جمود الوضع الفلسطيني الحالي الى اين؟

حجم الخط
0

مع تواصل الجولات الكثيرة لوزير الخارجية الامريكي وغيره من المسؤولين الدوليين، ومع تواصل المفاوضات ودورانها في حلقة مفرغة، حسبما تتناقله الانباء، ومع تواصل وتصاعد الاستيطان وفي كل مكان، لا يختلف الكثير من الناس على ان الوضع الفلسطيني الحالي، سواء على صعيد المسار التفاوضي او حتى على صعيد عدم تحقيق المصالحة وانهاء الانقسام، وبالتالي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وما يتبعهما، هو على الاقل ليس بالوضع الايجابي للمواطن وحتى للمسؤول الفلسطيني.
وهذا الجمود تعززه الاوضاع العربية والدولية الراهنة، من حيث التفتت والتشتت والتدهور المتواصل في المجتمعات العربية، وبالتالي الانشغال او اعطاء الاولوية للقضايا المحلية والداخلية. وعلى الصعيد الدولي من حيث الاهتمام بالقضايا الاقتصـــادية الدولية، وقضايا التجسس الامريكي في اوروبا وامريكا الجنوبية، والاهتمام بتأثير التغيرات المناخية الذي بدأت اثاره تظهرعلى شكل عواصف وفيضانات في اوروبا وغيرها، وحتى يمكن القول ان هذا ينطبق على صعيد الامم المتحدة من حيث الاهتمام او اعطاء الاولوية للصراعات الحديثة او المستعرة، سواء اكانت في سورية او غيرها، على حساب القضايا القديمة المزمنة ومنها القضية الفلسطينية.
ولهذا الجمود المتواصل انعكاسات تمتد لتشمل الجوانب الاخرى، التي هي في المحصلة يمكن ان تؤثر على الناس وعلى المواطن وحياته، ان لم يكن انيا في الوقت الحاضر، فربما بعد فترة. ففي الجانب الاقتصادي مثلا، هناك الكثير من الناس الذين ينتظرون ما ستؤول اليه الامور السياسية، او بالاحرى مدى تأثير هذا الجمود على الاستقرار، الذي هو بالاضافة الى انه هدف بحد ذاته للعديد من المانحين، سواء اكانوا دولا او مؤسسات، فان الاستقرار كذلك من اهم العوامل المساعدة او المحفزة للافراد لاستثمار الاموال لدفع عجلة الاقتصاد الفلسطيني. وفي ظل غياب افق او بادرة للانفراج، فان انعكاس الجمود السياسي على الاقتصاد والاستثمار والتنمية والانتاج سوف يستمر، وبالتالي البطالة والفقر وغياب الاستدامة في اي نمو اقتصادي سوف يترسخ، وسوف يستمر هذا الوضع حتى يقتنع المانحون ان ضخ اموال دافعي الضرائب في بلادهم سوف يساهم في ترسيخ او تحقيق الاستقرار، وحتى يقتنع كذلك المستثمرون، سواء اكانوا فلسطينيين او غيرهم، ان هناك استقرارا لتحقيق عائد او ربح على استثمار اموالهم.
واذا كان الجمود السياسي في اي وضع، وهنا في وضعنا الفلسطيني، يؤدي الى جمود تنموي او استثماري، فان انعكاسات ذلك على الجانب الاجتماعي لا تحتاج الى الكثير من الشرح، سواء على صعيد البطالة، وهي تتجاوز العشرين بالمئة، او على صعيد نسبة الفقر وتداعياته، وهي نسبة تصل الى اكثر من ربع الفلسطينيين، او حتى على صعيد العلاقات الاجتماعية، حيث تدل الارقام الى ان هناك ارتفاعا مطردا في العزوف عن الزواج، وفي حالات الطلاق وما الى ذلك من علاقة بالاوضاع الاقتصادية، وبالتالي الاوضاع السياسية الحالية، من جمود وانتظار وغياب التفاؤل بتغيير الجمود الحالي، على الاقل في المدى المنظور.
وبالاضافة الى الجمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فان هناك نوعا من الجمود يمكن ملاحظته، على صعيد المبادرة او على صعيد البحث والتطوير والابداع، وهذا ينطبق على صعيد التعليم العام، حتى بات الهدف الاساسي، في ظل الاضرابات الجزئية والشاملة، او حتى في ظل التهديد بها، العــــمل على توفير الرواتب او الميزانيات الاساسية المطلوبة او المحافظة على الوضع الحالي، ومن دون تطــــوير نوعي او كمي، سواء للمدارس او للمعلمين وبالتالي للطلاب.
وعلى صعيد التعليم العالي، سواء اكان هذا التعليم يتبع او لا يتـــــبع الحكومة، ولا تكاد تخبو ازمة لهذه الجامعة او تلك حتى تظهر ازمات اخرى، وجميعها مرتبطة بشكل او بأخر بالازمة المالية، التي تعود وبشكل ما الى الجمود الاقتصادي الذي يرتبط بالسياسي وما الى ذلك، وبالتالي تسخر الجامعات الفلسطينية جزءا كبيرا من اوقاتها وطاقاتها لتوفير الالتزامات الحالية، اي المحافظة على الوضع الحالي بعيدا عن التطور والتقدم.
وهذا ينطبق كذلك على المسار الصحي من حيث النوعية او الكمية، وامثلة نقص الادوية وارتفاع اسعارها، وغياب الاجهزة وضعف نوعية الطواقم، وحتى عدم اقرار نظام التأمين الصحي، كل هذه الامور مرتبطة بشكل او بآخر بالجمود الاقتصادي الذي هو مرتبط بالجمود السياسي وتداعياته، الذي ادى ويؤدي الى جمود في ثقافة وروح المبادرة والتطوير والتطور، وما ينطبق على التعليم والصحة ينطبق على الزراعة والصناعة، وحتى على علاقات العمل والانتاج وعلى الحدود والمعابر والاستيراد والاسعار، وعلى سلامة الغذاء والدواء، وعلى الكميات الكبيرة من الاغذية الفاسدة التي يتم اكتشافها ومصادرتها بشكل شبه يومي، وبالتالي على المواطن او على المستهلك الفلسطيني نفسه.
ويبدو ان عملية الانتظار التي نعيشها منذ فترة وما زلنا نعيشها في الوقت الحالي سوف تستمر على الاقل في المدى القصير، ولا يبدو ان هناك في الافق اي تغيير سريع للخروج منها، فهناك انتظار لما سوف تؤول اليه المفاوضات مع نهاية مدة الاشهر التسعة المحددة لها، وهناك الحكومة الاسرائيلية وبتركيبتها اليمينية الحالية، التي من الواضح انها تسد اي افق للتغييرن وبالتالي تعمل على ابقاء الجمود الحالي. وهناك الازمات الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية التي تعصف باوروبا ودول اخرى في العالم، وهناك الاهتمام العالمي في بؤر ساخنة جديدة، والتغيرات في خريطة العلاقات الاقليمية، والتسابق على الحفاظ على المصالح في سورية ومصر وليبيا ومالي وغيرها، وهناك انتظار ما سوف يحدث في هذا البلد العربي او ذاك من ثورات جديدة او انعكاسات او افرازات جديدة لانتخابات او تغييرات.
وفي ظل كل هذه الاوضاع، التي يبدو انها ليست في صالحنا، على الاقل في المدى القصير، يبقى الجمود والترقب والانتظار عند المواطن الفلسطيني، وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة وغير متوقعة، سواء بالمنحى الايجابي او السلبي.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية