د. عبدالوهاب الافندي
(1)الفشل لا أب له كما يقول المثل، أما النجاح فالكل يسرع إلي تبنيه. وهكذا كان حال انتصار حزب الله في لبنان، الذي يسارع حتي من ينكرون وجوده إلي ادعاء مساهمة فيه.(2)سورية وإيران كانتا في مقدمة المحتفلين، ويحق لهما ذلك، لأنهما (كما اتهمتهما إسرائيل وكل خصم آخر) هما من دعم حزب الله وأهله لهذا الانتصار غير المسبوق. هذا مع أن التركيز الدعائي علي دور إيران وسورية هو من قبيل المبالغة وصرف النظر عن أن ثبات ومهارة مقاتلي حزب الله وكفاءة قيادته هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن تحقيق النصر. فكل العالم، بمن في ذلك معظم الحكام العرب، دعموا إسرائيل بالقول والفعل والقنابل الذكية، دون أن ينفعها ذلك كثيراً. (3)الجماهير العربية بدورها احتفلت بانتصار انتظرته طويلاً، ولكنه احتفال يشبه، كما كررنا من قبل، احتفال المتفرجين بفوز فريقهم المفضل في كرة القدم، سوي أن مشجعي كرة القدم في الغالب يدعمون فريقهم بالتمويل وشراء التذاكر، ويوفرون له التدريب والاحتياجات الأخري.(4)العرب العاربة والمستعربة، بالمقابل، لم تقدم لمقاتلي حزب الله حتي شربة ماء، بينما اصطف الكثيرون في صفوف المخذلين الذين كانوا يتهمون حزب الله بالتهور وتحميل نفسه ولبنان والعرب ما لا طاقة لهم به. نفس هؤلاء يقولون الآن أنه لم يتحقق نصر ولا من يحزنون، لأن لبنان هدم، وإسرائيل حققت غرضها في إبعاد حزب الله عن حدودها، وإيجاد ساتر دفاعي من الجيش اللبناني والقوات الدولية بينها وبينه.(5)حتي بين الجماهير التي كان تأييدها كاسحاً للمقاومة، لم نشهد تقديم أي دعم ملموس للمقاومين، سوي ما هو أضعف بكثير من أضعف الإيمان. ففي حين كان مقاتلو حزب الله يقدمون أرواحهم لتحقيق هذا النصر، وكان لبنان يدفع ثمناً فوق طاقة البشر من الصمود والعذاب، كان الباقون يتفرجون من مقاعدهم أمام شاشات التلفزة، ويهللون مشجعين حيث لا يسمعهم أحد. الغالبية لم تر من الواجب حتي تغبير الأقدام بمظاهرة دعم وضغط علي حكوماتها.(6)أمة لا تري من واجبها المشاركة في تحقيق النصر (أو تجنب الهزيمة والكارثة) بأضعف الإيمان، ويتقاعس أفرادها عن تضحية بسيطة بمواجهة هراوات الشرطة، بينما تواجه حفنة من المقاتلين في أصغر بلد عربي أعتي آلة عسكرية في المنطقة، ويهدم هذا البلد علي رؤوس أهله، هذه أمة لا تستحق نصراً ولا عزة.(7)أمتنا هذه فقدت حقها في العزة والكرامة منذ أن أوكلت الدفاع عنها إلي العسكر المحترفين منذ أيام السلاجقة، مروراً بالانكشارية والمماليك ثم أخيراً من سماهم المرحوم جلال كشك بـ المماليك الاشتراكية، فاستعبدها من أوكلتهم للدفاع عنها، قبل أن يسلموها بدورهم إلي غيرهم من الأجانب. وما لم تهب هذه الأمة من غفوتها وغفلتها فإنها لن تفعل سوي استبدال سيد بآخر.(8)للأسف فإن السادة إياهم هم في موقع أدني من العبيد، لأنهم تبع لغيرهم. ولكن هذا ليس قدحاً في حقهم، وإنما في حق من يرضي بأن يكون عبداً للعبيد.(9)أتمني أن يعيرني الرئيس بشار الأسد الميكروسكوب الذي رأي به نصف رجولة من وصفهم بأنصاف الرجال، لأنني أجد صعوبة كبيرة في رؤية هذا النصف من حيث أقف. ولكن التساؤل الأكبر هو حول رجولة (وحتي نسوية وإنسانية) من يرضون بأن يكونوا تحت سلطة من يعتبر وصفهم بأنصاف الرجال مدحاً.(10)نخشي، إذا لم يتغير الحال، أن يكون التهليل لـ السيد حسن نصر الله مجرد مرحلة أخري في مسيرة أخري الأمة فيها أقل من متفرج، وأدني مقاماً من موضع الكرامة الإنسانية، تعيش الذل المطعم بأوهام انتظار المنقذ الفرد الذي يقوم بإنقاذ الأمة من ذل ارتضته لنفسها، دون أن تستحق هذا الإنقاذ أو ترتفع إلي مستواه.