مرت بجانب محطة الحجاز، جانب الفندق الذي علق في مدخله صورة كبيرة. مرت جانب المدخل فلمحت الصورة – شاهقة وعظيمة بحيث أنها لطمت الخيال تحمل جانبا من البؤس والشقاء. وقالت حين نظرت إليها، إلى سوادها… لم كل هذا السواد؟
كان السواد يسيل من مبنى الفندق، ومن الشرفات المفتوحة، كان يسيل من الأسطحة الممتدة إلى المحطة.
قالت: لقد شحوروا الشام.
تصيبها رجفة تتصور ما يحدث في هذا المكان. لماذا تركوا بلادهم وجاؤوا إلى هنا؟
ربما تجار؟
لكنهم بعمامات ولباس أسود؟
عبرت نحو منحدر المرجة الذي يهبط ويتحرك مع الباعة والسماسرة والازدحام المضطرب.
ونظرت نحو السماء. كانت السماء…. من دون مطر، ولا غيم، كانت خواء بحيث أنها دعت لخطواتها أن تتحرر وحيدة غريبة لا تلتفت، تسير في التيه الذي كان الناس فيه.
قد ظن البعض أنها بائعة هوى، هل أيتها الشابة.. تذهبين معي… مثلا.. خمسمائة ليرة سورية. كانت اللمة حولها تتسع وتتبعها وتمشي وراء خطاها التي حرثت فيها الفضا، وهي تصعد كأنها تصعد لكنها لم تصعد. وليست فضاء.
كنت أراقب مشيها الذي يتلون ويتحول، واللمة لا تدري ما شأن التي تتبعها، لو علمت لجفلت كحيوان وتراجعت إلى المكان الذي بدأت فيه بالقول يا ست لدي خمسمائة ليرة.
كنت أتخيل كيف ستلتفت نحوهم، تتوقف وتعقد ذراعيها إلى صدرها وتحدق بهم ثم تنفث الحمم.
وهل كلما رأيتم امرأة وحيدة تظنون بها الظنون؟!
تقدم أحد الضباط نحوها. تقدم بخطاه الواثقة حتى لمسها في وجهها لمسة ناعمة ثقيلة، فمال ميزانها قليلا إلى الناحية الأخرى.
وقد كان مناي في تلك اللحظة أن يتحول ذلك الضابط إلى دب، أو إلى حجر كبير في قارعة الطريق، ضابط من حجر، لا قدرة للحكومة على إعادته أو حتى نقله إلى مكان آخر. ثابت وعلامة من الأبد، وماجرى في ذلك العهد البائد الذي مضى.
رامه تقرأ أفكاري وتشعر بأمنياتي، وهي ليست أفكار غيرة، بل هي أفكار من باب آخر يشبه المدخل الأسود الذي مرت به قبل قليل وكان كل شيء يسيل حتى الزمن يسيل على الأرصفة وبين أقدامها حتى أنها لم تعرف كيف نأخذ التقية منه.
أيها العسكري الذي قلبه من حجر!
ابتسم ابتسامة عريضة، لا حد لها، تمددت الابتسامة حتى خرجت عن الحد، ابتسامة لا يتسع لها طريق.
ولأننا لم نعد نملك المستقبل، وأي أيام مقبلة أخرى فقد اختفى الزمن، وراحت تمشي وتفكر بطريقة تدفعها إلى القلق في كل مرة تذهب فيها إن هذه الخطوة هي خطوة فوق خطوة أخرى طبعتها في يوم مضى.
حين نظر إليها تذكرها فقال لها: إنت ي. انظروا إلى عجز الياء تذكرها وتذكر كيف ضربها في ذلك الحين على رأسها حتى جلست في أرضها ـ كانت في الغرفة ـ جلست تنسحب برفق نحو زاوية الغرفة وكان الضابط مع مساعديه على علم بماذا يجب فعله في هذه اللحظات، وكيف يجب.
ثم ابتسم برضا وهي تستسلم من دون عناء وأحس بالياء.
هل تعلمين أنني كنت أراقبك من بعيد وأشعر برغبة داخلية كي أقترب منك وأقول.
في لحظات لم يشعر بالنشوة لأنها بدنٌ هامد وبارد. وتساءل كما في كل مرة لماذا يضع الخلق قيمة كبيرة لهذا البدن، هي التي الآن في الزاوية، لكنه قال لها: هل سبق لي ورأيتك هل أنت ي هي وهنا توقفت.
الشارع غاص، وازدحام الشام معروف منذ القدم، كانت الشام في نزلة المرجة تنزلق من الصحن – سبق للذي رأى ما أقوله أن شاهد ساقيها وشفتيها وعينيها…
وقال لها: كنت عنيدة، وعصبية ولا تستجيبين لأوامري.
ضحكت ضحكة عابرة ورطنت بكلام غير مفهوم- ثم قالت مممم- كأنها تسبح وتعبر الضفتين الى طريق الرمل. مما جعل الضابط يلتبك ويتورط في فكرة دونية لاحقته منذ زمن بعيد: لماذا تضحك هكذا، وعن ماذا تتكلم حتى لا أفهمها؟! أنظري الى النجوم فوق كتفي. قال لها، ثم أمسك ذراعها على حالين، حال من العطف وحال من القسوة، أي انظري، وإن أطعتني فسأحن وأميل وإن لا فسوف أطلق رصاصة على رأسك.
تقول الأم التي حضرت في ذلك الوقت، لماذا تحملون أدوات الحرب بينا. الطريق الى الذي تحسبونه عدوا واضح وصريح، أذهبوا إليه وأرفعوا عليه تلك الأدوات.
قالت له: لم أتكلم ولا كلمة وأنت رفعت المسدس وأطلقت. أنا كنت ساكتة طوال الوقت.
نعم صحيح، كنت جميلة، فالخوف الذي اعتراك جعلني شبقا وشهوانيا، بالمناسبة ما كان اسمك حينها؟
، وجدي كان يقول الشعر ويجن في نهاية الزمن على من يظن أننا نخاف ونستجيب ونؤتمر.
الطريق إلى ديك الجن هو ممر، مجرد جسر صغير فوق ساقية صغيرة إلى منتدى ليلي كنا نزوره حين كنا نعسكر تلك الأيام في تلك المدينة. كان من الطرف الأول مصفاة ومن الطرف الآخر بحيرة قطينا!
لم تدرك ماذا عنى الضابط بهذا القول أو بتلك الاضافات عن منتدى ديك الجن.
ليست بحيرة ولا مصفاة. رامه التي وقفت في إحدى المرات أمامه في احد الأحياء نعم هو كذلك، أنت هي إذن التي وقفت تلك الوقفة، وحين رأيتك قلت في نفسي ذلك.
كانت الأوصاف تتطابق، فدفعته إلى الخلف، وحين لم ير ما وراءه أراد أن ينظر نحو الأمام- لكن أيها السيد لم يعد هناك من أمام ولا مستقبل، ولا يحق لك التقدم نحو الأمام.
كل ما فعلته رامه أنها أحالت الرجل إلى فكرة لحجر ساكن. توقف الزمن كما كنت أتوقع. وظلت تبتسم. مقدورة. وثمة سحب تنشط وهنا ليس في الأمر بهجة وأمل في العادة يبقى الظلام مخيما- فالإنسانية تعيد نفس الكتابة والقراءة جيلا بعد جيل من دون أن تمل أو تضجر أو حتى تتعلم.
لكن رامه لا. تقول لا. الإنسانية لا تعيد، ولا تكتب. هي تتنفس ونحن ننشط، وسوف نمطر عما قريب.
نحن مطر كما في القصائد التي تملك نهاياتها التي تدور وتدور، سعيدة جدا.