‘القاعدة’ و’بناتها’!؟

حجم الخط
1

أثارت قرارات أيمن الظواهري الأخيرة، بخصوص إلغاء توحيد إمارة العراق وإمارة الشام، واعتبار جبهة النصرة فرعاً للقاعدة في سورية ( إضافة لتعيين بعض الأمراء ومدة التعيين وإقصاء البعض) الكثير من التساؤلات. فلماذا هذا التأخير في اتخاذ تلك القرارات؟ وما التداعيات المتوقعة بعد القرارات على الوضع في سورية وعلى القاعدة نفسها؟ وهل تؤشر تلك القرارات إلى توقعات غير عادية قادمة في المنطقة؟
أعلنت جبهة النصرة مبايعة القاعدة، في نيسان الماضي رغم أن القاعدة ليست تنظيماً مركزياً، فقد اعتبر بمثابة الإنتساب للأصل أقوى منه للفرع (إمارة العراق)، ولكن التأخير (عادة تتأخر القاعدة في إعلان خطواتها لأسباب كثيرة) له علاقة بتشابكات الأزمة السورية وتعدد المجموعات الإسلامية وحسابات القاعدة نفسها. ففي حالة وجود جبهة النصرة تمثل الشام، ومنفصلة عن جبهات خارج الشام (إمارة العراق)، يعطي شرعية وطنية أكثر للنصرة (على الأرض السورية )، بما فيه العمل في الحلبة السياسية، بما في ذلك إمكانية المشاركة بمؤتمر جنيف 2، أو أي تحرك آخر ( رغم استبعاد أية مشاركة حاليا). إضافة إلى أن الإعتراف بالنصرة فرعاً للقاعدة، هي رسالة لكل المشاركين في المعارضة، من خلال وضوح الجهة الوحيدة ‘ المعترف بها ‘ من قبل القاعدة (تم تخطئة القادة المعنيين بالقرارات علناً) وهو ما قد يساعد على زيادة انضمام العناصر لهذه الفرع ‘القاعدي’ الذي يرغب الظواهري أن يشكل القوة الوحيدة المعارضة للنظام.
من جهة أخرى فإن توحيد جبهات في مناطق أخرى، خارج التواجد الأساسي للقاعدة في أفغانستان وباكستان، سيضعف المركز التقليدي، وهو ما قد يشكل مركزاً وثقلاً منافساً، مما يضعف القرارات المركزية (مركزية التوجه ولا مركزية التنظيم)، ويجعل القاعدة تفتقد الأساس الهام في بنيتها اللامركزية هذه وهي: رأس واحد يلتقي بأمير واحد في كل دولة قائمة – على الأقل مفهوم الدولة ضمن الوضع الراهن إقليمياً ودولياً – ورأس الهرم هذا هو الذي يحدد شكل العلاقة بين الأطراف (مثلاً توجيهات للأطراف بالمساعدة المتبادلة).
ولكن هذه الخطوة ‘القاعدية’، يحتمل أن تواجه عواقب، تمس النصرة وتضعف قيام ‘ قاعديات بنات’ للقاعدة. فجبهة النصرة ستتحمل كل ما قامت وما تقوم أو ما ستقوم به القاعدة، في كل بقعة من هذا العالم. فمعظم دول الإقليم والدول العظمى تحارب القاعدة، ولهذا ورغم رفض القاعدة للمحادثات مع الأنظمة الحاكمة غير الإسلامية عادة، إلا أنها هنا ترغب بوجود مركز موحد لكل الإسلاميين على الأرض السورية، خاصة بعد قيام جيش الإسلام البعيد عن القاعدة حالياً. ولهذا ورغم قوة النصرة ستبقى تواجه صعوبات أكثر في محادثات قادمة، خاصة إذا أحرزت قوات النظام بعض الإنجازات العسكرية وإطالة أمد الحرب والتململ بين المواطنين (وحتى بين المقاتلين من المجموعات) ، سيما أن المنطقة السورية بتلونها المتعدد لا ترغب كثيراً بتيارات متشددة تهدد نسيجها المتماسك (خاصة قبل الحرب).
إن هذه الخطوة ستكون إضعافاً للنصرة في الأسابيع القادمة. أما على صعيد القاعدة (المركز)، فإن رفض القرارات يشير لضعف واضح، كما أن تلك القرارات العلنية بحد ذاتها، ستضفي تفرداً غريباً في وقت تثور فيه الشعوب ضد الديكتاتورية والقرارات العليا التي تقـــول: نفذ ولا تناقش (رفض أبو بكر البغدادي قرار الظواهري يؤشر لرفض التفرد والإملاءات) وهنا ستنفر الخطوة بعض المتنورين الذين يرون بالمشورة طريقاً آخراً.
إن الربيع العربي والذي يشكل شبابه وقوده ودمه، أصبح لا يتقبل هذه الحركات التي تقاتل من أعالي البحار، على أرضها الوطنية، فأخذ يقتنع تدريجياً بأن التغيير والبناء في بلده، يبنى من طين وحجارة وعرق ودماء أبناء المنطقة، دون نسيان وجود التضامن الإنساني. إن المنطقة التي تتحرك فوق رمال ساخنة ومتحركة، تدفع بالقاعدة أن ‘ تستكمل ‘ إيجاد إمارات لها في أية بقعة، بحيث تبقى هذه الإمارة على تواصل مباشر مع رأس الهرم ‘ القاعدي’، وخاصة أن دول الربيع العربي تعيش حالة تشظي غير معهودة، تساعد على تشكيل وإنشاء الإمارات المختلفة. لقد إنقسم المجتمع في معظم البلدان العربية، بين إتجاهين: ديني وعلماني، وهنا فرصة القاعدة أن تقود دفة الإتجاه الإسلامي، من خلال الإمارة الإسلامية في كل بلد يحكمه نظام غير ديني.
إن إحتمال تشكل كيانات جديدة في المنطقة العربية، على أسس دينية وطائفية ومذهبية، بفعل تفاعلات غير مسبوقة تتسارع حالياً، سيسرع من نظرة القاعدة بخصوص رؤيتها القريبة والبعيدة لشكل الكيانات القادمة. ومن هنا ترى أهمية تأسيس إماراتها في كل مكان، إستباقاً للإعصار القادم.
عبدالله ابو مازن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية