المعرفة.. البلاهة.. والضجر: محاولة في المجاز

حجم الخط
0

قالها الفليسوف السلوفيني المثير للجدل سلافوك جيجك، حين سُئل عمن يقصد بالـ’بُلهاء’ (idiots) الذي رغم وجودهم كأغلبية ساحقة في العالم فهو يصر على التواصل معهم، كتابة ومحاضرات. قال إنه لا يقصد بالبلهاء ‘الأشخاص الفقراء، غير المتعلمين، العاديين’، فإن ‘معظم البُلَهاء الذين أعرفهم هم أكاديميون’.
إن قضية البلاهة رغم المعرفة معـــروفة مألوفة، ومن الممكن الثرثرة طويلاً حول الفارق بين العالم والعاقل، وحول ‘صور المثقف’، وحول نماذج لا تنتــهي على من جمعوا أو لم يجمعوا بين المخزون المعرفي وبين الإبداع في الفكر أو الفن، وحول استعارة ‘الحمار’ الــذي ‘يحمل أسفاراً’. على أن ما يثـــير الفضول حقاً، وهو موضوع المقال، هي تلك الشخصيات التي قـــرأت كثيراً، ويبدو أنها فكرت في أشياء كثيرة إلى حد لا بأس به، وخاضت صراعات في حياتها في سبيل الدفاع عما تعرفه أو في محاولة ترجمة ما تعرف واقعــــاً، بل ربما أخطأت أو أصابت في حـــق نفسها والعالم فكانت لها تجربة ما عميقة ظاهرياً، لكنها رغم كل ذلك تبقى تبدو، لسبب ما، طافحة بالبلاهة مثيرة للضجر… فأين الخلل؟
أعتقد أن العناصر الأخرى، تلك التي هي خارج جوهر التفكير والمعرفة، كجمال الشكل أو الأخلاق أو حضور الشخصية ومهاراتها التواصلية مع الآخرين، ليست حاسمة تماماً في ما يخص البلاهة وإثارة الملل، بل الحاسم متعلق بامتياز بعلاقة الإنسان بما يعرف، وبترتيب ما يعرف (أو لا ترتيبه) في داخله؛ أي الشكل الذي يخلق له إيقاعاً ما مع الحياة، تراه أو ترى غيابه ينعكس بوضوح في كل تفصيل جسدي فيه. غالباً، في حال الأكاديميين والمثقفين، يكون هذا الترتيب رتيباً مكرراً لا يعرف التغيير، والنتيجة كائن بارد جامد أستغرب كيف يستطيع احتمال نفسه وكيف، بكل سهولة، يبرر انعدام النبض والإيقاع فيه وفي حياته بنرجسية مضحكة، يقيس فيها نفسه بأعتى الفلاسفة الوحيدين المخلصين للمعرفة وحياتهم المتقشفة، ناسياً هوس أغلبهم بالفن والجمال وعلاقتهما بالواقع المعاش، ملقياً اللوم دائماً على الآخرين العاجزين عن أن يكونوا عناصر في أوركسترا ترافق عزفه المنفرد، أو مدعياً اكتفاءه بالجاهز من الموسيقى لتخلق له إيقاعاً ما من غير الحاجة إلى المزيد. كم من البلاهة في هذا الظن: البلاهة التي تمنع صاحبها من أن يعرف ما الذي ينقصه، أو أن ينتبه إلى أن الذي ينقصه مصدره خلل في شكل المعرفة في داخله. هنا لا بد من مجاز ما يحل المسألة: كيف للكثير من الأفكار، الكثير الذي من المفترض أن يكون مرناً ممتعاً نابضاً يضاعف احتمالات تشكيلها وصاحبها، كيف يمكن أن تكون في كائن أبله مضجر إلى هذا الحد؟
حسناً: فلنعد إلى أكثر الاستعارات بدائية نعيش بها، وهي أن ‘العقل علبة’، ‘فيه’ ما فيه من أفكار وصور. مهما استعرنا من صور لـلـ’مكان’ الذي فيه توجد الأفكار فلن نفهم الضجر بسهولة: لو قلنا إنها في عقولهم مرتبة كما في متحف فسنقع في إشكالية أن المتاحف ممتعة، حتى متاحف الشمع، وكذلك أكثر المستودعات قِدماً وغباراً، إذ كلها تثير فضولاً ما لمعرفة المكان وما فيه أكثر. شخصياً لا استعارة تحل المشكلة عندي أكثر من المولات أو الأسواق التجارية. هكذا عقولهم: نعم كبيرة ولها ممرات، فيها واجهات وبضائع مغرية لكثيرين قد يرغبون بزيارتها للاستهلاك، وهو ما أفعله تماماً معهم: أذهب لأشتري فكرة أو معلومة تفيدني ثمنها القليل من الجهد والوقت، من دون أن يثار لدي أدنى فضول لاكتشاف الإنسان، أي المكان الذي هي فيه. المولات عندي قبيحة لا أشعر فيها إلا بالضجر والبلاهة اللامتناهية، إذ لا شيء فيها غير متوقع، بل كلها أشكال متعددة ظاهرياً والسائد، رغم ‘التنوع’، ألا إثارة أو اختلاف. حتى مدن الملاهي التي فيها هي غرف مغلقة: لا تخيفك أو تغويك وهي أصلاً قد استثنت ‘الكبار’ من المسألة.
ربما هو الإصرار على الأمــــان، والجهد الأقل: لهذا تترتب المعرفة على شكل المحال التجارية داخل كائن لا قيد منه كثيراً، باستثناء البيولوجيا، على شكلِ ما فيه. الترتيب: لا بد من ‘أنا’ واضحة المعالم تعرف دوماً ما تريد؛ لا بد من بناء مضاد للزلازل والحرائق والمطر؛ لا بد من تصنيف يريح الباعة والمستهلكين. كم هو الإنسان ضعيف رغم احتمال الإيقاع: يتركــــه ليــركن إلى أي شكل من أشكال الرسوخ واليقين، ظاناً أو واهماً أن أعظم الكلاسيكيات في الفكر والفن (بما في ذلك المعماري) لم تصدر يوماً عن مجانين.
إن أجمل ما في الفكر والفن هو ما يفعله بالإنسان إذا كان حراً: حراً من كل شيء حتى منها ومن نفسه بعد أن تحرره مما يريده له الآخرون. لها، حقاً، أن تفتح في روحه مدناً وبلاداً من العجائب إذا ما خفف الوطء ولم يأخذ نفسه كثيراً أو دائماً على محمل الجد. لها أن تدخله مدينة ملاه إذا ما اختار اللعب بذاته ومفهومها وصورتها وعواطفه وجسده وحياته على أراجيح ما يعرف، وأن يحتمل كل خوف وألم واضطراب وإحساس بالضياع والغباء، في سبيل النبض والإيقاع كثمن ممكن. لها أحياناً (أي المعرفة) أن تقيم مسرحيات تراجيدية أو كوميدية تلبس فيها الأفكار أقنعة تناسب مزاج صاحبها، مخزّنِها وحاويها. لا بد لذاته حينها أن تشارك في المسرحية وألا تعاند كثيراً أو تصر على شكل واحد لها. لها أن تفتح في الروح من الأماكن ما هو أمتع وأغرب بامتياز من المول: كالسيرك والكرنفال، أو حتى دار للبغاء: حيث للأفكار وصاحبها أن يعرفا تلك اللذة التي للتعري والتجلي والتخلي عن كل يقين، والتي لتكسير الحدود لبناء قلعة كقلعة ألموت التي للحشاشين بابتكار واقتدار أكبر، أي التي لتلاشي الحدود بين السكر والصحو وبين الضحك والبكاء وبين الذكاء والغباء وبين الروح والجسد وبين الذات والموضوع وبين الوعي واللاوعي وبين الذاكرة والنسيان وبين التقاسيم الواضحة للزمن؛ أي بين كل ‘إما’ و’أو’؛ على أن يرافق كل ذلك حرص واعٍ على أن تكون كل ‘إما’ وكل ‘أو’ في أقصاها قبل تكسير الحدود. كل ذلك تتيحه المعرفة حين يتاح لها أن تلعب؛ رغم وعي صاحبها العميق بالأثمان، الوعي الذي تصنعه هذه المعرفة بقدر ما تصنع، إذا ما تغلغلت حقاً، الوعي بضرورة التحايل حتى وقت الصحو، وبكل تنكر ممكن، على ذلك ‘البواب المتعَب’ على حد تعبير فرويد، أي ذلك الوعي الذي حين ينام تكون الأحلام، غريبة وصاخبة، وتكون فيها شخوصٌ وأحداث ليست ببلهاء ولا تثير الضجر والنعاس. هو استدراج مقصود من الوعي للاوعي كي تبدأ بينهما رقصة الأفعى على صوت الناي، ويتبادلا الأدوار. لا أفهم كيف يفهم ‘العارفون’ دوراً آخر لناي الفكر وناي الفن: ‘أعطني الناي وغن/ وانسَ ما قلتُ وقلتا… إنما النطقُ هباءٌ/ فأفدِني ما فعلتا’. الناي ينيم البواب، لتضج الروح بالغناء، الروح التي تعرف أن الغاب أجمل منزل من كل القصور التي تفقد فيها الأفكار روحها بعيداً عن انسياب السواقي وخدش الصخور، كما تعرف أن الخمر، كفجر جبران، ألذ حين يشرب في ‘كؤوس من أثير’، خاصة بعد أن يكون العارف قد استعذب دماً سال من نفسه حين كسر عليها زجاج كؤوس كان قد عبأ بها أفكاره وأحاسيسه وأناه بكل رتابة وترتيب، واستلذ بكل ما كان بعد الكسر من أنين. الأنين الذي يبقى… يبقى لأن الفن والمعرفة تلعبان أبداً بالغايات والأحلام وتزيدانها وهماً على وهم… أوهام ‘بعضها فوق بعض’: الأنين هو صوت الحنين.
