موت منارة عجوز
عناية جابرموت منارة عجوزلم أستسلم للعويل الذي كان يتردد في رأسي الا عندما جلست كالضفدع علي احدي الدكك الاسمنتية قبالة البحر، انتحبت بأصوات نوارس وحيتان وذئاب، كان ينقص ان يقصفوا المنارة حتي لا تعود السفن تهتدي. حتي لا أعود أهتدي. من غيري يمكنه ان يشعر تماما بما تشعره منارة مقصوفة. بقيت تحتضر، تنوص وتصدأ وتتجمد روحها حتي اصبحت قبضة مهمشة، يحلو لي ان احسست ان سربا من الحمام كان يحلق فوقها، قد هوي وتناثر، وان اعشاش عصافير كانت ترقد فيها تفرفطت هي الاخري وماتت.أن اكون أنظرها بعد دقائق علي قصفها، قبيحة ومهانة، مختنقة بدخانها، كمن انظر عاشقة مخدوعة، اشعلت النار بجسدها الطويل الحلو وتركت للهب يعمل فيه، انه ثمن التجرؤ علي الضوء وثمن هدي التائهين، وثمن الاصرار علي الوحدة الانيقة وثمن طريقتها في التفكير واقامة العلل، عبر اصرارها علي الوقوف دهرا بيروتيا طويلا، منتصبة مغوية تشير الي امكنة الذهاب البعيدة، وهي باقية لا تذهب ابدا.اعتقد ان مأخذي علي الحروب بصفة عامة هو كونها ليست حرة. اري ذلك من خلال اهدافها: انها مصنوعة، منظمة وخاضعة لقواعد، ومتفق عليها، صواريخ علي المنارة الأكثر وضوحا ومسالمة، صواريخ بلا امتداد، بلا ليل او صمت، او بعبارة اخري بلا جندي حقيقي، صواريخ نهارية، وصواريخ ليلية لقتل الفراغ وتزجية الوقت. ليست صواريخ حقيقية ولا يقف خلفها جنود حقيقيون، ولا تنغرس اضرارها في الفكر ولا تنطق بالحداد الاسود للحياة.صواريخ لمجرد القتل، ناس ابرياء ومنارات، اكثر الاشياء سهولة في العالم، صواريخ طفولية، كأنها رائعة وغالبا قاتلة.نهضت ومشيت غاضبة، غاضبة جدا لدرجة انني كنت عاجزة عن النظر الي البحر لأريه عمق جرحي. وبينما المناشير تتساقط من المروحيات الاسرائيلية، تدعونا الي اخلاء مناطق سبق ان اخليت، رحت انظر شاردة الي قبعة الصياد الحمراء، الواقف بدوره شاردا. اما البحر، فقذفهم جيدا. فهو يعرف ان تلك الرؤية المميتة للمنارة هي اعتداء مقصود علي كل ما يؤمن به: اذا كان علي النور ان يمر عبر كائنات دنسة، فانه هو ليس دنسا .اعدام هذه المنارة اللطيفة، والحجارة التي سقطت علي صدرها وبريق جلدها الاسود الذي اطفأه الغبار، كان يعكس لون القصدير في اليوم الصيفي الحار.قصفوا المنارة واحبها حبا مؤلما، مذلا، حب سنوات من العذوبة الخطيرة، احبها بشدة لأنها تمثل كل ما اعرفه عن نفسي. وكل ما اعرفه عن جسدي كان مرتبطا بها. الأمر معقد بعض الشيء لكنه كان هكذا تماما. لم اعرف حبا آخر، خارج حبي لتلك المنارة للتفكير بنفسي. لم اتعلم الابتعاد عنها، ولا عن البحر، ويبدو مع تدميرها ان شقا آخر في القلب قد انفتح، وان ما كان ينقصني، سوف يظل ينقصني الي الأبد.لم يحدث ابدا ان اسرتني واقعة قصف الي هذا الحد. استغرقت في عملية قصف منارة بيروت العتيقة ووقعت في شركها. لم تعد بي رغبة في الذهاب بعيدا عنها. تبقي هي منارتي ويبقي البحر. يبقي فك طلاسم الصواريخ علي بعض الأمواج، تبقي الرومانسية والشعر، ويزحف التذكر نحو البحر، يزحف الحب متأهبا لأبدية مقبلة.ذلك الحدث الذي لا ينضب. موت منارة عجوز مقتولة بالصواريخ الاسرائيلية. موت منارة، هو ترف الموت الصادم ومشهد لم اره في اي حياة. منارة هرمة، وصغيرة علي الموت، وفاتنة الي درجة تجعلني اصرخ لموتها.في صمت هذا البحر، وفقد ذاكرته الآن، سوف لن يعادل شيء السلوي التي كانت تجلبها منارة لطيفة.عندما يصطخب البحر غدا، ويقذف بايقاعات الماء نحو الشاطيء، أكون ايضا كما في كل فجر، لأري الي الذي يأتي، أهديه الي امان قلبي. تأتي سفينة، اجل تأتي سفينة اخري وسفن كثيرة ولم يكن احد اخبرهم ان لا منارة بعد. تأتي السفن تتخبط الي مرسي، الطاقم والمسافرون، ابناء البلد العائدون، المفقودون والناجون. يأتون جميعا يرجفهم البعاد، كسر الخاطر والبلد الذي بلا منارة.0