هل ستنجح سياسات ‘العزل العنصري’ الاسرائيلية وبناء الجدار في احتواء المحيط العربي؟

حجم الخط
0

تاريخياً ساهم جزر الهزائم المتتالية التي حاقت بالجيوش العربية في ترسيخ صورة التفوق الإسرائيلي المطلق في الذهنية العربية، وقد ساهم الوضع المهتز القلق والذي صاحب الموجة الثورية العربية في ترسيخ هذه القناعة.
هذه الصورة فيها الكثير من الصدوع التي يجهد الإعلام الصهيوني ومن والاه في طمسها وترميمها أو حشوها بما تيسر إمعاناً في إخفاء الحقيقة عن قواعده الشعبية والمعبأة بأيديولوجية النصر الحتمي المرتكز إلى المقولات الدينية والتي لوتضعضع بنيانها لانهارت أول وأهم ركائز دولة إسرائيل.
أين تكمن نقاط الضعف الإسرائيلية إذن؟ بل أين يكمن مقتلها؟ وهل يمكن أن نصيبها فيه حقاً؟
المتتبع للفكر السياسي الإسرائيلي وممارساته على أرض الواقع سيلحظ حتماً أنه يسير في خطين متوازيين: أولهما :الإبقاء على الخصم ضعيفاً بالوسائل السياسية والعسكرية، والثاني تحصين الداخل قدر المستطاع.
ولنبدأ بفكرة تحصين الداخل ونتفحص الفلسفة أو العقيدة الإسرائيلية التي تملي آليات ووسائل هذا التحصين وانعكاس آثاره على المجتمع الإسرائيلي من الداخل.
عقب احتلال إسرائيل لما تبقى من الأرض الفلسطينية في عام1967 بدأت العمالة الفلسطينية في التدفق إلى الداخل الإسرائيلي، اي الأراضي الفلسطينية داخل حدود سنة 1948، كان هذا مجدياً اقتصاديا للصناعة الإسرائيلية، نظراً للرخص النسبي لهذه اليد العاملة، إلا أن آثارها الإجتماعية لم تعجب إسرائيل. فمن ناحية أصبح العرب كثرة داخل إسرائيل مضيفين أرقاماً جديدة للعرب الموجودين أصلاً، ومن ناحية أخرى حققت مستوىً جديداً من التواصل الثقافي والإجتماعي لاقى قبولاً لدى شرائح من المجتمع الإسرائيلي عبر حالات زواج وعلاقات صداقة فتحت المجتمع الإسرائيلي باتجاه عدو مفترض ستتغير صورته بحكم العشرة فلا يعود عدواً بعد الآن.
وقد علق أحد الإسرائيليين على ذلك بقوله ‘إحذروا العرب إنهم يشبهوننا كثيراً’.
وفي نفس السياق علق بعض العرب النفطيين بالقول ‘لماذا نحرر تل أبيب ونحن بإمكاننا أن نشتريها’.
إسرائيل المرعوبة من الإختلاط والتواصل بقدر رعبها من البيع والشراء ماذا ستفعل بهذا المحيط العربي الذي لا ينتهي عند حدود فلسطين؟! والذي يهددها بسوقه وثقافته قبل جيوشه؟
لقد دق ذلك جرس إنذار في صفوف النخب السياسية الإسرائيلية فلجأت إسرائيل إلى الخيار الصعب ‘سياسات العزل العنصري’ وبناء الجدر وأصبحت نموذجاً حياً مستنسخاً لدولة جنوب إفريقيا المنقرضة.
واجهت إسرائيل بعدها انتفاضة شعبية عارمة اختارت عقبها اللجوء إلى حل سياسي مع منظمة التحرير الفلسطينية وصفته حينئذ بالدواء المر، وقبلت مبدئياً بإعادة ‘الإرهابيين’ وإقامة سلطة فلسطينية على أرض الضفة الغربية ثم بدأت في السياسة الفردية وقضم قطعة الجبن التي قدمتها بإعادة قسمتها ووضعها في كفتي الميزان، المرة بعد الأخرى، فواجهت انتفاضة ثانية واسهم ذلك في صعود الموجة الدينية والتيار الإسلامي بقيادة حركة حماس والتي اكتسحت الانتخابات واعتلت عرش السلطة.
