مصر والعراق أسوأ مكانين للنساء في العالم العربي

حجم الخط
17

كانت مفاجأة أن تظهر مصر، إحدى أقدم الحضارات في العالم، وأول البلدان العربية التي احتكّت بالغرب وشهدت مشروع تحديث كبير أيام محمد علي باشا، مروراً بدورها البارز على صعد تحرر المرأة والعلم والسياسة والحداثة، في أسفل ترتيب البلدان العربية في قضية المرأة، وذلك في استطلاع شامل نشر أمس وشارك فيه 336 خبيرا في حقوق المرأة.
واذا كان هناك من عزاء لمصر ونخبتها فهو أن العراق، الشريك القديم في بدء الحضارة الإنسانية، والذي لا يقل تاريخه الحديث عن مصر طموحاً في مجالات التحديث والتصنيع جاء في المرتبة الثانية بفارق ضئيل عن مصر، تلته السعودية فسورية واليمن.
الأرقام التي قدّمها التقرير تشعرنا بالأسى مجبولاً بالخزي وبعضها يذكرنا بالأرقام الخلّبية لـ’انتخاب’ زعمائنا المخلّدين، باستثناء ان هذه الأرقام حقيقية وليست تلفيقاً وتزويراً كتلك، فنسبة النساء اللاتي يتعرضن للتحرش الجنسي في مصر تكاد تكون شاملة (99.3 بالمئة)، وعدد اللاتي خضعن للختان (91 بالمئة)، وتتدعم هذه الأرقام المخيفة مع ظواهر الاتجار بالنساء وقوانين التمييز بين الجنسين وانهيار الوضع الأمني وانحسار الحريات لتدفع بنساء مصر (ومصر بالتالي) إلى وضعية لا تطاق.
أما في العراق المنكوب بالطغيان والاحتلال والتبعية الاقتصادية والسياسية فهناك مليون وستمئة الف أرملة، وهناك آلاف النساء اللاتي اجبرتهن ظروف الفقر والنزوح والترمّل على الرحيل عن بلدهن وممارسة الدعارة في البلدان المجاورة.
ويعتبر وجود السعودية في المرتبة الثالثة كأسوأ دولة عربية بالنسبة لحقوق المرأة واقعة فظيعة، فهذه الدولة الغنية لم تتعرض لحروب او اضطرابات سياسية عميقة كما حصل في العراق ومصر وسورية واليمن، ووجودها في هذه المرتبة دليل على أن الدولة وقوانينها هي المسؤولة عن الانتهاك المريع لحقوق النساء فيها، لا الانهيارات العسكرية او السياسية التي تعرّضت لها البلدان العربية الأخرى الموجودة على رأس القائمة.
يعتبر التزايد في ظاهرة ختان الفتيات من النقاط المثيرة للجدل في الاستطلاع ، فهذه الظاهرة المرعبة ترتبط بميراث ذكوري إفريقي قديم جداً ويتعلّق بالعادات والتقاليد البعيدة عن الدين، فاضافة الى مصر والسودان وموريتانيا وجيبوتي والصومال نكتشف بلدانا جديدة تنتشر فيها هذه الظاهرة غير الانسانية، ومنها العراق وسورية.
اضافة الى الأرقام الشائنة العديدة كمجيء الأردن في المرتبة الثانية كأسوأ دولة من حيث جرائم الشرف، فلا يخلو الاستطلاع من نقاط مضيئة وايجابية فقد جاءت ليبيا، مثلاً، بين افضل الدول من حيث التمثيل السياسي وكذلك تونس حيث انتخبت 61 امرأة للجمعية التأسيسية، وقطر حيث تعمل 51.8 من النساء، والكويت وسلطنة عمان… وجزر القمر التي اعتبرت أفضل الدول لعيش النساء وضمانات حقوقهن.
يفتح الاستطلاع الباب لتأويلات مغرضة، وهو أمر قرأناه في بعض التقارير الاخبارية عنه، مثل الاستنتاج البسيط الذي يربط التدهور في حقوق المرأة بالربيع العربي، كما لو أن المطالبة بحقوق الشعوب تتناقض مع المطالبة بحقوق المرأة، او كأن الاستسلام للطغاة ودكتاتورياتهم أفضل للمرأة وأضمن لحقوقها.
كما تستغل بعض التحليلات هذا الاستطلاع لتعزيز نظرة استشراقية خبيثة للشعوب العربية والاسلامية تعتبر الدين بذاته، لا تأويلاته المتخلفة او تطبيقاته المرتبطة بوقائع محددة، هو سبب التدهور في حقوق المرأة، ومن ثم توجيهه في معارك الاستقطاب الجارية بين العلمانوية الاستبدادية المنهمكة بدفن الثورات باسم النضال ضد أحزاب الاسلام السياسي، وهو أمر فيه افتئات وتجنّ وتبسيط مخلّ بالمعرفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية