حالة الطوارئ سيتم إلغاؤها بعد انتهاء مدة العمل بها مع إصدار قانون تنظيم التظاهر والانتهاء من إعداد الدستور في موعده

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ معظم أخبار وموضوعات الصحف الصادرة امس الاثنين 11 تشرين الثاني/نوفمبر، تشير إلى أن الحكومة في حالة وصفتها أم كلثوم في احدى أغانيها بقولها، واثق الخطوة يمشي ملكاً، فقد سمحت بإقامة مباراة النادي الأهلي مع الجنوب أفريقي أولاندو وفوزه ببطولة الأندية الافريقية، وأين؟
في استاد ‘المقاولون العرب’ بالقرب من مسجد رابعة العدوية، وبحضور مشجعي الأهلي، وخروجهم في مظاهرات للاحتفال بالفوز، مما عكس ثقة في الأمن، وإشاعة الفرحة بين المشجعين بعودة الجمهور لحضور المباريات، وكان قد سبقها السماح بحضور جماهير الزمالك مباراته على كأس مصر مع فريق وادي دجلة على ملعب الجونة بالغردقة، وفوز الزمالك به، ولم يعكر الفرحة إلا لاعب الأهلي الإخواني أحمد عبدالظاهر الذي أحرز الهدف الثاني، وقام بعمل إشارة رابعة بيده اليمنى، ليشتعل الغضب في البرامج بالقنوات الفضائية، ومطالبة إدارة النادي باتخاذ الإجراءات ضده، لاقحامه السياسة في الرياضة. وقد حاولت فتاة إخوانية، على قناة المحور، في اتصال مع زميلنا وصديقنا نصر القفاص في برنامجه بقناة المحور، ان تنسب النصر إلى الإخوان، لأن الهدف الأول كان لأبو تريكة والثاني لعبدالظاهر، وقد ظهر بعض الغيظ على نصر لأنه توقع منها مهاجمة الجماعة.
ومما يدل ايضا على انطباق أغنية أم كلثوم على حكومة الدكتور حازم الببلاوي انها اعلنت ما هو آت، ان حالة الطوارئ سيتم إلغاؤها بعد انتهاء مدة العمل بها مع إصدار قانون تنظيم التظاهر، والانتهاء من إعداد الدستور في موعده، وطرحه للاستفتاء، وتحديد التاسع من الشهر القادم موعدا لبدء أول جلسة لمحاكمة مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع وصديقنا عصام العريان ومحمد البلتاجي وعاصم عبدالماجد وصفوت حجازي وغيرهم في أول قضية من عدد من القضايا، وهي تحريضهم على أعمال العنف التي وقعت في ميدان الجيزة وأدت إلى مقتل ستة وإصابة عدد آخر.
كما تم تجديد حبس اكثر من مئة وسبعين من الإخوان بالإسكندرية، بينهم حسن البرنس وصبحي صالح، والإفراج عن عدد آخر، كما تتم الاستعدادات للاحتفال بتجميل منطقة رابعة العدوية والمسجد والمستشفي بعد إزالة التخريب الذي حدث في المنطقة عندما كانت مقرا لإمارة الإخوان، والإعلان عن قرب إلقاء الشرطة القبض على الذين قتلوا الطفل محمد بدوي في العمرانية أثناء مظاهرة الإخوان يوم الجمعة. أما بالنسبة لقضايا أخرى فلم تنطبق أغنية أم كلثوم فيها على الحكومة، منها استمرار أزمة أنابيب البوتاجاز لدرجة ان زميلنا الرسام الكبير عبدالله في ‘المصري اليوم’، أخبرني امس انه كان عند احدى قريباته، مدعوا على الغداء، وكانت تنتظر مجيء زوجها بأنبوبة البوتاجاز لعمل الطبيخ، إلا أنه رجع خائباً، فقالت له:
ـ إزاي يعني عرفت تغير اثنين رؤساء جمهورية في سنتين، ومش عارف تغير أنبوبة.
ونشرت الصحف عن مقتل جنديين وإصابة أربعة من الجيش في هجوم إرهابي عليهم في الصالحية إلى جنة الخلد وقيام هيئة الدفاع عن المتهمين في أحداث قصر الاتحادية، اليوم الثلاثاء، بزيارة الرئيس السابق محمد مرسي في سجن برج العرب لإقناعه بتوكيل محام عنه لمنع المحكمة من انتداب محام من نقابة المحامين، كما ينص القانون، واستقبال الرئيس عدلي منصور الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وإلى شيء من أشياء كثيرة عندنا:

الإخوان والجمعية الشرعية

كل المهتمين بالشؤون المصرية من غير المصريين يركزون أنظارهم على الصراعات السياسية الظاهرة بين الإخوان ومعهم حلفاؤهم، دون الاهتمام بقضايا ومعارك أخرى أكثر خطورة وأهمية في الصراعات السياسية، لأن الإخوان يعتبرونها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم وكذلك خصومهم، ولكن لا أحد من السياسيين المصريين يبدي نحوها ما تستحقه من الاهتمام، في ما عدا المشاركين فيها.
هذه القضية هي السيطرة على مؤسسات الدعوة الدينية مثل الأزهر، ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، وإعداد الدعاة، والإدارات الخاصة بالعلاقات مع المؤسسات الدينية غير المصرية، وهو الأمر الذي كان يدعونا ـ كما يلاحظ القارئ ـ إلى لفت الانتباه، إلى ما يحدث من صراعات في هذه المجالات وخطط الإخوان للسيطرة على هذه المؤسسات. وإذا كان الأزهر قد أفلت من قبضتهم، فان وزير الأوقاف الجديد الدكتور الشيخ محمد مختار جمعة، لم يحطم كل ما شيدوه من شبكات داخل الوزارة، وإنما بدأ في فرض نفوذ الوزارة على الجمعيات الدينية والدعاة.

مهام الجمعية الشرعية
عمل الخير لا التدخل بالسياسة

اما مجلس شورى علماء المسلمين الذي شكله الدعاة من غير الأزهريين لمنافسة الأزهر، فلم يعد لهم صوت ولا نفوذ ولم يشعر الناس أنهم فقدوا شيئاً، وبقيت أمام الوزير محمد مختار جمعة، معركة مع كبرى الجمعيات الدينية وأقدمها، وهي الجمعية الشرعية للعاملين بتعاون الكتاب والسنة، التي يرأسها الدكتور الشيخ محمد المختار المهدي الاستاذ بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، رغم ان الوزير عضو في مجلس الإدارة، إلا انه بدأ يضعها في حجمها الحقيقي، وهي الدعوة وعمل الخير، وإبعادها عن السياسة، وهو ما دعا زميلنا في ‘الأخبار’ محيي الدين عبدالغفار أن يتورط في الدفاع عن مجلس الإدارة يوم الاثنين قبل الماضي بقوله:
‘لا ادري لماذا تلجأ بعض الصحف والمواقع الالكترونية إلى إلصاق التهم جزافاً بالجمعية، بأنها تنتمي للإخوان المسلمين، وأنها تعمل من خلالها، وهذا يتنافي مع الواقع الذي تعمل من خلاله الجمعية، ولا أدري لماذا لا يتم الاتصال بالمسؤولين في الجمعية لبيان الحقيقة.
ـ من خلال معرفتي بالجمعية أطلعت على الكثير من المشروعات التي تقدمها مجاناً لعموم المسلمين، ليس في مصر فقط ولكن في الدول الافريقية، تنشئ الكثير من المشروعات الصغيرة لصالح الأرامل، وتقوم بكفالة الطفل اليتيم، حتى ينتهي من الدراسة. الدكتور محمد المختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية مثال حي للعالم الجليل الذي تستفيد من علمه بمجرد الاقتراب منه، إنه يقود الجمعية وسط أجواء مشحونة، وعليه أن يتلقى الاتهامات المزيفة بصدر رحب، ويرد عليها بالحجة والمنطق، ويؤكد في كل لقاءاته أن الجمعية بعيدة عن التحزب أو الانتماء لأي فصيل سياسي، بل ان انتماءها الأول والأخير لصالح مصر وفقرائها’.

الشيخ محمد مختار جمعة:
أصر مجلس الإدارة كاملا ان يدعم مرسي

وشاء حظ محيي أنه في اليوم التالي الثلاثاء، ان نشرت ‘عقيدتي’ حديثاً على صفحة كاملة مع وزير الأوقاف الدكتور الشيخ محمد مختار جمعة، وكان عضوا في مجلس إدارة الجمعية الشرعية، واستقال منها احتجاجاً على انحرافها عن خط الدعوة والانخراط في العمل السياسي، أجراه معه زميلانا محمد الأبنودي وجمال سالم، وفيه أوضح حقيقة ما حدث في الجمعية، وما سيحدث معها إذا لم تعد إلى خطها الدعوي الذي أنشئت من أجله، قال:
‘يعلم الناس جميعاً أني تركت الجمعية وسجلت اعتراضي رسمياً عندما أعلنت الجمعية أنها ستؤيد الدكتور محمد مرسي وهذا سر تركي للجمعية، وبعض الناس المنتمين إلى تيارات معينة فرضوا سطوتهم في الفترة الأخيرة على الجمعية الشرعية وهذا سر تركي لها، وقد قدمت مذكرة مكتوبة للدكتور محمد مختار المهدي ورفضوا أن يثبتوها في مجلس الإدارة وقلت لهم نحن جمعية دعوية وفي تاريخنا جمعية دعوية لم تتعاط السياسة أبداً، ونحن ليس لنا علاقة بالسياسة لماذا نخرج بالجمعية من مسيرتها التاريخية الدعوية إلى الجانب السياسي الذي لا علاقة لنا به، ليس لنا علاقة بالسياسة. وأصر مجلس الإدارة كاملا ان يدعم الدكتور محمد مرسي وأن الجمعية تنحاز لصالحه وصورة المذكرة عندي بتوقيع الدكتور محمد المختار المهدي، وأنا في مجلس الإدارة ظللت وحدي دون الخمسة عشر عضوا واحتددت احتداداً شديداً وقلت أنتم تذهبون بالجمعية إلى طريق دقيق وتغيرون تاريخ الجمعية وعندما دخلت الجمعية والتحقت بها كأزهري، كانت الجمعية جمعية دعوية وحرصنا على ذلك، فلما خرجت من الخط الدعوي الى الخط السياسي وبدأت تناصر الإخوان وبعض المحسوبين عليهم كانوا يتحكمون في مفاصلها الدعوية، قدمت استقالتي ولكني قدمتها بأدب وقلت أريد أن أتفرغ لعمادة الكلية ولأزهريتي، ولكني خرجت اعتراضا على سيطرة فصيل سياسي معين على الجمعية الشرعية.’

وصفي عاشور أبو زيد:
الرئيس مرسي صمد على المبدأ

وإلى بعض ردود الأفعال على أولى جلسات محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي، ونبدأها من يوم الأحد مع الإخواني الدكتور وصفي عاشور أبو زيد وقوله في ‘الحرية والعدالة’:
‘تلمس الهازمون والخائنون الفساد والرشوة والسرقة والنهب، كما يتعاملون هم للرئيس وفريقه والوزراء والمحافظين ورؤساء المدن ومستشاري الوزراء ومعاونيهم من الإخوان فلم يجدوا، وحاولوا تشويه صورة السيد الرئيس المنتخب عبر إثارة أنه أهدر المال العام وسرقته حتى تضخمت ثروته.
ولكن التقارير التي خرجت من الجهاز المركزي وجهاز الكسب غير المشروع كانت تأتي دائماً مخيبة للآمال ومنتصرة لأمانة الرئيس مرسي ورفاقه ومبينة طهارة اليد ونظافتها.
لقد تعرض غير الإخوان من بعض الأحزاب والحركات والمشايخ إلى مواقف وضعتهم على المحك، فانكشفت عن تربية متدنية وتمخضت عن أخلاق رديئة وبيع للمبادئ والأخلاق والضمير، بل الدين نفسه في الوقت الذي أبدى فيه قيادات الإخوان المسلمين والرئيس المنتخب صموداً منقطع النظير، وثباتاً يتعجب منه العجب وإصراراً أذهل العالم أجمع، من كان يظن ان الرئيس مرسي سيصمد على المبدأ ويثبت على الموقف كل هذا الوقت رغم اختطافه وحبسه في مكان مجهول، وتشويه صورته والافتراء عليه، إلى ان رأيناه معروضا على المحاكمة الهزلية التي جاءت مجرياتها وأحداثها انتصارا له ورفعت من قامته ومقامه في العالم’.
وفي نفس العدد قال الدكتور فتحي أبو الورد مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في القاهرة:
‘اجتمعت القوة بكل معانيها في الرئيس الدكتور محمد مرسي الذي وسمه البعض يوما بالرئيس الضعيف، ثم اعتذر عن ذلك حين وقف على الحقيقة، وأن رجلا يهدد ويختطف وينفي في مكان غير معلوم وتُقطع صلته بالعالم الخارجي ويعزل عن الواقع بعيدا عن الأهل والأنصار والمؤيدين ويمكث طيلة أربعة أشهر يُساوم ويرغب ويرهب لكي يقول كلمة اعتراف بالانقلاب، أو التنحي، أو تفويض سلطاته فيأبى ان يذل أو يهون، ان رجلا بهذا الوصف لهو عنترة هذا الزمان’.

الشرعية ملك الشعب يمنحها
لمن يشاء ويسقطها عمن يشاء

أما زميلنا في ‘الجمهورية’ صلاح عطية، فقد قدم مساهمة بسيطة في ذات اليوم، بقوله:
‘أعضاء الجماعة المحظورة الذين أساءوا لمصر وشعبها فكان مكانهم الطبيعي للمحاكمات العادلة للقضاء العادي، ولعل مثول د. محمد مرسي الرئيس المعزول أخيراً امام القضاء المصري لهو رسالة شديدة اللهجة لكل رئيس قادم، فالشرعية كما ذكر الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع ملك شعب مصر يمنحها لمن يشاء ويسقطها عمن يشاء فلا قوانين يمكن لها ان تجعل من الحاكم إلهاً يمكث في السلطة ويجلس على كرسي الحاكم الى ما لا نهاية وان لم تصدقوا اسألوا مرسي إنت ليه في القفص الآن’.

قطع العلاقات
يضر بمصلحة مصر

وفي جريدة ‘الشروق’ يرى الكاتب جميل مطر ان مسألة قطع العلاقات مع الدول ليس من مصلحة مصر في الوقت الحالي’: ‘أسمع صخبا حول العلاقات المصرية التركية، صخبا يضر مصر وسياستها الخارجية ولا ينفع الصاخبين إلا قليلا. أشد ما يؤذي السمع في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة هو الدعوة الصاخبة إلى قطع العلاقات السياسية مع تركيا.
انتهى زمن كانت فيه هذه الدعوة تجلب أحيانا لأصحابها شعبية وللسياسة الخارجية طاقة وقوة دفع إضافية. لم تعد العلاقات الدبلوماسية الركن الأهم بين مجمل العلاقات التي تربط بين بلدين. فإلى جانب الاعتماد المتزايد على العلاقات التجارية والاستثمارات المتبادلة والعمالة والخبرات المنتقلة، أصبحت الشعوب، خاصة الطبقات الوسطى فيها، تتفاعل وبكثافة غير معهودة عبر وسائط اجتماعية متعددة تتجاوز بها الحساسيات والقيود البيروقرطية والنظرة الضيقة للأمن، وعبر تسهيلات السياحة ووسائل النقل السريعة.
لا أقلل من شأن الموقف السياسي الذي اتخذته حكومة حزب العدالة والتنمية من الحكومة الانتقالية في مصر، في أعقاب إزاحة رئيس حزب الحرية والعدالة عن منصبه كرئيس لمصر، ولا أقلل من قدر غضب بعض المسؤولين المصريين وبعض قادة عشرات الجزر المتناثرة التي تشكل في كليتهما ما يسمى بالجماعة السياسية المصرية، بسبب تصريحات السيد إردوغان وأكثرها يسيء الى مكانته ومكانة تركيا. ولا أقلل من حاجة بعض أجهزة الإعلام في مصر، العام والخاص على حد سواء، إلى قضية خارجية لتملأ بالحديث فيها جانبا من فراغ المرحلة الراهنة.
لا أقلل من أهمية هذه الأمور، وأعترف بانني اتفهم الكثير منها، وأعرف ان هناك في الخارجية المصرية من يدرك أن كثيرا من مصالحنا في سورية ومستقبلها يلتقي مع مصالح الدولة التركية، بل ومع اقتناعات ومواقف عدد معتبر من قادة الحزب الحاكم هناك. هناك مصلحة مشتركة لمصر وتركيا في أن لا نرى سورية وقد تحولت إلى أفغانستان أخرى تطل على البحر المتوسط، ترعى فيها وتترعرع قوى الإرهاب الإسلامي وفصائله المتنوعة والجديدة دائما. وهناك مصلحة مشتركة في أن تبقى سورية دولة موحدة في ظل حكومة قوية لتمنع انفراط العراق ولبنان ومناطق شاسعة من جنوب وجنوب شرق تركيا، ولتمنع إقامة قواعد إرهابية تهدد أمن وسلام قوقاز روسيا.
ومع ذلك، أخشى ان يكون في الحكومة الانتقالية الحاكمة في مصر تيار يسعى لكسب شعبية ولو مؤقتة، عن طريق الدعوة وبصخب وإلحاح لاتخاذ إجراء يتصور خطأ انه لن يكلف مصر كثيرا، إجراء يمهد لقطع العلاقات مع تركيا وإثيوبيا ودول أفريقية أساءت فهم ما وقع في مصر، وربما قطع العلاقات أيضا مع دول عربية تعودت ممارسة الضغط على مصر بقناة تلفزيونية، بل سمعت من يدعو لقطع العلاقات السياسية مع دولة عربية أخرى غارقة في هموم من نوع همومنا، لمجرد أن أحد زعمائها تصرف، على غير عادات بلاده، بديماغوجية مستوحاة من مزاعم ايديولوجية طارئة على بلاده.
لا حاجة لقطع العلاقات السياسية أو حتى الدبلوماسية مع دول بدت لنا تصرفاتها غير ودية. مصر، مثل دول كثيرة، لديها من أدوات العمل الدولي والإعلامي والسياسي والشعبي، ما يغنيها عن اللجوء إلى أداة ‘بدائية’ في العلاقات الدولية تضر مستخدمها سمعة وكرامة وأمنا أكثر من أي ضرر يمكن أن يؤذي الطرف الآخر.
فلتكن المرحلة الانتقالية الراهنة مصدرا إرشاديا متحضرا ليس فقط في مجالات التخطيط والتنمية الاقتصادية، ولكن أيضا في مجالات السياسة الخارجية وحماية المصالح القومية. هكذا تكسب السياسة الخارجية صدقية حرمت منها طويلا وتعود لها القدرة على التأثير إقليميا ودوليا’.
الأجيال الثائرة لا زالت
خارج كل المعادلات السياسية

وفي نفس العدد من جريدة ‘الشروق’ نقرأ للكاتب بلال فضل رأيه بترشح السيسي لمنصب الرئاسة يقول: ‘ للأسف، لا يبدو أن أغلب أبناء هذا الوطن استفادوا من النصائح التي كانت المدارس تقدمها مجانا على جدرانها، وعلى أقفية كتبها، وإلا فقد كان واقع أنصار جماعة الإخوان سيتغير لو تذكر قادتهم أن ‘من يزرع الشوك لا يحصد العنب’، وكانت أعصاب أنصار ‘التيار السيسي’ ستصبح أهدأ لو تذكروا أن ‘صوتك العالي دليل على ضعف موقفك’، ولتوقفوا عن تخوين كل من يفكر في أن يفعل شيئا غير التهليل لموقفهم الداعي إلى التفويض والمبايعة بدون حتى إبداء كرامات.
لا أفهم المنطق الذي يجعلك تدرك أن ملاييـــــن من الناس تؤيدك في دعم الفريق عبدالفتاح السيسي ليكون رئيسا للبلاد ومنقذا للعباد، بمساندة عشرات المحطات التلفزيونية بمذيعيها وضيوفها ومتصليـــــها، ومئات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية بكتابها ومحرريها وبريد قرائها، ومع ذلك لا يــــبدو أنك تتحلى بسعة صدر المنتصرين وهدوء أعصـــاب القــــافلة التي تســـير متجاهلة نباح الكلاب.
كلما حلت سيرة الفريق السيسي اندفعت ردود الفعل العصبية المتشنجة من كل اتجاه، للأمانة ليس فقط من مؤيديه، ستجد بعض معارضيه يجري لك اختبارا بأسئلة من عينة ‘أظن كمان هتقولي إن السيسي من حقه يترشح رئيسا للجمهورية؟’، سألني قارئ متحمس هذا السؤال والشرر يطق من عينيه، بعد أن شكا من سلسلة حوارات أجراها عدد من كبار المثقفين قالوا فيها إن من حق السيسي أن يترشح رئيسا للجمهورية، مع أن بعضهم لم يقل أنه سيؤيده، لكن مجرد ذكره للعبارة، وهي صحيحة من الناحية القانونية كان لدى ذلك القارئ بمثابة اقتراف للويل والثبور وعظائم الأمور.
في ردي قلت له: المسألة أبسط مما يتصور الجميع، لا أعتقد أن أحدا يجب أن يقلق من مسألة ترشح الفريق السيسي لرئاسة الجمهورية سوى السيسي نفسه، خاصة بعد أن لم يكتف بدور الداعم لثورة الجماهير على سيئ الذكر محمد مرسي، بل أصبح الرئيس الفعلى للبلاد عندما قرر في 26 يوليو أن يطلب من الشعب أن يفوضه لمكافحة الإرهاب، فأسقط بطلبه ورقة التوت التي كانت تغطي الشكل المدني للبلاد، وهو ما أدركته الملايين التي فوضته والتي أصبحت تتعامل معه على أنه الحاكم الفعلي للبلاد، وأصبح وجود المستشار عدلي منصور مثار سخرية لدى البعض ومثار ‘كتر خيره’ لدى البعض الآخر، ومع ذلك فلايزال بعض محترفي أقدم مهنة في التاريخ يمارسون الاستئساد على المدنيين المشاركين في الحكم، محاولين إقناع الناس أنهم يتراخون في استخدام سلطاتهم، ولذلك لابد من رحيلهم لتأتي إدارة عسكرية تقوم بتخليص الشعب من كل مشاكله، كأن هؤلاء المسؤولين المدنيين أتوا أصلا على عكس رغبة القوات المسلحة والأجهزة السيادية، وهو ما لم يكن يحدث أصلا أيام حكم محمد مرسي فما بالك بحدوثه الآن، بعض هؤلاء يدعي أنه يفعل ذلك حبا في الجيش المصري، مع أن من يحب الجيش المصري حقا وصدقا ويخاف عليه يدرك خطأ دخول الجيش كطرف في أي صراع سياسي حتى لو كان مع أقلية ضئيلة، ويدرك أن الأخطر من ذلك هو أن يصبح الجيش الجهة الحاكمة التي يصب الناس عليها سخطهم من تعقيدات الواقع المدني المتهالك، التي تحتاج إلى المرونة والحوار والتوافق، وليس إلى الحسم والقمع والفرم كما يظن الكثيرون.
كلنا يعلم أن السيسي هو رئيس الجمهورية القــــادم، سواءً ترشح بنفسه للمنصب، أو استمر في موقعه وزيرا للدفاع، لأن أي رئيس مدني قادم سيكون حريصا على إرضائه في كل قرار يتخذه، وســــتكون هناك ازدواجية للسلطة لا يمكن لأي بلاد محتـــرمة أن تتقدم في ظلها شبرا، في نفس الوقت فإن قيام كومبارسات الســــياسة بمنح السيسي دور البطولة المطلقة قبل حتى أن تبــدأ المسرحية، عندما رفعوا شعار عبدالفتــــاح القصري ‘ده رئيس أنا نفــسى أستمناه’، جعل الملايين لا ترى في أي منهم بديلا صالحا للحكم في ظل وجود السيسي، ولذلك لم يبق إلا أن يصبح السيسي رئيسا فعليا وليـــس من وراء ستار، لنعرف حقا ما إذا كان قــــادرا على تغيـــير الأوضاع السيئة التي كانت سببا في تفجـــر الثورة، وما إذا كان قادرا على إيجاد صيغة للتفاهم مع الأجيال الثائرة التي لازالت خارج كل المعادلات السياسية، وحينها سيصبح أسهل على الشعب أن يحاسب السيسي على ما فعله بالتفويض الذي منحه له، بلاش حكاية ‘محاسبة الشعب’ إذا كانت تثير أعصابك، خليها: وسيصبح من حق الشعب أن يهتف له ليل نهار ثم يسأله بمنتهى اللطف والأدب عن نتائج التفويض الذي منحه له.
أعلم أن الطرف الذي يناصر الفريق السيسي الآن هو الأكثر عددا والأعلى صوتا، لكن الطرف الآخر الذي يعارضه مهما قل عدده ومهما كان رفضي لمواقفه وأهدافه، الذي ستجده في عشرات المقالات التي كتبتها، يظل طرفا به مواطنون مصريون لهم حقوق سياسية لو حرموا منها سيسعون لانتزاعها، لأن الأيام التي يموت الناس فيها في صمت انقضت بمولد ثورة الاتصالات، ورغم كل المحاولات المضنية التي يبذلها المثقفون العتاولة لإقناع السيسي بأن معارضيه ‘ليسوا مواطنين وليسوا مصريين’، فإن السيسي سيدرك مع الوقت أن وجود أكبر عدد من المثقفين والإعلاميين في صفك ليس كافيا لحل مشاكلك ولا لإسكات أصوات كل من يعارضك إلى الأبد، وأنه إذا كان الصراع العسكري يقود في النهاية إلى طاولة التفاوض فإن الصراع السياسي من باب أولى سيقود إليها أيضا. شخصيا كنت أظن أن الفريق السيسي كانت لديه لحظة طلبه للتفويض خطة محكمة توصل البلاد إلى بر الأمان، لكن ما يبدو حتى الآن انه إذا كانت خطة فهي سرية للغاية، لدرجة أنه لم يظهر من بشائرها على ارض الواقع سوى مجموعة من الشعارات العاطفية التي قد تكون كافية لطمأنة الملايين الخائفة وإثارة إعجابها، لكنها لن تكون كافية لإصلاح واقعها وبناء مستقبلها’.
حرية الفكر والعقيدة
والتوجه السياسي مكفولة للجميع

اما في جريدة ‘المصريون’ فيدافع الكاتب حسام فتحي عن حق كل انسان بالتعبير عن رأيه ومعتقده، على ان يتم ذلك في المكان المناسب: ‘كعادته رسم ‘الأهلي’ البسمة على الوجوه الحزينة التي تلازمها الكآبة منذ عقود حتى كادت تفقد سمعتها انها.. ‘وجوه تعشق الابتسامة’، وتصنع الضحكة، وتخترع النكتة، شكرا للنادي الاهلي العريق صانع الفرحة.. وراسم البسمة على وجه مصر.. وشكرا لـ’الاخوانيين’ أبوتريكة (أمير القلوب)، والنجم أحمد عبدالظاهر على الهدفين،.. ولا داعي أبدا لادخال السياسة في الرياضة، فأنتما نجمان رياضيان، وتعلمان أن اللوائح الدولية والافريقية التي ارتضيتما اللعب تحت جناحها تحظر الاتيان بأي اشارات سياسية أو دينية أو عرقية، او ارتداء شارات ذات مغزى سياسي أو ديني أو عرقي.. وإلا تحولت ملاعب الرياضة الى ساحات حروب لا معنى لها.
ولاشك أن من حقكما أن تعتنقا من الفكر ما تريدان، ومن المذاهب ما تقتنعان به، وأن تكونا عضوين في أي حزب سياسي أو جماعة سياسية، لا ينازعكما في هذا الحق عاقل، فحرية الفكر والعقيدة والتوجه السياسي مكفولة للجميع، وإلا لماذا قامت الثورات؟ ولكن التعبير عن المواقف السياسية، والانتماء الفكري أو الحزبي ليس مكانه الملاعب الرياضية على الإطلاق، وهناك وسائل عديدة لممارسة السياسة، أو التعبير عن الأفكار والمعتقدات الحزبية أو الدينية أو غيرها، ليس من بينها ‘كرة القدم’، عدا ذلك لا أحد يستطيع ‘الحجر’ على تفكيركما أو قناعتكما أو انتمائكما العقائدي.. فلتشيرا بأربع أصابع.. أو ترتديا الفانيلات الصفراء.. افعلا ما تشاءان.. ولكن خارج المربع الأخضر، فمصر لا تنقصها فتنة!
وأقول للمطالبين بـ’ذبح’ النجمين، لا مانع من المحاسبة طبقاً للقانون، لكن من دون نصب المشانق، وتجهيز المقاصل مسبقاً، حتى لا تفسدوا ‘فرحة’ المصريين من ناحية، ولا تعطوا الأمر أكبر من حجمه من ناحية أخرى، فانتصار النادي الأهلي العريق وفوزه بلقب بطل أبطال دوري أفريقيا لا يمكن بأي حال أن ‘يختزل’ في ‘أربع صوابع’ رفعها لاعب!
وأدعو الله ان يهدينا جميعا لما فيه خير مصر، وان ‘نستوعب’ خطورة التحديات التي تواجهنا، وان نبدأ في ‘تعلم’ ممارسة الديمقراطية الحقيقية بشكل سليم، وصحي، ليس فيه اصرار على ‘اقصاء’ فصيل أو تعنت في مواجهة حقائق الامر الواقع، ولنستغل فرحة كل المصريين بالانجاز الرياضي، لنحاول العودة جميعا للتركيز على اعادة بناء مصر، لتزيد ‘سويعات’ فرحتنا ونعود مرة أخرى شعباً ‘متفائلاً’.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.

العدالة يجب ان تكون
على مسافة واحدة من الجميع

وفي نفس العدد من جريدة ‘المصريون’ نقرا للكاتب محمود سلطان:
‘هاجم يوم 7 نوفمبر 2013، متظاهرون غاضبون منزل أحد قضاة محاكمة مرسي التي جرت يوم 4 نوفمبر.. ويمكنك أن تدين كيفما شئت الهجوم، الذي نسبته الأخبار المتواترة إلى أنصار الرئيس المعزول.. وقد يُستخدم من قبل مناوئي الجماعة، للإساءة إليهم، وتصويرهم كـ’قوة معادية’ للعدالة.
قل ما شئت في هذا الشأن، ولكن تظل خلف هذا ‘الصخب’، تفاصيل أخرى لا يجوز إغفالها.. فلا يوجد ـ كما يقول المثل الشعبي ـ دخان بدون نار، إذ يظل السؤال بشأن ما إذا كان حضور رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، احتفالية عزل مرسي.. حضورا ‘لازما’ أو ‘موفقا’.. يظل سؤالا يحتاج إلى إجابة، لأن المسألة تجاوزت كثيرا، لتمس مؤسسة العدالة على مستويات دقيقة وحساسة تتعلق بالسمعة والحيدة.. بل ووحدة هذه المؤسسة العريقة، وعدم تعرضها للانقسام إلى جماعات معارضة أو مؤيدة للسياسيين والأحزاب وللمرشحين المحتملين للرئاسة. في تقديري.. أنه كان من الحكمة إعفاؤهما من الحضور. لأنهما يمثلان ـ رمزيا ـ ذروة سنام العدالة، ولا يجوز أن يكونا طرفا في الصراع السياسي، أو النزاع على ‘الشرعية’ المنقسمة والحائرة بين ‘السيسي’ و’مرسي’.. ولا ينحازان إلى هذا الطرف أو ذاك.. فمن المقرر والثابت ـ عقلا وشرعا وقانونا ـ أن تكون العدالة على مسافة واحدة من الجميع.
الخطأ وقع.. غير أنه كان من الممكن تداركه، بيد أن مراقبة الأداء لاحقا، أشار إلى أن ثمة رغبة في البناء على ذات الخطأ من دون وجود إرادة واضحة للتصحيح.. وهو ما أربك المشهد، وما وضع مؤسسة العدالة في علاقة ‘خصومة سياسية’ مع المعارضين لقرارات 3 يوليو.
فمن المعروف ـ على سبيل المثال ـ علاقة العداء بين الإخوان من جهة والشرطة وأحمد زند وأحمد شفيق من جهة أخرى.. وكان من مقتضيات درء الشبهات، أن تكون هذه العلاقة، حاضرة في اختيار المنصة التي من المفترض أن يمثل أمامها الرئيس المعزول. وليس من الواضح ـ حتى الآن ـ ما إذا كان اختيارها على نحو ما شاهدناه يوم 4 نوفمبر، كان من قبيل البناء على ما حدث يوم 3 يوليو.. أما كان عفويا؟ وحتى لو كان الاحتمال الأخير، فإن ذلك لا يعفي صانع القرار، من مسؤولية التدقيق المفترض، حتى لا يضع المنصة في مأزق ‘التنحي’.. ولا يعطي الفرصة للطعن في عدالة المحكمة.
القضاء في مصر ليس مهنة وإنما سلطة.. وهي أهم السلطات على الإطلاق وسنام الدولة، ولا يسمح لأحد أيا كان منصبه أو حصانته، أو منزلته الاجتماعية أو السياسية، أن يجعل منه ـ أي من القضاء ـ أداة بطش بالخصوم.. وفي تقديري أن سدنة العدالة في مصر، قادرون على أن يبقى القضاء ـ وكما كان دائما ـ حاكما بالعدل وناطقا باسم الشعب وليس باسم السلطة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية