ما من شك، برغم الجدل القائم، بأن المجلس التأسيسي هو المؤسسة الوحيدة الأصلية والشرعية في البلاد، ولن يكون مثلها في الوصف الا اذا قامت انتخابات وفقا للمعايير الدولية، وما من شك ايضا بأن هذه المؤسسة قد تم تعطيلها من داخلها وخارجها، فأصبحت في حكم المريض العاجز، الذي تستغيث أعضاؤه وما من مجيب. والسؤال الذي بات لا يفارق الكثير الذين يلتزمون الخيار الثوري هو، هل مازال لهذا المجلس من فرص واقعية لكي يسترد شرعيته المغتصبة، وكيف؟ وقطعا فالإمكانية لا تزال واردة من خلال ثلاثة مسارات مضنية. تتنزل هذه المسارات في كون هذا المجلس قد تم الاستيلاء عليه وتعطيله، والشواهد على ذلك كثيرة. فرئاسته مرتهنة لأطراف من خارج المجلس وقد كانت اليد التي فرضت تعطيل المجلس لأشهر بدون موجب حق، وأعضاؤه، منهم من هو متغيب منذ انشاء المجلس ومنهم من انقطع منذ قرابة اربعة اشهر، ومنهم من يخطط لمواصلة الغياب، ويرفع راية العصيان في وجه تنقيح الفصل 126، الذي يقتطع من منح المتغيبين. وهاهو الحوار الوطني يعمل على تكييف وضع المجلس على حسب قراراته اي الحوار، ليصبح مجرد مؤسسة تابعة، مما دفع بمجموعة من النواب الى رفع ‘استغاثة ثورية’، تدعوا الى تكوين كتلة جديدة تحت مسمى ‘كتلة السيادة للشعب’، بكل ما تحمله هذه التسمية من معنى، فالسيادة قد تحولت الى اطراف أخرى غير اولئك الذين انتخبهم الشعب. ومن هنا يأتي المسار الأول. وينبني هذا المسار على فكرة كسر الارتباط بين أغلبية، من النواب، أي خمسون زائد واحد، بكل من هم في الحوار، بحيث يكونون في حل من كل قرار تتخذه طاولة الحوار الوطني، أو كما اصطلح على تسميتها طاولة الصفقات السياسية، التي تخدم احزابا ولا وطنا. ومن شأن هذا الخيار ان يعيد الأزمة الى داخل المجلس التأسيسي، ثم الدعوة الى اجتماع عام حسب الفصل 36 المنقح، والدعوة الى سحب الثقة من الرئيس، ولما لا تغييره. والمسار الثاني، وهو متلازم مع الأول، ان تخرج القوى الثورية وتملأ الساحات، والمقصود بالقوى الثورية، تلك التي ترفض عودة النظام السابق من اي باب أو زاوية، وفي نفس الوقت تؤمن بالشرعية والمرور الى الحكم عبر صناديق الاقتراع ولا غير. لا بد أن يعود الحراك الثوري في كل الجهات، طبعا بطرق سلمية، يملأ الساحات، يعلن عدم اعترافه بالنواب الذي اخضعوا المجلس لأطراف خارجية، وحتى لجهات أجنبية. وأما المسار الثالث، فهو أن ‘تسترجل’ هذه الحكومة، وتعلن بأنها باقية الى أن تسلم الحكم الى حكومة أخرى منتخبة، وأن تلتزم بتوفير كل الظروف لأجراء انتخابات حرة نزيهة تحت اشراف وطني ودولي، وان تعمل على كونها حكومة ‘تسيير أعمال’ الى غاية اجراء الانتخابات القادمة، في موعد يحدده نواب التأسيسي، ولا يفوق ستة اشهر قادمة. ومثلما قال الراحل جمال عبد الناصر، ما افتك بالقوة لا يستعاد الا بالقوة، فان المسارات الثلاثة تحتاج الى نواب اقوياء، وثوريين اقوياء مؤمنين بقضيتهم، وحكومة قوية تنتصر للشعب الذي اختارها، وقد تبدو هذه المسارات ضيقة الأفق، ولكنها لو يبتدئ فتيلها بصوت عال في المجلس التأسيسي فسيلحق بها الثوار في كل مكان. وحينما تغيب هذه القوة، فسيعود اليكم المخلوع الذي سمحتم له بالعودة بضعفكم وتهاونكم وغبائكم السياسي.