بعيداً عن التقليل والتهميش لما جدّ واستجدّ كون الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد مات مسموماً ومقتولاً، فمسيرة نصف قرن من محطات النضال، ومروراً بمراحل التفاوض ومن ثم ضغوط الإملاءات وأجواء الحصار والعزلة، قد تنتهي بجريمة بشعة رآها الفلسطينيون انتقاصا فظاً من قضيتهم، بينما قد رآها المجرمون موتاً رحيماً لعوامل الشيخوخة والتصلّب والانسداد السياسي، وقريباً من دلائل المؤامرة وقرائنها لما ثبت علمياً و مخبرياً كون إسرائيل هي المشتبه به الأول بحقن الرئيس الراحل بالمواد المشعّة، فليس غريباً على كيانٍ فاض سجلّه الحافل بالجرائم الفردية والجماعية، ابتداءً من اغتصاب الأرض وتزييف الواقع إلى تصفية الخصوم وقتل الواقع الفلسطيني روحاً وجسداً، ستبقى حقيقة أن أعداء القضية الفلسطينية وحتى بما بقي منهم هم كُثر، وأن المتآمرين بما بقي منهم هم أكثر وأكثر . ما أسهل أن تصف القيادات والنخب الفلسطينية ما جرى بالجريمة الحقيقة والاغتيال السياسي، مثلما طالما سَهُل عليها استنكار الاحتلال وشجب الاستيطان ونعت الجدار العنصري الفاصل بأقصى النعوت والمسميات، وما أبسط لرعاة الشأن الفلسطيني أن يحملوا على أكتافهم المائلة ملف التحقيق إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغبة في الحصول على إدانة دوليّة، إدانة إن رأت النور فلن تُضيف لإسرائيل ما يؤلمها أو يؤرّقها، وإن لم تحصل فسيجد الملف لنفسه مكاناً مغبّراً بين ملفات العجز والانكفاء الفلسطيني، في مكتبة أبحرت الأوراق فيها فوق الدماء، وغطّت فيها الأحبارُ الترابَ والأحجار، أما التأكيد والتخصيص بأن إسرائيل هي وحدها المسؤولة عن كل ما جرى ويجري وما قد يستجد، بما في ذلك تعثّر المصالحة الداخلية الفلسطينية، وتشتّت الرأي والتراب الفلسطيني، وانتشار الفساد والبيروقراطية في مؤسسات السلطة، كل ذلك قد أصبح لسان حال الصوت الفلسطيني المسؤول، وعنوان الاعلام الفلسطيني المكرّر بعد عقود طويلة من القهر والظلم والاستكبار، لم تألف لها الشعوب مثيلاً. رحل الرئيس عرفات وفلسطين من قبله ومن بعده مقتولة ومسمومة، رحل ودوائر وحلقات السلطة الفلسطينية متصلّبة وعاجزة، وقد تكون من أصدرت حكم إعدامه جهة واحدة، لكن بطانته ومحيطه الأمني والسياسي مقصّرون ما لم يكونوا مدانين، وحاضنته الشعبية قد تعبت وما تراجعت عن حلم التحرر والخلاص، أمّا المحيط العربي فحدّث ولا حرج، فالقدس قد أصبحت شبه غربيّة، والتفاوض الفلسطيني قد غدا جسدا هامدا بلا مستقبل، ومقاطعة ياسر عرفات قد كانت سجنه وعتمته، لتصبح قبره وذكراه، بينما هم صامتون إلا من الترحّم على روحه وربما روح فلسطين، وبعد كل ذلك سترقد رفات عرفات بسلامٍ بينما قضية شعبه تنتظر من يفتح قبرها، وتبقى القدس ترقب من يطهّرها، وعلى جبال نابلس تبكي مغارة الهمّاش ثائرها، وتقول للدنيا أن . م. زيـد عيسى العتوم