القضية الفلسطينية كانت وما زالت الإستثمار الأربح للنظام السياسي العربي

حجم الخط
0

في البدء كانت القضية الفلسطينية وكانت هي الإستثمار الأربح للنظام السياسي العربي عبروا من خلالها إلى الجماهيرية، وصنعوا البطولات الوهمية، وتزينوا بالعباءات الوطنية. لقد تغيرت الأمور منذ ذلك الزمن وأصبح اللعب على أرض مكشوفة، ولم تبق إسرائيل لهم أي هامش للعب أو المناورة وهذه منة تستطيع إسرائيل بكل قوة أن تمنها على الشعوب العربية. كيف لا وهي التي جعلت حكامهم يقفون أمامهم عراة كما خلقهم الله. فإسرائيل حريصة جداً على عدم استفزاز مشاعر المسلمين، أما والحال هي الحال ودوامه على قِدَمه من المحال كان لا بد من بديل جديد يحل محل القديم ويتقمص دوره حتى لا تضيع الطاسة وتنتهي بالخسران المبين.
وأمام هذا الإفلاس المزري وحيث أن فلسطين لم يبق لها إلا رب يحميها يبدو أن الساسة الجدد ومن تبقى من القدماء قد وجهوا دفة سفينتهم إلى وجهة أخرى وبحثوا عن أرض عذراء جداً للاستثمار، فلم يجدوا أفضل من العالم الجديد وهو أكثر عذرية من العالم القديم، وهو شريك قديم على أية حال، مالي وسياسي وغيره، وإذن فلنتظاهر بالانقلاب عليه ونهز سبابتنا أو أي من أصابعنا في وجهه، فهذا لن يغير من الواقع شيئاً بل على العكس سيتيح لشراكتنا مزيداً من الاستمرار والإزدهار ويمنحها عمراً مديداً سعيداً وكثيراً من أعياد الميلاد و’الثانكز جفنج’ (أعياد الشكر) أيضاً، خاصة وأن التقاليد الأمريكية لا تستعر من رفع القدمين في الوجه ولا إشهار الأصبع أو الأصبعين وهذا ما يعرفه جيداً سمو الأمير بندر بحكم طول العشرة، ولذا لم يتردد في رفع سبابته في وجه أمريكا احتجاجا ًعلى آخر خطواتها في الشأن السوري.
فهل يمكن قراءة تصريحات الأمير بندر في ضوء هذا التمرد المزعوم على الهيمنة الأمريكية؟
لنتابع التصريحات إذن: ففي الوقت الذي يهز فيه الأمير سبابته في الوجه الأمريكي تتسارع تصريحات من دوائر سياسية رفيعة أخرى لتؤكد التحالف الإستراتيجي والصداقة الأبدية بين الشعبين الأمريكي والسعودي أي قاعدة وقمة قيادة وجماهير. هذه التصريحات موجهة للداخل الأمريكي كما أن هز السبابة موجه بدوره إلى الداخل العربي ولإدامة الرصيد الشعبي الذي يدعم الحرب ضد بشار الأسد والتي يبدو أن السياسة الأمريكية قد أطالت عمره الإفتراضي. السياسات الرسمية العربية مستعدة دائماً لتقلبات البوصلة والبورصة الامريكيتين وللتكيف معهما، أما التصريحات النارية فهي فقط لتهدئة خواطر الشعوب وطمأنتها تماماً كما كانت تنفث ناراً في وجه إسرائيل وتحظى بالتصفيق، وحين يجد الجد وينهار السد الكلامي ويفتَضح المستور تبدأ بتلمس الأعذار وإعادة الكرة من جديد، فهل كان هز السبابة دون الوسطى في الوجه الأمريكي حركةً من هذا النوع؟
الموقف الأمريكي من الثورة السورية وإيلائها الجانب اللين لإيران أثار مخاوف حقيقية لدى السعودية وكان لا بد من صرخة ما وراء ظهر أمريكا الذي أدارته لحلفائها المقربين في لا مبالاة سافرة وهي تهرول نحو عدو الأمس ‘إيران’ ولهذا جاءت الصرخة من أقرب المقربين من القاعدين في الحضن وليس من وزارة الخارجية السعودية كما يقتضي العرف السياسي، لتكون دون مستوى الجد وأعلى من حدود الهزل بقليل.. فهل آتت أكلها على أية حال؟
هبوط جون كيري في الرياض، على عجل، يدل على أن الرسالة وصلت، وأن على امريكا أن تبدد المخاوف والشكوك لدى حلفائها كما هي العادة دائماً أما نواياها الحقيقية فلا يعلم بها إلا الله.
ثوار الموضة الجديدة، بتوع 30 يونيو، هم بدورهم أيضاً، رفعوا عقيرتهم في وجه أمريكا، حبيبة الإخوان المسلمين، والتي عملت المستحيل لإدامة حكمهم والإبقاء عليهم في كرسي السلطة، ولهذا هرول ‘جون كيري’ دون تلكؤ أيضاً ليعلن أن الجيش المصري استعاد فردوس الديمقراطية المفقود وهرول مرة اخرى ليبارك خارطة أو خطة الطريق ويؤكد أنها في طريقها إلى الصيرورة، وأن فجرها سيبزغ قريباً، وسيتجسد شبحه منتصباً على قدميه، على أرض المحروسة، ليتبين فجأة أن المحروسة، تحرسها سفن وشركة أمن إسرائيلية تذرع قناة السويس جيئةً وذهاباً لأن جيش مصر الجديدة يحرس شوارع المحروسة من إرهاب الإخوان. وهذا التعاقد الثاني بالطبع، أما الأول فكان مع شركة دعاية وإعلام، إسرائيلية أيضاً، إذ يبدو أن إسرائيل الأول في كل شيء، من وجهة نظر العهد الجديد، وربما يعهد إليها أيضاً بتنفيذ خارطة الطريق وبدون وساطة جون كيري، والله يديم المحبة.
مع ذلك فمسلسل المواجهة مع أمريكا لم يتوقف، عبر الكلمات الكبيرة بالطبع، التي ينطق بها الناطقون، أو توضع على ألسنتهم من قبل مهندسي أو مخرجي العهد الجديد ومنتجيه.ويبدو أن السينما ومنتجيها ومخرجيها سيظلون حاضرين في حياتنا، فهل هناك أفضل من التمثيل لخداع الجماهير..وخاصة إذا كان تمثيلاً مقْنعاً.. فهل سيكون مقْنعاً هذه المرة يا ترى؟!
نزار حسين راشد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية