عوني فرسخ
اسرائيل بنص اعلان الاستقلال دولة عنصرية، ومنذ البداية لم يجر التعامل مع العرب الذين فضلوا البقاء في وطنهم باعتبارهم أقلية قومية، وانما كطوائف دينية، واخضعوا للحكم العسكري حتي العام 1959. وعلي مدي السنوات الثماني والخمسين الماضية مورست العنصرية ضدهم في شتي الأنشطة، وبرغم ذلك احتفظوا بمشاعرهم الوطنية والقومية. وقد تجسدت استجابتهم للتحديات العنصرية الصهيونية أكثر ما تجسدت بما أبدعه محمود درويش وسميح القاسم ورفاقهما من روائع الشعر العربي، كما انعكست عليهم تداعيات المتغيرات في الواقع العربي فلسطينيا وقوميا. فالمد القومي الذي تعاظم بعد تأميم القناة سنة 1956 عزز لديهم شعورهم بانتمائهم العربي، وكان أن برزت حركة الأرض التي استقطبت قطاعا من الشباب الذين كان بعضهم يجد في الحزب الشيوعي او النوادي الاجتماعية مجال تعبيرهم عن رفض الأمر الواقع. كما أدي احتلال الضفة والقطاع سنة 1967 الي اعادة تواصلهم مع عمقهم الوطني، فيما التحق العديد من شبابهم وصباياهم بالجامعات، وبخاصة جامعة بيرزيت، والذين بتفاعلهم مع الحراك الوطني والعمل الفدائي متسارع النمو بعد النكسة تنامي وعيهم الفلسطيني وشعورهم بوحدة المسيرة والمصير. ولما كان الجليل يضم القطاع الأكبر من عرب الأرض المحتلة العام 1948، وحيث اضطر حزب الله الي قصف شمالي فلسطين بالصواريخ ردا علي حرب الأرض المحروقة التي تقوم بها آلة الحرب الصهيونية في لبنان، فانه يغدو مهما رصد انعكاس ذلك علي مشاعر عرب الجليل ومؤشرات استجابتهم لتحديات الصراع الراهن، ومحاولة قراءة الآثار المحتملة لذلك علي القوي والتوجهات السياسية ـ الاجتماعية لديهم. وكان أحد الصواريخ اللبنانية قد سقط علي منزل أسرة في حي الصفافرة بمدينة الناصرة فأودي بحياة ثلاثة من أفرادها بينهم طفلان، وقد اقتصر تعليق الأم علي أن قالت: قضاء وقدر. وفي مقابلة السيد حسن نصر الله التي بثتها فضائية الجزيرة مساء 20/7 تقدم بالتعزية لأسرة الضحايا، واعتذر منها، وأعلن اعتبارهم شهداء المقاومة وفلسطين. وقد أرجع أحد مواطني الحي اصابة الأسرة لعدم توفر الملاجيء وصفارات الانذار في المدن والبلدات والقري والأحياء العربية. بينما ذكر مواطن آخر أن أحد الطفلين ظل يتنفس قرابة نصف ساعة، وتوفي قبل وصول سيارة الاسعاف بدقائق. والشهداء الثلاثة، وان كان سبب استشهادهم المباشر سقوط صاروخ المقاومة علي منزلهم، الا أن المسؤولية التاريخية والأخلاقية انما يتحملها بصورة رئيسية اولمرت وأركان حكومته وقيادة جيشه، برفضهم مبادرة حزب الله بتبادل الأسري التي أعلنها أمينه العام لحظة زف نبأ اسر جنديين لمبادلتهما بالأسري العرب، كما كان قد وعد بذلك وأقرته القوي السياسية اللبنانية في جلسات الحوار الوطني اللبناني. وكذلك يتحمل المسؤولية الأولي قادة الفكر والعمل الصهيوني الذين أصّلوا العنصرية في الفكر والثقافة والقوانين والانظمة الصهيونية. وبينما امتلك السيد حسن نصرالله شجاعة الاعتذار عن خطأ غير مقصود لم يصدر عن أي مفكر أو سياسي صهيوني الاعتذار عن خطيئة رفض المبادرة الانسانية، أو عن تبعات التمييز العنصري في حماية عرب الأرض المحتلة العام 1948. وفي التمايز الكيفي في الموقف من شهداء الناصرة مؤشر علي تميز الثقافة العربية الاسلامية المؤسسة علي الالتزام بالعدل والمساواة بين البشر علي اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم ومذاهبهم.
وبين ثقافة لحمتها تعاليم التلمود وسداها الفكر الصهيوني، بحيث اتسمت بعنصرية مركبة. فهي لا تعتبر العربي من الغوييم ـ الأغراب ـ فقط، وانما أيضا عنصرا مرشحا للتطهير العرقي والطرد القسري من ارض آبائه وأجداده، وقتله بالتالي مباح. وكانت هيئة الاذاعة البريطانية قد أجرت حوارا بين عربيين من حيفا حول رد فعلهما تجاه ما تعرضت له مدينتهما من قصف، فاتفقا علي القول بأنهما بقدر قلقهما علي سلامة الأهل بمقدار سعادتهما بالمستوي الذي بلغته المقاومة العربية من كفاءة في الرد علي العدوانية الصهيونية. وردا علـــــي سؤال احدهما أليس في ذلك عدم وفاء لدولة أنت احد مواطنيها؟ أجاب: ما دامت مواطنتي منقوصة فولائي منقــــوص. وبسؤال الثاني عن شعوره تجاه ما قد يتعرض له جيرانه ومعارفه اليهود، اجاب بأنه يتعاطف مع السكان اليهـــود وليس مع الحكومة الاسرائيلية. وفي تقديري أن المجتمع العربي في فلسطين المحتلة سنة 1948 مرشح للتأثر بأربعة عوامل متفاعلة جدليا: الأول، المشاركة الوجدانية مع مواطني الضفة والقطاع بسبب حصار التجويع المفروض عليهم بقرار أمريكي ـ صهيوني والمنفذ بالاستكانة العربية. والثاني، تقدير اعتماد الحوار الديمقراطي الذي توج باقرار وثيقة الوفاق الوطني دون تفريط بالثوابت خاصة حق العودة. والثالث، الاعجاب بالابداع المقاوم كما تجلي بعمليتي تبديد الوهم و الوعد الصادق. والرابع، انكشاف العنصرية الصهيونية في التمييز ضد المواطنين العرب حتي في اجراءات الأمن. والاحتمال الأرجح أن تكون الحركة الاسلامية بزعامة رائد صلاح هي الأكثر استفادة من النقلة النوعية المتوقعة في الوعي والحراك السياسي لنخب وجمهور المجتمع العربي. ومن المحتمل أن يكون ثاني المستفيدين القوميون الديمقراطيون، وبخاصة الحركة التي يقودها د. عزمي بشارة، الذي كان له حضوره المتميز اعلاميا في فضح الأسلوب الغبي الذي تدير به حكومة اولمرت الأزمة. فيما سيشهد خيار الاسرلة ـ التماهي بالتجمع الصهيوني ـ انحسارا ملحوظا. وقراءة تجربة المجتمع العربي في فلسطين المحتلة توضح أن التحديات التي تجسدها الممارسات العنصرية الصهيونية ولدت استجابة واضحة، تمثلت علي نحو خاص بارتفاع نسبتهم من 11% سنة 1949 الي نحو 20% اليوم، برغم كل الهجرات اليهودية، وشبه اليهودية. كما شهد المجتمع العربي نموا طرديا في وعيه وحراكه السياسي، واعتزازه بانتمائه الوطني والقومي، وتجاوبه مع أحداث الضفة والقطاع. مبرهنا بذلك علي عمق المكون الحضاري الذي يختزنه، وعن مســــتوي استجابته لتحديات العنصرية الصهيونية، ومدللا علي أن الصهيونية ابرز خمائر التغيير في الواقع العربي. كاتب فلسطيني يقيم في الامارات8