا أن سلسلة القوانين والأنظمة التي سنت في العشرينيات من قبل دولتي العراق وإيران الحديثتين جعلت التمايز أكثر حدة ومتطلبات الولاء أكثر وضوحاً وإلحاحاً. هذا التمايز والافتراق ولدا اضطراباً عميقاً وعواقب إنسانية باهظة في حياة أبناء العشائر العربية علي جانبي خط الحدود الجنوبي بين العراق وإيران، كما في حياة الكثير من التجار الإيرانيين أو طلاب الحوزات الدينية الذين استقروا منذ أمد في كربلاء والنجف والكاظمية علي وجه الخصوص.الفكرة القومية: الانقسام والتصادمما أدي إلي تفاقم الانقسام بين الهويات، بل وصدامها، داخل العراق وفي جواره، كان ولادة الفكرة القومية وتصاعدها خلال حقبة ما بين الحربين، والارتباط الوثيق بين الفكرة القومية والدولة الحديثة. لقد ولد التعبير السياسي للقومية التركية من خلال جمعية الاتحاد والترقي في العقد الأول من القرن العشرين، ثم أصبح التوجه القومي التركي جزءاً لا يتجزأ من سياسات الدولة العثمانية بعد سيطرة الاتحاد والترقي علي مقاليد الدولة إثر انقلابي 1908 ــ 1909. ولكن التبني المتردد للقومية التركية خلال السنوات الأخيرة للدولة العثمانية تحول إلي سياسة سافرة للجمهورية التركية بقيادة أتاتورك، سياسة روج لها في المؤسسة التعليمية وفي قنوات الثقافة والإعلام، وطبقت أحياناً بعنف الدولة وأدوات سيطرتها. وفي موازاة السياسة القومية للجمهورية التركية، سعي رضا شاه منذ صعوده إلي السلطة في إيران في 1925 إلي تنمية شعور قومي إيراني يضم في داخله الشعوب الإيرانية المختلفة، وجعل الإطار القومي إطاراً مرجعياً للدولة البهلوية الجديدة. ولم يكن غريباً، وقد أصبح الخطاب القومي خطاباً سائداً في المنطقة أن يبدأ الأكراد في تركيا وإيران والعراق في التعبير عن أنفسهم تعبيراً قومياً. وإن كانت التعبيرات القومية الكردية في مطلع القرن العشرين قد اقتصرت علي المجال الثقافي، وان مطالب الاستقلال الكردي التي قدمت إلي مؤتمر فرساي في 1919 عكست طموحات نخبة كردية محدودة، فإن حركات التمرد الكردي منذ ثورة الشيخ سعيد في 1925 بدأت في التعبير عن طموحات كردية قومية سياسية واضحة. هذا النمو المتزايد في الوعي القومي، معززاً بأدوات اتصال حديثة وبقوة الطباعة والنشر، ترك أثراً سلبياً علي حركة التعرب التاريخية في العراق في أوساط الأقوام التركمانية والكردية وفي أوساط الجالية الإيرانية. وربما كان من الممكن استيعاب بعض هذه الآثار السلبية لولا التطورات الشبيهة التي شهدتها الحركة القومية العربية.القومية العربيةإن البوادر الأولي للوعي العربي كانت إلي حد كبير بوادر ثقافية، ولدت في الأوساط الإصلاحية الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة ودوائر الإحياء الثقافي اللغوي بين مسيحيي بلاد الشام خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولم تتطور توجهات الوعي العربي إلي تعبيرات سياسية إلا بعد تبلور سياسات التتريك لدي حكومة الاتحاد والترقي منذ 1909. علي أن الحركة العربية، حتي بعد انطلاق الثورة الشريفية والتحالف مع بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولي، اتسمت بتداخل بين الوعي القومي الذاتي والتوجهات الإسلامية. كانت الحركة العربية حركة تسعي لتوكيد دور العرب في قيادة النهضة الإسلامية وحماية الأرض العربية من أن تنتهشها القوي الإمبريالية، في وقت بدا فيه أن الدولة العثمانية أصبحت عاجزة عن حماية بلادها وشعوبها. وحتي الحركة الشريفية التي ذهبت إلي رفع السلاح في وجه الحكم العثماني كانت تهدف إلي تأسيس خلافة عربية. في العراق، حيث كانت الحركة العربية قبل الحرب العالمية الأولي أضعف منها في بلاد الشام، عبر عن التوجهات العروبية علماء وأدباء سنة وشيعة بارزون مثل محمود شكري الآلوسي، علي السويدي، محمد سعيد الحبوبي، عبد المحسن الكاظمي، محمد رضا الشبيبي. وبالنظر إلي الخلفيات الإسلامية الراسخة لهؤلاء، كما نظرائهم في دمشق والقاهرة (مثل محمد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، وطاهر الجزائري، وجمال الدين القاسمي)، فإن الحركة العربية خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، داخل العراق وخارجه، كانت أقرب إلي حركة إحياء حاضنة، متعددة الأعراق، منها إلي العصبية القومية بمفهومها الأوروبي الحصري الذي يؤكد علي البعد العرقي. وكان طبيعياً بالتالي أن تنشط في صفوف الحركة العربية عناصر من أهل العلم والأدب والفكر لم تكن ذات أصول عربية إثنية، مثل محمد كرد علي، وخير الدين الزركلي، وهبة الدين الشهرستاني، وعدد كبير من ضباط جمعية العهد العراقيين، الذين لعبوا دوراً بارزاً في الثورة الشريفية ثم في حكومة العراق الملكية.7