من أجل أن يكون الإسلام فعلاً هو الحل

حجم الخط
2

الدين الإسلامي نعمة ربانية وهبها الخالق سبحانه وتعالى للبشر عامة والمؤمنين خاصة. متعة العيش في رحاب هذا الدين لا يتذوقها حقاً سوى من يدرك كافة تعاليمه بروح عالية من الالتزام والتسامح، رحابة الصدر ومقدرة عالية على الاستيعاب والإفصاح، فكراً، قولاً وسلوكاً. فقط يستطيع اكتشاف رونق الإسلام كل من يتعمق فيه بروحانية صافية بعيدة عن التصلب الفكري والعملي. كذلك من خلال امتلاك نظرة متكاملة عن محتوياته ومعرفة شبه تامة بكافة الأبعاد التي تقف خلف كل مبدأ من مبادئه. فعلاً، الناظر لهذا الدين من زوايا ومرجعيات متعددة وبأفق بعيد المدى هو الوحيد القادر على اكتشاف بهاء هذا الدين وما يحتوي بين ثناياه من قوة تأثير، تجديد وتنظيم. هذا النوع من البشر هو القادر كذلك على عكس الصورة الحقيقية والقوة الفعلية الكامنة خلف هذا الدين. اعطاء صورة متناسقة ومتحضرة يمكن أن تجذب وبشدة كل من لا يمت له بصلة أو ينتابه الشك أو شيء من التشويهه واللغط.
حالياً هنالك مجموعات وأشخاص لا تعكس حيوية الإسلام. تتصرف عكس روح الدين وتعتقد بأنها تصنع خيراً، لكنها في الواقع تسيئ له، من خلال اساليبها اللامنطقية وأحياناً الهمجية. هذا الدين يمكن أن ينقل بشكل أفضل بكثير مما هو عليه الآن، خاصة أنه يعبر عن أسمى معاني الرقي والخلاص. المشكلة تكمن فى أن بعض من يرمز لهذا الدين ليس على قدر المستوى، فبدل أن يعكسوا صورة إيجابية متكاملة فانهم يقدمون أنماط سلبية لا تمت له بصلة. وكثير ممن تقع على عاتقهم مسؤولية الدفاع عنه لا يجيدون فن الابداع والإخراج بأسلوب بلاغي حديث وجاذب. من وجهه نظر اجتماعية، أخلاقية، ثقافية، سياسية، اقتصادية وحضارية، فحوي هذا الدين يصلح لأن يكون مرجعية لأي مجتمع يريد الصلاح فى الدنيا قبل الآخرة. كل ما ينقصه هو عملية صياغة وعرض عملي لتعاليمه ضمن منظومة متكاملة ودقيقة. القيام بهذه المهمة يمكن أن تكون أحد العناصر الفاصلة فى علاقة الإسلام بالمسلمين أنفسهم وبغيرهم من أصحاب الديانات والعقائد الاخرى.
بالنسبة للمجتمعات العربية – الإسلامية، وجود هذا الدين أمر في غاية الضرورة، خاصة أن مفكريه لم يتمكنوا حتى الآن من صياغة مثل هذه المنظومة، الهادفة لترتيب مختلف جوانب الحياة والعلاقات داخل إطارها. فعلاً، لولا تعاليم الإسلام لكان وضع هذه المجتمعات أسوأ بكثير مما كانت عليه سابقاً والآن، وذلك بحكم عدم وجود بديل يوازيه ويقوم بدور مشابه له. بدل وضع هذه المنظومة كثيراً منهم اكتفوا فقط بنقل وشرح ما قدم لهم هذا الدين، لأن ذلك هو الأسهل. فعلوا ما فعلوا من منطلق عقائدي بحت بدون التعمق فى أساليب التطبيق الفعلية. أحياناً تصرفوا بهذا الشكل تجنباً للصعوبات والوقوع في الخطأ آو الخطيئة، أو لعدم المامهم بآليات التطوير التي يمكن أن تساهم بشكل ما في تشكيل منظومة حياة دينية – إنسانية. عكس ذلك حدث داخل المجتمعات الاخرى. فقد توافقت كوادرها الفكرية على وضع منظومة ايديولوجية متكاملة تنظم كافة جوانب الحياة والعلاقات المتبادلة بين اعضائها. نقصد بالتحديد المنظومة الليبرالية، الرأسمالية، الشيوعية والاشتراكية. رغم كل ما يمكن أن يوجه لها من انتقادات، ما لا يمكن انكاره هو أنها تمكنت من تثبيت أواصر العلاقة، التقدم والسلم البيني. ورغم كل ما يشاع، الا ان كل واحدة منها تحمل في طياتها نفحات دينية، مسيحية كانت أم يهودية.
ما شابه ذلك لم يحدث داخل المجتمعات العربية – الإسلامية. فرغم كل ما يبرز من قيم، مبادئ وتعاليم إسلامية، فما زال كثير من أتباعه يعيشون دينهم حسب عموميات متناغمة ومتناسقة حيناً ومتباينة ومتناقضة حيناً آخر. ذلك ناتج عن عدم مقدرة معظم منظري الفكر الإسلامي، بكافة توجهاتهم، من بلورة أطر وقوانين محددة لهذا الدين، خاصة المتعلقة بمسار الحياة اليومية، ليتمكن الجميع من العمل على اساسها وتطبيقها بشكل ملموس. كثير ممن مارسوا مهنة التنظير فضلوا تكريس الوقت لتشخيص السلبيات وانتقادها، بدون أن يفعلوا الكثير من أجل تقديم الحلول العملية لها. أكتفوا بالقول، بملء الفم، ان الإسلام هو الحل، وتجنبوا الخوض فى وضع دينامكية تجعل من القول فعلا. هنالك من يعرفون جيداً تعاليم الإسلام لكن القليل هم القادرون على تقديم أنجع الطرق لتجسيدها بأسلوب معين. وهنالك من يتمسك بالشكليات ويعتقد أنه بهذه الطريقة يمثل ويعبر هو وليس غيره عن عمق ومثالية الإسلام. اختزال الدين من قبل هؤلاء يشكل واحدة من المشاكل التي تواجه الإسلام، لقناعتهم بأنهم خير من يمثل ما أوحى به الله في مختلف مجالات الحياة.
دائماً نسمع شعار الإسلام هو الحل وأنه دين صالح لكل زمان ومكان. فحوى هذه الشعار بليغ، لكن تكراره غير كاف في حد ذاته لتنشيط مجتمع وحل كافة مشاكله. من المنطقي أن يكون هذا القول مرفقا بنظرية متكاملة وتطبيق واقعي لشتي مبادئه، ابتداء بالمجال الثقافي، الأدبي، الأخلاقي، وانتهاء بالمجال الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي. اطلاق الشعارات العامة والرنانة أمر في غاية السهولة. الصعوبة تبدو جلية اثناء التعامل والتنفيذ. هنا تكتشف الصعوبات القائمة أو التي يمكن أن تبرز خلال مرحلة معينة. لذا، من المفترض دائماً أن يكون هنالك انسجام تام بين القول والفعل. من الخطأ الاعتقاد بأن سرد السيرة وما وقع من حكايات وأفعال في الماضي كافية لتنظيم وإدارة مجتمع ما. مثل هذا الاعتقاد أقرب للخيال القصصي منه إلى الواقع. كثير من أبناء هذه الأمة يعرفون مزايا الإسلام وتاريخه، لكن ذلك لم يغير أو يحسن في الأوضاع شيئا، لأنه ليس هنالك تجسيد عملي لما يعرف على أرض الواقع، ولغياب كذلك الدينامكية الفاعله والملزمة. على قاعدة قول هذا الشيء حرام وهذا حلال، هذا يحق وهذا لا يحق، هذا يصلح وهذا لا يصلح، لا تبنى ولا تدار ولا ترقى مجتمعات.
هنالك خلل فى فهم قيمة ومردود السرد، لو كان هذا كافيا لتمكنت المجتمعات العربية – الإسلامية من تحسين وتطوير نظم حياتها على اساس كل من نقل عن خيرة السلف الصالح. تنظيم حياة مجتمع معين يتطلب أكثر من مجرد تكرار الروايات بشكل ما، خاصة حين نتكلم عن مجتمعات وصلت لمرحلة عالية من التعقيد والانفتاح على شعوب ذات قيم، عادات وتقاليد مختلفة. كما ومن المستحيل التعامل معها كما وكأنها، أو يجب أن تكون، صورة طبق الأصل للسابقة، بالتحديد للفترة النبوية الشريفة وما تلاها. نظرة مبسطة للمجتمعات التى أتت فور هذه الفترة تسمح بملاحظة اختلاف شبه جذري بين كليهما، بل حتى أن كثيراً مما حدث خلال الحقب المتتالية لا يمت لها ولهذا الدين بكثير من الصلة، وذلك رغم اقتراب المدة الزمنية. التعامل مع تعاليم الإسلام بواقعية حادة بعيدة عن المبالغة والمثالية الزائدة سيساهم في فهم وتطبيق أنسب لهذا الدين، خاصة في المجتمعات القائمة حالياً.
تحويل تعاليم، سلوك، مبادئ وقيم الدين الإسلامي لمنظومة متكاملة عملية ليست بالهينة، لكنها ممكنة وستساهم في تحديث المجتمعات العربية -الإسلامية على أسس دينية عملية وعقلانية. مثل هذا الفعل، الذي يجب أن تشارك فيه مختلف القوى المؤثرة، سيجعل من الإسلام حلاً فعلياً لا قولاً نظرياً. حالياً هنالك امكانيات ومؤسسات متعددة يمكنها أن تفعل الكثير في هذا الاتجاه. بمعنى يمكنها تقديم هذا الدين بطريقة وحسب مفاهيم منطقية وحديثة، بدون أن تقع في تناقض مع محتوى رسالته الخالدة، في بعدها العقائدي والوجودي. بهذا يمكنها تحييد أي حالة انفصام يمكن أن تحدث بين الفكر والواقع. هذا الفعل لن يفقد الإسلام رونقه، بالعكس، سوف يمده بالزخم الذي فقد بعضاً منه نتيجة تحجر، تصلب وتعصب الكثير من التابعين والقائمين عليه. تعاليم هذا الدين ليس أحادية التفسير والاتجاه، خاصة تلك المتعلقة بأمور الدنيا، وإذا وضع في الاعتبار أن الإسلام هو الحل الدائم، فمن المنطقي كذلك ان يوضع في الحسبان أن لكل زمان مشاكله وأن هذه تتطلب حلولا معينة تختلف باختلاف أسبابها، أبعادها ونتائجها.
كاتب فلسطيني – إسبانيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية