‘في البيت الأبيض توجد قاعة سينما صغيرة، تقع تحت تصرف الرئيس وأبناء عائلته. أحد الأفلام التي يكثر الرؤساء على مشاهدتها هو الفيلم الغربي الكلاسيكي ‘في وضح النهار’، بطولة غاري كوبر. مجرم وعصابته يهددان حياة بلدة كاملة. يحاول الشريف تجنيد السكان في حرب. يتملصون، خوفا على حياتهم، ويتطلعون الى حل وسط مع رئيس العصابة. فيقرر مقاتلة الاشرار وحده فيقتلهم واحدا واحدا، مع بعض المساعدة من زوجتهكارهة الحروب، غريس كيلي. انتج الفيلم في 1952، حين كانت امريكا تدير حربا ضروس في كوريا. وكانت اخلاقياته عقلانيته بسيطة. ويرتبط جيدا بالتراث الامريكي: مع الشر لا مساومة، والشر يباد. وحتى عندما يكون احتمال النصر طفيفا، وحتى حين يكون الشارع يفكر بطريقة مختلفة. فان البطل الأمريكي لا يهرب أبدا. باراك اوباما ليس غاري كوبر، وأمريكا 2013 ليست امريكا 1952. وقد اضطر اوباما مؤخرا الى أن يعقد في البيت الابيض مؤتمرا صحفيا محرجا اعترف فيه بفشل تطبيق خطة التأمين الصحي، التي كانت درة تاج رئاسته. وجعل الفشل اوباما رئيسا نازفا. واذا لم تحدث له معجزة، فان حزبه وهو سيتعرضان لضربة في الانتخابات المرحلية في تشرين الثاني. وينزلق الضغط الداخلي الى الخارج. هبوط مكانة الولايات المتحدة في العالم وفي الشرق الاوسط بشكل خاص واضح منذ الان. السعودية تنتقل الى رعاية فرنسية. وترى في اوباما عدوا وجوديا يكاد يكون عميلا ايرانيا. مصر تبحث عن اصدقاء في روسيا؛ وفي المحادثات مع ايران وزير الخارجية الفرنسي هو العنصر المقاتل، المؤثر، وليس وزير الخارجية الامريكي. فقد ذهل الفرنسيون عندما تراجع اوباما في اللحظة الاخيرة عن قرار مهاجمة سوريا. وهم غير مستعدين لان يتبنوا سياسته الواهنة تجاه ايران. ‘المشكلة لا تتلخص في رئيس واحد، او في مشروع واحد. فالسياسة الامريكية مريضة، الاقتصاد الامريكي لم يعد يستطيع تجسيد الاحلام التي حققها في الماضي، والمجتمع الامريكي يجد صعوبة في التكيف مع الواقع الجديد. يوبيل من السنين والمؤرخون يتحدثون عن هبوط أمريكا ويخيب ظنهم. يحتمل الا يكونوا اخطأوا بل ان سبقوا اوانهم فقط. ‘على هذه الخلفية لا حاجة الى الفزع حين يدخل رئيس وزراء اسرائيل في مواجهة علنية مع ادارة اوباما في موضوع ايران. صحيح، بيبي خاصتنا هو الاخر ليس غاري كوبر، وخسارة أنه يكثر جدا، حتى التعب، من نفخ صدر ليس له. ولكن طالما كان رئيس وزراء اسرائيل يكافح في سبيل ما يعتبر مصلحة امنية اسرائيلية لا ينبغي ان يلحق به في الولايات المتحدة أي ضرر. لقد ألقى اريئيل شارون خطاب ميونخ خاصته في البيت الابيض. خطاب ألمح فيه، دون أساس حقيقي، بان الرئيس بوش يترك اسرائيل لمصيرها امام اعدائها، ولم يقع ضرر باسرائيل؛ لا يوجد ما يدعو الى أن يقع بها ضرر فقط لان رئيس وزرائها يكافح في سبيل سياسة اكثر حزما في المحادثات مع ايران. اذا كان نتنياهو يؤمن بانه في خطاباته سيتسبب بعملية عسكرية في ايران فانه يعيش في فيلم. فحتى لو كان لاسرائيل قدرة وهو أمر مشكوك فيه فليس لها خيار عسكري طالما تكون المفاوضات جارية. اما بالنسبة للامريكيين فليست لهم مصلحة في تفجير المفاوضات، وهم لا يريدون العمل عسكريا. ‘حسن أن يتحقق اتفاق: فهو افضل من استمرار تطوير النووي. اسرائيل ليست السعودية، التي خصوبتها مع ايران تحيط العالم بأسره حروب دينية للسنة ضد الشيعة، تطوير حقول نفط، منافسة على مناطق نفوذ في الخليج الفارسي، بقاء الحكم في الدولتين. اما لاسرائيل فليس هناك سوى مصلحة واحدة، ولا غير لها: النووي. ولهذا فيمكن الترحيب بحذر بمؤشرات الابطاء في تقدم المشروع كما اشير اليه في تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. قد تكون هذه مجرد مناورة. وقد تكون لا. المهم هو مضمون الاتفاق. ثمة معنى لا بأس به لاتفاق مؤقت، يفترض أن يجمد قسما من النشاط مقابل تخفيف في قسم من العقوبات، وللاتفاق النهائي. لا داعي لان نوهم أنفسنا. فالايرانيون لن يفجروا اجهزة الطرد المركزي التي اشتروها بالمليارات، ولن يدفنوا المفاعلات ولن يفككوا الصواريخ. فالاستثمار الايراني الهائل في المشروع لن يحترق. ولكن طالما أبعدت الاتفاقات ايران عن القدرة العسكرية النووية فليس هناك ما هو افضل. ‘الصحافة الليبرالية للشاطيء الشرقي، صحف مثل ‘نيويورك تايمز’ و ‘واشنطن بوست’ هاجمت هذا الاسبوع نتنياهو في الموضوع الايراني. هذا ليس لطيفا، ولكنه بعيد عن أن يكون فظيعا. الاغلبية في الرأي العام الامريكي لا تتأثر: فإما انها ليس لها أي اهتمام في هذه اللحظة بالنووي الايراني، او ان رأيها كرأي نتنياهو. واوباما هو الاخر لا حاجة لان يتأثر: فله مشاكل اكثر ازعاجا. المشكلة هي ان نتنياهو لا ينجح في التركيز على مواجهة واحدة. كل اعلان له ولوزرائه عن البناء في المناطق يخرب على قدرته في اقناع زعماء اجانب لابداء تصلب تجاه ايران. قبل اسبوعين، حين حرر سجناء، فزع من رد فعل اليمين واعلن عن بناء في المناطق؛ وهذا الاسبوع، عندما ازعجته المحادثات مع ايران أكثر، اخرج مسرحية حديث توبيخ لوزير الاسكان. فمنح اوري اريئيل، السياسي الاكثر تطرفا في الكنيست، وزارة الاسكان هو منح للذئب لافتراس ليلى الحمراء، منح للقط لحراسة القشطة. كان يمكن لاريئيل ان يكون وزير صحة لا بأس به، ربما وزير رياضية او وزير للنقب والجليل. ولكن الاسكان؟ رئيس الوزراء الذي عينه لا يمكن له أن يلوم أحدا غير نفسه. ‘الصورة الاخيرة في فيلم ‘وضح النهار’ لا تنسى. فبعد لحظة من قتل الشريف ويل كاين (غاري كوبر) آخر المجرمين يخرج سكان البلدة بجموعهم من بيوتهم، ويجتمعون به. أحد لا ينبس ببنت شفة. الشريف يلقي الى الارض بالنجمة التي كانت على قميصه، يأخذ زوجته ويصعد الى العربة التي تأخذهما الى الافق. لا توجد موعظة اخلاقية. لا توجد كلمات وداع. فقد أنقذ البلدة، رغم جبنها، رغم ازدواجية اخلاقها. والان يمكنه أن يغادر. الكلمات الاخيرة، وهي وحدها، يتبناها اوباما بقوة.