عناق واحد ومصافحة واحدة مع جيراننا الفلسطينيين
ربطنا حياتنا ولغتنا بامريكاوادمنّا الحديث مع انفسنا ونسينا سياقنا الجغرافيعناق واحد ومصافحة واحدة مع جيراننا الفلسطينيين أحاول أن أفكر متي رأيت آخر مرة زعماء اسرائيليين يتحدثون الي قادة عرب عن السلام، ويصعب علي أن أتذكر. في السنين الأخيرة قوي ميلنا الوسواسي القهري للحديث مع أنفسنا عن تسوية مع العرب، وكأن النزاع الحقيقي في الشرق الاوسط هو بين اليمين واليسار.تهدف المباحثات الفارغة بين هاتين الكتلتين المتعبتين الي هدفين: تعويق كل امكانية للتغيير وتجميد الواقع في الميدان، تخوفا من أن تُشعل خطوة سياسية ما حربا داخلية بين اليهود. واذا قُضيت علينا الحرب، يقول موجهونا لأنفسهم، فمن الأفضل أن تكون مع العرب. يعذبنا التفكير في أنه لو بُذلت طاقة دبلوماسية مشابهة مع زعماء فلسطينيين ومع زعماء لبنانيين ومع زعماء سوريين، لكان كل شيء ربما يبدو مغايرا. وربما كنا نعيش في سلام معهم.هل يمكن أن تكون الحرب البائسة في لبنان، والقتل الذي لا ينقطع في غزة، نتيجة عدم الاستعداد للحديث الي جيراننا؟ متي حاولنا آخر مرة التحدث الي الفلسطينيين في مستقبلهم وفي مستقبلنا؟ متي في آخر مرة راودنا اللبنانيين عن تسوية سلمية موقعة معهم؟ متي حاولنا آخر مرة تجديد التفاوض المقطوع مع السوريين في امكانية عقد اتفاق سلمي معهم.منذ ست سنين والسياسة الاسرائيلية في مكانها. منذ أن دفع ايهود باراك ياسر عرفات داخل البيت في كامب ديفيد في تموز (يوليو) 2000، لم ينشأ أي اتصال جدي بين زعيم اسرائيلي وزعيم عربي ممن ننازعهم. النتيجة فظيعة. صفقت اسرائيل الأبواب في وجه جيرانها وعزمت علي التوصل الي تسويات سياسية صادرة عن رأيها الخاص، في حديثها الي نفسها، مع تجاهل جيرانها وكأنها شوكة في سهل قاحل. ربما نكون ندفع الثمن عن صفقة الباب هذه في وجه جيراننا.يدل القتل في غزة بقدر كبير، بعد الانفصال وحرب لبنان، علي فشل التوجه الأحادي. كيف يمكن، يسأل كل ذي عقل، أن نخرج من لبنان ويهاجموننا؟ كيف يمكن، يسأل كل ذي عقل، أن نخرج من غزة وما زالوا يهاجموننا؟ لا عجب أن عدم الاعتراف بالفضل في الجبهتين قاد اسرائيليين كثيرين الي استنتاج أن كراهية اليهود مغروسة في الجينات الاسلامية وأن غريزة الحرب كامنة في المزاج العربي.وربما يكون هياج العدوانية هذه يصدر عن مزاجنا الأناني، مع انعدام نظرنا الي جيراننا، وانعدام استعدادنا لرؤيتهم علي مبعدة متر واحد. لا يوجد شيء يُسمي السلام الأحادي كما لا يوجد شيء يُسمي حربا أحادية. تحتاج رقصة الموت الي اثنين، كما تحتاج الي اثنين رقصة الفرح. قررنا أن نُراقص أنفسنا، وكأن العرب غير موجودين، أو شفافون، وغير أهل ولا يساوون أن نُحادثهم.ولا يعني هذا أنه لم تكن في الماضي اتصالات ثنائية أثارت الأمل. لكن يمكن عدها علي أصابع اليد الواحدة. قبل شهرين فقط أُجري لقاء بهيج لرئيس حكومتنا الجديد، ايهود اولمرت، مع رئيس مصر حسني مبارك وعبد الله ملك الاردن. وزعوا عددا من الابتسامات وربت بعضهم لبعض علي الأكتاف. كان اولمرت في أفضل أحواله. ضحك، وتفكه، وأظهر الود وأبدي قدرات تواصل مثيرة للانطباع. تحدث الي الجميع، ما عدا الرجل الوحيد الذي سوّغ حديثا جديا. وبدل ذلك، جهد مساعدو اولمرت ألا يصافح سيدهم أبو مازن.هذه انجازات الدبلوماسية الاسرائيلية بازاء الفلسطينيين في السنين الست الأخيرة: دفع ايهود باراك عرفات في كامب ديفيد، واستدعي باراك نفسه عرفات الي عشاء في بيته، ودعا ارييل شارون أبو مازن الي لقاء في ديوان رئيس الحكومة، واحتضن ايهود اولمرت أبو مازن. تربيتتان، وحديث واحد وحفل واحد علي امتداد ست سنين كاملة. وطول هذا الوقت كله، انطوت اسرائيل علي نفسها، رافضة النظر الي ما حولها. خرجت غاضبة من لبنان وخرجت بغضب مشابه من قطاع غزة، من غير أن تقوم بمحاولة ما لتنسيق الاجراءات مع ذوي الشأن. وهي تخطط ايضا للخروج من الضفة بصفقة باب مشابهة، أحادية الجانب.بدل الحديث الي أعدائنا نتحدث الي أصدقائنا فقط، ولن نقول وكلاءنا الامريكيين. نعتبر الانجليزية لغة الأم تقريبا ونري اللغة العربية تهديدا وجوديا. الي الآن، لم يبرهن تعبيدنا حياتنا وقيمنا ومستقبلنا لامريكا علي نفسه. لم نكن قط بدون امن كما نحن اليوم. كجزء من يأسنا نحيط أنفسنا بسور ونجعل رمز بعثنا القومي غيتو يهوديا حصينا مغلقا من كل جهة.اذا ما انتشر اليأس من الجيران ومن السلام، فقد يضع الاسرائيليون زمام الدولة في يد متشددين خطرين مثل أفيغدور ليبرمان. من اجل اوضاع مجنونة، يُحتاج الي أناس مجـــانين في الحكم ، قال في الاسبوع الماضي أحد سكان كريات شمونة، صور بهذا المزاج الجديد وذكر ليبرمان كعلاج سحري.اذا لم يُعد اولمرت الأمل في أقرب وقت ولم يبدأ الحديث الي اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين، فان اليأس من الوضع قد يحث الاسرائيليين علي حلول متشددة.دانئيل بن سيمون(هآرتس) ـ 15/8/2006