حول الحرب الاسرائيلية علي لبنان وتداعياتها (1 من 2)
أدار حسن نصر الله معركته بفعالية.. في الميدان زاوج المقاتل بين العقل والإيمان.. وأذهل إعلامه العدوحزب الله لم يكن علي معرفة بالخطة الإسرائيلية ـ الأمريكية لتدمير المقاومة في لبنان إلا بعد قيام الحربحول الحرب الاسرائيلية علي لبنان وتداعياتها (1 من 2)خير الدين حسيبثمة حاجة اليوم، بعد توقف الأعمال الحربية ، إلي التفكير في ما حمله هذا العدوان من تداعيات علي مختلف الصُّعُد وعلي مختلف الأطراف المباشرة والفاعلة والمعنية علي طرفي الصراع: حزب الله ومقاومتُه ولبنان من جهة وإسرائيل من جهة أخري، وتداعياتها العربية، مع التأكيد علي التأثيرات المستقبلية في كل ذلك. أما بالنسبة إلي لبنان ككل، فهناك تداعيات لهذه الحرب علي الوضع السياسي الداخلي، بما فيه الوحدة الوطنية؛ وعلي الأوضاع الاقتصادية فيه؛ وعلي الأمن الوطني اللبناني ومستقبل المقاومة؛ وعلي العلاقات اللبنانية – العربية؛ والعلاقات اللبنانية – السورية؛ واللبنانية ـ الإيرانية؛ والعلاقات اللبنانية ـ الأمريكية؛ واللبنانية – الأوروبية.ولاعتبارات عملية، وبسبب الحيّز المتاح لهذه المقالة، فسيتم التركيز فيها علي حزب الله ومقاومته، لأن التداعيات الأخري الخاصة بلبنان نوقشت كثيراً وستكون موضع اهتمام خاص لندوة ينظمها مركز دراسات الوحدة العربيةہہ في هذا الموضوع.أما بالنسبة إلي حزب الله ومقاومته، فهو أمر يستحق ويجب الوقوف أمامه طويلاً لما له من تأثيرات آنية ومستقبلية تتجاوز حدود لبنان إلي الكيان الصهيوني، وإلي المحيط العربي لفلسطين 1948، وإلي الأوضاع الإقليمية والدولية، ويمكن تلخيص كل ذلك، وبتركيز شديد، كما يلي:1- لقد حققت المقاومة الوطنية في لبنان فعلاً نصراً استراتيجياً وتاريخياً كما قال السيد حسن نصر الله في خطابه الذي تَلاَ مباشرةً إعلان وقف العمليات الحربية ، وكما اعترفت بذلك أطراف كثيرة في إسرائيل وفي الغرب. في المقابل، فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها من هذه الحرب.كان هدف المقاومة الوطنية تحرير مزارع شبعا، وتبادل الأسري، والحصول من إسرائيل علي خريطة الألغام في لبنان، وإثبات قدرة المقاومة اللبنانية علي ردع إسرائيل ضد أي اعتداء لها علي لبنان. وإذا ما قيل إن القرار (1701) لم يحسم موضوع مزارع شبعا، فإن الذي حصل أن الأمم المتحدة التي كانت تعتبر مزارع شبعا خارج نطاق القرار (425) الخاص بانسحاب إسرائيل من لبنان بعد اجتياحها لبنان في عملية الليطاني عام 1978، وأنها مشمولة بالقرار (242) الخاص بالأراضي المحتلة من إسرائيل عام 1967، عادت الآن لتضع مزارع شبعا علي جدول أعمال الأمم المتحدة وطلب مجلس الأمن في قراره (1701) من الأمين العام تقديم تقرير حول مشاوراته مع الأطراف المعنية حول الحدود اللبنانية ـ السورية بما فيها مزارع شبعا خلال مدة شهر. وحالت الولايات المتحدة في المفاوضات الأخيرة حول القرار (1701) دون إقرار صيغة أوضح لمزارع شبعا في القرار حتي لا تعطي انطباعاً عن نصر واضح للمقاومة وحزب الله في لبنان، ولكن ذلك لم يغير شيئاً من وضع هذا الموضوع علي جدول أعمال مجلس الأمن من جديد. ولا شك أن النتيجة ستكون لصالح إعادتها إلي لبنان بعد أن اعترفت سورية أكثر من مرة أنها لبنانية، وبعد أن صرح وزير خارجية سورية، السيد وليد المعلم، في مقابلة مع جريدة الأخبار اللبنانية (عدد 15/8/2006) ورداً علي سؤال موجه له بأنه إذا طلب لبنان من سورية توقيع وثيقة تؤكد لبنانية المزارع، فهل تفعلون ذلك؟ فأجاب بقوله لقد أرسلنا إلي الأمم المتحدة مذكرة رسمية تؤكد ذلك وهي موجودة في وثائق الأمم المتحدة. هم يريدون التوقيع علي خرائط، وهذا لا يحصل في ظل الاحتلال. الموضوع واضح جداً… .أما تبادل الأسري، حيث أُشير إليه في ديباجة القرار (1701) (الفقرات التمهيدية) وليس في الفقرات التنفيذية، (موضوع إطلاق سراح الأسيرين الإسرائيليين وإلي موضوع الأسري اللبنانيين)، فإن عملية تبادل الأسري هي تحصيل حاصل، لأن القرار (1701) متخذ تحت الفصل السادس وليس تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك ليس لدي الأمم المتحدة ما تستطيع به أن تجبر لبنان، من خلال المقاومة، علي تسليم الأسيرين الإسرائيليين دون مبادلتهما بأسري لبنانيين، وربما أسري آخرين من غير اللبنانيين، وهي مبادلة يُنْتَظَرُ أن تتم قريباً بسبب حاجة إسرائيل إلي إطلاق سراح أسراها. هذا مع العلم أن هناك خمسة عسكريين إسرائيليين أعلنت إسرائيل أنهم مفقودون وربما كانوا لدي المقاومة اللبنانية أحياء أو موتي، وهو ما سيزيد من حاجة إسرائيل إلي الإسراع في تبادل الأسري.أما خريطة الألغام الإسرائيلية في لبنان، فقد تم تسليمها فعلاً إلي الأمم المتحدة بعد وقف العمليات العسكرية.وأما موضوع القدرة علي ردع إسرائيل ضد أي اعتداء منها علي لبنان، فهو أمر قد أثبتته المقاومة اللبنانية فعلاً.ولذلك كله حققت المقاومة اللبنانية، أو ستحقق قريباً، أهدافها كاملة. وإذا لم يكن هذا كلُّه نصراً فكيف يكون النصر؟مقابل ذلك فشلت إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها الرئيسية التي أعلنتها عند بدء الحرب، كما سأشير إلي ذلك لاحقاً.ادارة حزب الله للمعركة2 ـ أدار حزب الله مقاومته بمستوي عالٍ جداً ومتميز من التخطيط والتنفيذ، علي نحوٍ يجعل منه قدوة حسنة علي المستوي العربي. فقد تبين أن المقاومة اللبنانية كانت تستعد وتخطط وتُعِدّ لمواجهة قادمة مع اسرائيل، لتحرير شبعا وفرض تبادل الأسري والحصول علي الخرائط الإسرائيلية للألغام المزروعة في الأراضي اللبنانية ولإثبات قدرتها علي ردع إسرائيل من انتهاك حرمة الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية اللبنانية.لقد أذهلت المقاومة اللبنانية الإسرائيليين أثناء الحرب، ليس بمستوي تخطيطها واستعدادها فقط، ولكن أيضاً بمستواها العالي القتالي الفني والمعنوي. ويفسر هذا الإنجاز من قبل المقاومة بـِ تزاوج العقل مع الإيمان الذي وفر للمقاوم اللبناني ما أنجزه العقل من تدريب علي مستوي عالٍ، وما أنجزه الإيمان من استبسال في القتال حتي الشهادة، وكان ذلك مصدر تفوق علي المقاتل الإسرائيلي. وهي أمور اعترف بها العدو بمرارة.كما صنعت المقاومة اللبنانية إنجازاً مماثلاً في الإعلام، وأثبتت أنها علي معرفة واضحة بأن الإعلام الناجح هو نصف الانتصار في الحرب . فقد أدارت إعلامها بكفاءة عالية شهد لها بها الأعداء. كما زادت مصداقيتها أثناء الحرب علي ما كان لقيادتها من مصداقيةً موجودة سلفاً، وهذا مما دعم إعلامها وساعدها في ردع العدو الذي أخذ كلامها وتهديداتها مأخذ الجد والذي حسّن من قدرتها علي الردع.كما أثبتت المقاومة اللبنانية أنها لم تُمكّن أجهزة المخابرات الإسرائيلية من اختراقها، واستطاعت قيادة حزب الله أن تستمر في إدارة المعركة مع إسرائيل دون أن تفقد أيّاً من قياداتها، واستمرت قيادة المقاومة وغرفة عملياتها تدير المعركة مع إسرائيل حتي آخر يوم من القتال.3- مما زاد من تأييد المقاومة اللبنانية لبنانياً وعربياً أن حزب الله تحرك تحت راية القومية العربية والإسلامية حيال إسرائيل والغرب، وكان خطابه خطاباً عربياً ـ إسلامياً .4- ومن الصعب فهم إنجاز المقاومة اللبنانية بدون فهم طبيعة الحزب الذي يقف وراءها، أي حزب الله . وفي حدود المعلومات المتاحة، المنشورة وغير المنشورة، يمكن القول بقدر من الثقة، أنه علي مستوي التنظيم والعمل والديمقراطية داخل الحزب، فإن حزب الله هو الأفضل تنظيماً والأكثر ديمقراطية بين الأحزاب العربية كافة، وأنه يعمل من خلال مستوي عالٍ من الاستفادة من التقانة الحديثة والمعلوماتية وتطبيقاتها المختلفة، وأنه الأكثر رصداً علي المستوي العربي لما يتم في إسرائيل.وبالنسبة إلي حزب الله، يصف أحد علماء الاجتماع العراقيين حزب الله بأنه ليس مجرد ميليشيا محلية يمكن لإسرائيل سحقها بالآلة العسكرية الإسرائيلية. ويضيف قائلاً حزب الله فكرة، وحزب الله ايديولوجيا وهو حزب سياسي ، بل هو أيضاً حركة اجتماعية (أوسع من حزب سياسي). وهو تنظيم اجتماعي (متداخل بالطائفة الشيعية)، وهو مؤسسات رفاه (خدمات) اجتماعية، وهو ميليشيا شبه نظامية، وأخيراً هو جزء من جبهة إقليمية واسعة. هذه المستويات المتراكبة تجعله في وضع فريد لجهة استمراره . ويختم رأيه قائلاً لا يمكن تدمير حزب الله إلا بحل جنوني: تدمير كامل للطائفة الشيعية، ومحق سورية وإيران، أو تدمـــير الإرادة السياسية فيهما! .حسن نصر الله5- ومن الصعب الحديث عن حزب الله ومقاومته، دون الحديث عن دور أمينه العام وقائد مقاومته، السيد حسن نصر الله.فرغم القيادة الجماعية في الحزب، فإن الأمين العام السيد حسن نصر الله ينهض بدورٍ متميزٍ في الحزب والمقاومة. فالشخصية الكارزمية التي يتمتع بها لا تكفي ليلعب الدور الذي يلعبه، فبجانب ذلك يجمع بين الفكر والسياسة والقدرة التنظيمية، إضافة لكونه يحمل لقب السيد أي أنه من السلالة النبوية. قليلون يعرفون الخلفية الفكرية للسيد حسن نصر الله، والسيرة الذاتية له، وبلسانه، تنير هذا الجانب، والقادة الذين جمعوا بين الفكر والعمل السياسي هم الذين تركوا بصماتهم علي التاريخ. هكذا كان لينين، وهكذا كان نهرو، وجمال عبد الناصر، ونيلسون مانديلا.الذين يطلعون علي سيرته الذاتية وعلي خلفية النشأة، والمراحل الدراسية التي أنجزها، والخبرات التنظيمية التي اكتسبها من ممارسة بدأت من القاعدة وتدرجت حتي تم اختياره كأمين عام للحزب. والذين تابعوه خلال هذه الحرب من خلال إطلالاته علي التلفاز، لاحظوا مدي هدوئه، وتواضعه؛ وأدركوا الطابع الحضاري لخطابه. وهو أول قائد عربي يخاطب مقاتليه بتقبيل أيديهم وأرجلهم . كما خلت خطاباته من الحشو أو التكرار، وضم كل منها رسائل للداخل والخارج، بنسب مختلفة حسب فترات الحرب، زاد من أهميتها المصداقية التي تمتع بها بين محبيه وأعدائه. وهنا، وإضافة إلي الحزب النموذج ، ثمة أيضاً القائد النموذج .6- ويبقي أنه إذا كان حزب الله قد استطاع بقناعة وبنجاح تعريب مقاومته، فإلي أي حد سيستطيع، إن كان راغباً في ذلك، أن يحول حزبه إلي حزب وطني لبناني يتجاوز طائفته إلي الأفق الوطني اللبناني الواسع؟ وإلي أي مدي يستطيع أن يطوّر ايديولوجية لهذا الغرض إذا كان راغباً في هذا التحول؟ وهو ما يحتاجه لبنان للخروج من الطائفة – الحزب ؟ ذلك تحدّ يحتاج إلي وقت ليس بالقصير لأنه سيكون بحاجة إلي تربية حزبية مختلفة لأعضائه وتياره، ستمكنه إن استطاع الإقدام عليها أن يدخل التاريخ من بابه الواسع، وسيكون لها آثار تتجاوز حدود لبنان إلي نطاق عربي أوسع.7- ستكون لهذه المقاومة القدوة التي قادها حزب الله آثار إيجابية علي المقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية. ورغم اختلاف الظروف والإمكانيات، وحرية العمل والإمكانات المالية التي توفرت للمقاومة في لبنان خلال السنوات الست الأخيرة، إلا أنه لا شك في أن في تجربة المقاومة اللبنانية ما تستفيد منه المقاومة في فلسطين والعراق، رغم اختلاف الظروف، ولكنها بحاجة جميعها إلي التنسيق وتبادل الخبرة والتدريب بقدر معقول من التواضع .وإذا كانت المقاومة في فلسطين والعراق بحاجة للاستفادة في إدارتها للمقاومة تخطيطاً وتنفيذاً من خبرة المقاومة الوطنية في لبنان ومن تأثير استعمال الصواريخ المضادة للدروع الإسرائيلية (مركفا بأنواعها المختلفة) والتي كانت إسرائيل تعتبرها إحدي مفاخرها العسكرية، فإن المقاومة اللبنانية بحاجة إلي الاستفادة من تجربة المقاومة العراقية في تطوير العبوات المتفجرة علي جانبي الطرق Road Side Bombs، أو كما تسمي عسكرياً (IED) وهي مختصر (Improvised Explosive Devices)، وهي موضوع سباق تكنولوجي بين البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) والمقاومة العراقية، ولأن نصف القتلي الأمريكيين في العراق وحوالي 70 بالمائة من جرحاهم سقطوا نتيجة لتلك العبوات المتفجرة علي جانبي الطريق . التنسيق مع المقاومتين الفلسطينية واللبنانيةولذلك فإن المقاومة في كل من لبنان وفلسطين والعراق بحاجة إلي التنسيق وتبادل الخبرة والتدريب وبقدر معقول من التواضع يتيح الاستفادة الفعلية من خبرة بعضها البعض.8- تبقي هناك أمور هامة تتعلق بحزب الله ومقاومته ومسؤولياته في الحرب، وفي مقدمتها مدي مسؤولية حزب الله عن نشوب هذه الحرب وعن هذا العدوان الإسرائيلي علي لبنان.- والسؤال الأول: هل يمثل خطف جنديين إسرائيليين من داخل إسرائيل وما ترتب عليه من قتل ثمانية جنود إسرائيليين اعتداءً علي إسرائيل يعطيها حق الدفاع عن النفس؟بالرجوع إلي المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة حول حق الدفاع عن النفس نجدها تنص علي أنه: ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادي أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة علي أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلي أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تُبلَّغ إلي المجلس فوراً، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس ـ بمقتضي سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يري ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلي نصابه .يعتقد بعض خبراء القانون الدولي أن مثل هذه الأعمال كثيراً ما تحدث بين الدول المتجاورة، ولذلك فهي لا تمثل اعتداءً مسلحاً علي إسرائيل، ويستندون في ذلك إلي الممارسات الإسرائيلية نفسها في هذا المجال. فقد مارست إسرائيل نفسها عمليات خطف واغتيال عدد من قيادات حزب الله، دون أن يعتبر مجلس الأمن ذلك اعتداءً مسلحاً علي لبنان أو يتخذ قراراً يدين إسرائيل ويحملها المسؤولية.ـ والسؤال الثاني هو مدي حقيقة أن الحرب الإسرائيلية الهمجية علي لبنان كانت نتيجة لخطف حزب الله لجنديين إسرائيليين وأنها لم تكن مخططة بغض النظر عن عملية الخطف؟ لقد توفرت معلومات كثيرة تبين أن حرب إسرائيل علي لبنان كانت مخططة ومتفقاً عليها بين إسرائيل والولايات المتحدة، وأن عملية الخطف أحرجت إسرائيل وقامت بتنفيذ حربها علي لبنان قبل موعد الحرب المقررة، وأن الحــــرب كانت ستتم، سواء تمت عملية الخطف أم لا. – أما فيما إذا كان حزب الله علي معرفة أو تقدير بأن عملية الخطف ستؤدي إلي شن إسرائيل حرباً واسعة علي لبنان، فواضح من المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد حسن نصر الله مساء يوم خطف الجنديين الإسرائيليين يوم 12/7/2006 من أنه علي استعداد لمبادلة الأسيرين الإسرائيليين مقابل الأسري اللبنانيين من خلال مفاوضات غير مباشرة، أنه لم يكن علي معرفة أو توقع رد الفعل الإسرائيلي الذي حدث فيما بعد وأنه وما كان ليعقد ندوة صحافية معلنة لو كان يعلم أن إسرائيل ستشن حرباً علي لبنان كما يتضح ذلك أيضاً من إطلالة السيد حسن نصر الله الرابعة والتي تم بثها مسجلة من خلال فضائية المنار يوم 26/7/2006 (بعد منتصف الليل) أن حزب الله لم يكن علي معرفة بالخطة الإسرائيلية ـ الأمريكية للحرب علي لبنان إلا بعد قيام الحرب، حيث قال في خطابه: عندما قامت عملية الأسر فإن المقاومة من حيث لا تعلم أحبطت الخطة الأخطر والسيناريو الأسوأ للحرب علي لبنان وعلي المقاومة في لبنان وعلي الشعب في لبنان. هذه العملية التي توصلنا إليها من خلال عملية الأسر وجد العدو الصهيوني نفسه أنه في حالة إذلال لا يمكن أن يتحمل هذه الضربة فاستعجل الحرب التي كان يعد لها….. .وإضافة إلي ذلك، ومما يؤيد أن حزب الله لم يكن يتوقع مثل تلك الحرب علي لبنان نتيجة خطف الجنديين، أنه سبق لحزب الله أن أَسَرَ بعد التحرير عام 2000 في شبعا، جنوداً إسرائيليين، ولم تقم إسرائيل بمهاجمة لبنان عسكرياً، بل تم عام 2004 تبادل الأسري الإسرائيليين لدي حزب الله، بمن فيهم الضابط الإسرائيلي الذي تم استدراجه إلي لبنان وأسره، بعدد كبير من الأسري اللبنانيين بمن فيهم من خطفتهم إسرائيل من لبنان، والذين أشير إليهم سابقاً.حجم الخسائرـ وأما عن تحميل حزب الله والمقاومة مسؤولية الخسائر التي لحقت بلبنان، من قتلي مدنيين وتدمير كثير من البني التحتية إضافة إلي خسائر أخري، فأما الخسائر المادية، فإن ما تبرعت به بعض الحكومات العربية نقداً حتي الآن بلغ ما يزيد علي (800) مليون دولار، ويتوقع أن تغطي التبرعات العربية عموماً، للتكفير عن مواقف البعض منها بالتواطؤ العلني، والتواطؤ غير المعلن للبعض، وسكوت آخرين وخوفهم، إضافة إلي المساعدات الدولية، أن تغطي كلّها مجموع خسائر لبنان التي قدرت بحوالي سبع مليارات دولار ، وسيكون لبنان القادر بالدفاع عن نفسه ضد إسرائيل أكثر إغراءً للاستثمارات العربية والأجنبية مما كان قبل انتصار المقاومة ولبنان علي إسرائيل. وقد بدأت فعلاً عملية عودة النازحين وقدّم حزب الله برنامجاً عملياً وسريعاً في اليوم الأول لوقف العمليات العسكرية لمعالجة موضوع المساكن المهدمة كلياً أو جزئياً، كما تقدم عدد كبير من الشخصيات اللبنانية وبعض المؤسسات الخاصة بالتكفل بإعادة إصلاح وإعمار معظم الجسور.أما الخسائر البشرية، فهي الثمن الذي يدفعه كل بلد من أجل رد العدوان والمحافظة علي استقلاله، ويكفي أن نعلم أن عدد القتلي في العراق خلال الشهر الماضي فقط (تموز ـ يوليو 2006) أي لشهر واحد كان (3438) قتيلاً وهو أكثر من مرتين من عدد قتلي لبنان وفلسطين خلال نفس الفترة، ولم تكن عملية التحرر من الاحتلال يوماً بدون تضحيات بشرية وسنشير في قسم تالٍ إلي مدي خسائر إسرائيل نفسها.9 ـ يبقي موضوع علاقة المقاومة بالدولة اللبنانية وسيادتها، ومدي الحاجة إلي استمرارها وهل هي مقاومة أو مليشيا ؟يمكن في هذا المجال إيراد الملاحظات التالية:ـ لقد جاء في البيان الوزاري للحكومة اللبنانية الحالية والذي بموجبه حصلت علي ثقة مجلس النواب اللبناني ما نصه: إن المقاومة اللبنانية هي تعبير صادق عن الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته في مواجهة الاعتداءات والتهديدات والأطماع الإسرائيلية، والعمل علي استكمال تحرير الأرض اللبنانية . فهل هناك أوضح من تخويل المقاومة اللبنانية بما قامت به من الدفاع عن كرامة لبنان في مواجهة الاعتداءات والتهــديدات الإسرائيلية وتحرير أرضه؟ـ وهل استطاعت الدولة اللبنانية من خلال إمكاناتها الذاتية، أو من خلال مجلس الأمن، إيقاف اختراقات إسرائيل المتكررة لأجواء لبنان ومياهه الإقليمية و للخط الأزرق أحياناً؟ـ وهل هناك وسيلة أخري لتحرير شبعا واستعادة الأسري وخرائط الألغام ومواجهة الاعتداء الإسرائيلي من خلال أسلوبٍ آخر غير المقاومة؟ وهل استطاعت الدولة بإمكاناتها الحالية، وما هو متاحٌ لجيشها الحالي، أن تحقق تلك الأهداف رغم عشرات السنين علي ذلك؟10 ـ أما عن مدي التأييد الشعبي واللبناني للمقاومة اللبنانية، فيمكننا أن نسجل ما يلي:حدث في بداية الحرب، ولفترة قصيرة جداً، ارتفاع قدر من الأصوات المعارضة لانفراد حزب الله بأسر الجنديين الإسرائيليين وما تلاه من حرب إسرائيلية علي لبنان، إلا أن ذلك الاعتراض لم يستمر سوي بضعة أيام أولي من الحرب، وما لبث أن تشكل شبه إجماع وطني علي تأييد المقاومة أنتجَ قدراً كبيراً من وحدة وطنية لم يشهدها لبنان سابقاً واستمرت حتي نهاية الحرب. ولكن إلي أي مدي سيستمر هذا الشبه إجماع الوطني بعد وقف العمليات العسكرية فهو أمر لا يمكن الحديث عنه بدرجة عالية من اليقين. ومما زاد في ترسيخ هذه الوحدة الوطنية، ذلك النزوح من الجنوب والضاحية والبقاع إلي بقية المناطق في لبنان، والاستقبال والاحتضان الشعبي اللبناني بكل طوائفه وتكويناته للنازحين وتقديم كل التسهيلات الممكنة لهم، وهو أول لقاء شعبي علي هذا النطاق يحصُل، وقد ساهم في تدعيم الوحدة الوطنية اللبنانية.7