ما أعقب ذلك نعرفه جميعاً إلا أن السياسات الإسرائيلية سجلت فشلاً تلو آخر وحتى اللحظة الراهنة، أزاحت ياسر عرفات من طريقها عبر تدبير ما وها هي الآن تحاول إلحاق محمود عباس به بنبش رفاته وإحياء ذكرى موته أو اغتياله.
السياسات الإسرائيلية الواهية والمرتهنة لرهابها وعنصريتها تريد توقيعاً على بياض من سلطة فلسطينية تعرف جيداً أن ذلك يقع خارج إمكاناتها لا بل صلاحياتها ولذا تسعى للإطاحة بها كما فعلت بعرفات من قبل، السلطة الفلسطينية الحالية مستعدة للخوض في مفاوضات لا نهائية تبقيها فقط على قيد الحياة ولكنها حتماً لن توقع لإسرائيل على بياض، حتى ولو نجح الطرفان في إزاحة عقبة’حماس’من خلال دعم موجة الردة التي استولت على الحكم في مصر.
إسرائيل الآن وبتواطؤ أمريكي ستقفز من فوق رأس السلطة الفلسطينية، إذا فشلت في استبدالها، باتجاه الزعامات العربية، السعودية بالذات، والتي ضاقت ذرعاً باستمرار بشار الأسد في الحكم، بعد كل ذلك المجهود الذي صبته في سبيل إسقاطه ولذا فهي على استعداد لمقايضة رأسه بأي شيء حتى الإنفتاح على إسرائيل أو السماح لها بإنجاز خطوة من خلال السعودية أو برعايتها.
يتزامن ذلك مع تقارب إيراني أمريكي ربما يتمخض عن خصم تجاري كبير لإيران فيما لو أبدت استعداداً لمقايضة رأس بشار، روسيا بدورها تبحث عن صفقة مربحة، مقابل هذا الرأس الذي احتفظت به طويلاً، ليوم القربان المقدس هذا وليس لوسامته أو فطنته بالتأكيد.
السعودية بدورها ستحقق إنجازاً في لبنان فسيعود حزب الله مثخناً إن لم يكن فلولاً وإلى مخدع سياسي خالٍ بعد أن هجره أخدانه في ساحة لبنانية مفتوحة على احتمالات كثيرة ليس بينها التشبث بحزب الله ولا حتى ضمن الطائفة الشيعية ذاتها. لقد استنفد دوره بهجرته’النضالية’ نحو البعث السوري. وإذن فسيكون رأس بشار الأسد أثمن شيء على طاولة المزاد في جنيف’2’،حيث سيتربع بأبهة هناك فقط.
فهل سيوفر ذلك لإسرائيل مخرجاً من مأزقها؟
يرى محللون إسرائيليون أن ذلك لو تم فعلاً فلن يكون أبداً لراحة نفس إسرائيل إذ سيتفرغ الخارجون من هذه الحمأة للتفكير برأس إسرائيل هذه المرة بعد أن لم يتبق لديهم شيء آخر ليفعلوه. ولذا ينصحون إسرائيل بتقديم شيءٍ،أي شيء، لتفوت على الآخرين فرصة الندم على صفقة خاسرة، لجؤوا إليها عنوة، فهل ستؤتي إسرائيل الناس نقيرا؟!
أياً كان ما ستفعله إسرائيل، المنطقة بأسرها متجهة وبتسارع نحو منظومة علاقات جديدة وربما يكون هذا آخر معروف تقدمه أمريكا لإسرائيل! فهل ستجد إسرائيل نفسها وقد انتبذت مكاناً في قوقعتها القصية داخل جدارها الذي بنته بأيديها ضمن منظومة تلفظها خارجاً، ولا ترتاح للتعامل معها؟!
نزار حسين راشد
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية