أقول الإسفلت يا سادة ليس مجرد ممر للسيارات أو المشاة ولا ملعباً لأطفال الحارات ولا حيزاً لبسطة الكعك، ولا حتى مكانا للترامي على أطرافه، انه ليس الشارع المليء بالمطبات والمحفور من كل جانب، ليست تلك المساحة التي تعج بالمراجعين أمام المستشفيات، انه أكثر من ذلك فهو يؤدي دورا لم نعرفه من قبل، فقبل عشرة سنوات تقريبا كان من يجلسون على الإسفلت يعرفون بالكسالى والمتسكعين أو بنظرة أخرى أشخاصاً مشبوهين أخلاقياً، لكن انظر اليوم إلى الإسفلت تجد نخبة النخبة، تجد المثقفين والوطنيين والأحرار وتجد من يحملون شهادة الدكتوراه، من هنا، من على الاسفلت تخرج الوطنية ويخرج الاحتجاج حتى أصبح منصة تعبيرعن الرأي بل هو منبر عالي تجد فيه كل وسائل التأثير دون الحاجة إلى مكبرات الصوت. على الاسفلت، التراجيديا الاجتماعية الحقيقية فتجد فيه عذابات شباب ضاع عمرهم وهم في غرفة الانتظار، اذ تجدهم ينظرون إليكم ولكنهم في الحقيقة ينظرون إلى أنفسهم، فيه الهم الوطني والاجتماعي وفيه شباب يتساءلون عن صديقهم فيجيبهم آخر انه هاجر إلى كندا فيشتاق إليه الاسفلت، فيه الدموع المحبوسة والقلوب المكبوتة فيه الحسرة على التعب والسهر، فيه تشعر لأول مرة بالفشل الممزوج بالظلم من على الاسفلت ترى قاع المدينة الطاهر ترى القاعدة ترى الجماهير ترى التعب الذي تأتي بعده المبادئ ترى طفلا يجر أمه إلى الدكان وهي تجبره باللحاق بها إلى البيت ترى خيلاء كبار الموظفين وسفالتهم واستعلاءهم ترى الشفرليت الأمريكي وترى عربة أبو عدنان بائع الخضار، ترى السائقين وهم يتحدثون بمرارة عن الغلاء وعن قسط الابناء الجامعي، ترى أطفالا وشيوخا يقفون على المفترق لتأتيهم سيارة العمل الصغيرة لتقلهم إلى حيث لا يعلمون. من هنا تسمع المذياع وهو يقول هنا صوت فلسطين، تبتسم حينما ترى أطفال الحي يجرون الحاوية ليغلقوا الاسفلت وحين تسألهم عن السبب يقولون ببساطة إن الدورية ستمر من هنا، على الاسفلت فأس ومعول قلم ودفتر زيت نابلس وعنب الخليل وعلم واحد يرفرف فوق الضفة وغزة، وخلفك حائط مملوء بكتابات الانتفاضة الأولى فتح وحماس وجميعهم مروا معاً من هنا وعلى نفس الحائط ملصقات وانتخابات. من على الاسفلت ترى القدس في عيون البسطاء المخلصين ترى الشقاقي وعز الدين، ترى الياسر والياسين، ترى الأقصى والقيامة يبكيان.. هنا فقط تتذكر صورة لينا النابلسي المنسية، تجد في الاسفلت شجاعة ومروءة، تجد هناك على الاسفلت شهامة عربية قد فقدناها وظننا ألا نلقاها لكنا وجدناها هنا. فيه الصوت يعلو ويعلو فيه الغضب يتأجج شيئا فشيئا منه تتحول إلى وطني بل قومي لا بل قل أممي على الاسفلت تحاكم الفاسدين على طريقتك وتنصب لهم المشانق. على الاسفلت يستوي الميزان، على الاسفلت ترى النقية قلوبهم، على الاسفلت ترى العرق يتصبب منك لتشعر بالعامل في الصيف، ترى الشمس تحرقك لتشعر بأهل غزة حينما رموهم بالفوسفور الأبيض، ترى أماً ملهوفةً خرجت تبحث عن طفلها الذي خرج منذ الصباح لتتذكر كل أم فقدت ابنها وكل أم خرج ابنها من بيته قبل عقود ليمضي بقية عمره في الزنازين. يا سيدي وأنت في طريقك إلى مكتبك مر من هنا..أنت تعيش هناك والشعب كله على الاسفلت. حسن خلاف – الخليل – فلسطين [email protected]