هم هكذا البلهاء، لا يبحثون عن الغناء، عن تلك الحال التي قد يدفع إليها شكل متغير من الأفكار، وإحساس عميق عند العارف بسر الوجود: وهو التطرف، لا أكثر، في الفكر وفي الحياة، في الحرمان وفي الإذعان، في القوة وفي الضعف. هي حال مشابهة لتلك التي رآها كيركيغارد في ‘قمة’ المرحلة الجمالية عنده: أن يكون لدى الإنسان من ‘التواضع’ و’الشجاعة’ ليدع نفسه تتحول؛ أن يشعر بنفسه حاضراً كشخصية في دراما ما تزال الآلهة تكتبها، ويشعر بنفسه وهو يخلقها ويتركها تُخلق بأعمق معاني ذلك، وكأنه صاحبها فلا يحتاج لمن يذكره بدوره وسطوره. وفي اللحظة التي يشعر بنفسه وهي تُخلق ‘تكون لديه أذن ‘شهوانية’ تلتقط كل صوت’. صوت فيروز، والكؤوس المكسرة، وطبول السيرك، وضجيج الكرنفال، وآهات العاهرات، وكل الأفكار والاستعارات التي يفترض أن لصوتها صدىً يُسمع ويُرى ويُشم ويُمس ويُجس في جسد من يفكر حقاً، حقاً. أين الصدى في جسد أبله مضجر، لا ترتجف يداه ولا تزل قدماه ولا يقشعر بدنه ولا يتلون جلده ولا تتغير حرارته ألف مرة في اليوم. كيف لا يكاد يقتلهم كل ما يخزنون من أفكار. هم ‘كمن أتى إلى الحياة موظفاً’ على حد تعبير الشاعر نواف رضوان. الأزمة أن هناك من يعرف الكثير مثلاً عما قبل الحداثة إلى ما بعد بعدها وعن التاريخ الفلسفي والفني لمفهوم الذات، لكنه يبقى يفكر ويتحرك بعقلية موظف؛ عقلية تكون فيها أكثر الأفكار جنوناً وإغراء مرتبة كما على رف في محل في مول. للموظف غالباً دور واحد رتيب، وجسد تغلفه بذلة مرتبة، بدل أن تغلفه روحٌ كسرت كل حد بينها وبين الجسد فكانت فيه ومنه وعليه إذ جرتها سواقي الفكر إلى حيث تريد كل حروف الجر. جرته إلى أن يُخرج الاستعارة المرتبة داخل السوق التجاري من كل رتابة ميتافيزيقية وتاريخية ولغوية: ‘الجواب الجيد هو كالقبلة اللذيذة’ كما عند كيركيغارد، فيغتال الكاف الرقيبة على طرفي التشبيه ليأخذ الناي واحد، ويغني الآخر، عل الحياة تأتي كما تأتي حين تبدأ فيروز، من أعلى حدود صوتها بالغناء: ‘أعطني..’ تلك لحظة يعود فيها أي فجر، كل فجر، خمراً مصفى من كل بلاهة وضجر. سببهما مرة أخرى، عند أصحاب الثقافة، خلل في مجاز المكان: مكان الأفكار الذي لم يستبدل بالمولات كل ما ورد وما لم يرد في هذا المقال من استعارات.

‘ كاتبة اردنية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية