بعد المخاض العسير الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس: الخطاب الطائفي يتحول الي خطاب قومي وصورة ناصر الي جوار نصر الله

حجم الخط
0

بعد المخاض العسير الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس: الخطاب الطائفي يتحول الي خطاب قومي وصورة ناصر الي جوار نصر الله

محمود قرنيبعد المخاض العسير الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس: الخطاب الطائفي يتحول الي خطاب قومي وصورة ناصر الي جوار نصر الله بعد المخاض العسير الذي تحدثت عنه السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، وبعد مضي اكثر من ثلاثة أسابيع علي نشوب الحرب الصهيونية الشاملة علي لبنان نستطيع أن نقول لها: مبروك جالك شرق أوسط جديد .وأنا لا أتصور السيدة كوندي هي القابلة التي ولد علي يديها هذا الشرق العسير المشوه، بل أتصورها أخطأت خطأ جوهريا في المجازات المرسلة التي هيأت لها أن حبوب اللقاح المزورة التي تحملها في جيوب سترتها، يمكنها ان تتحول بالشرق الوليد من مرحلة الشيخوخة التي يعيشها الي قطوف المهد والبراءة الأولي أقصد العمالة في صورتها النقية!فالشرق العجوز أنجب طفلة بيديه، لذلك كانت ملامحه صادمة لرقة وعذوبة السيدة كوندي ، التي لم تتصور أن طفل الشرق حزب الله سيولد من رحم أمه لبنان وهو يحمل بين أسنانه بندقية، بينما لا زال يلثغ بمفردات غريبة من قبيل المقاومة و الحرية و العدالة،.فمن حيث ما أرادت الولايات المتحدة أن تترك المقاومة اللبنانية بين فكي المارد الصهيوني ليقضمها قضمة الموت، فوجئ العالم بأسنان المارد الذي أغوته القوة المفرطة فاعتقد أنه الصياد الأبدي وأن أعداءه ما هم الا ضحايا تاريخيين، وما أرض الشام وما جاورها سوي تلك المصيدة التوراتية التي تتحدد أضلاعها بحدي النيل والفرات، ليتمكن جنود الرب من تأكيد النبوءة الصفوية الغبية.يأتي ذلك في وقت هو الأكثر سوءا وانحدارا في الأوضاع العربية بعد أن احتلت الاستراتيجية العربية محلها الطبيعي في مقابر الصدقة، وصارت الحكومات وحكامها يسعون ـ فقط ـ للخلود في مقاعدهم وتوريث أبنائهم وتراجعت القضايا الأساسية التي التفت حولها الأمة وعلي رأسها قضية التحرير، فظلت سورية ولبنان وفلسطين ثم العراق في قبضة الاحتلال، ولم يتبق للشعوب العربية سوي المقاومة، سواء تمثل ذلك في نضالات الشعب الفلسطيني بطل طوائفه وجماعاته، أو مقاومة حزب الله الباسلة في لبنان، وكذلك المقاومة العراقية العاتية للاحتلال الانجلوأمريكي.ومن ثم بدت تلك المقاومة ـ ذات الطابع الراديكالي ـ هي المعبر الحقيقي عن ارادات شعوب محبطة أوقفت الحروب ودخلت الي حقول التفاوض للبحث عن السلام المنشود، فلم تحصد سوي المرارات والخزي والتهميش وتفتيت الارادات، فلا تنمية تحققت ولا سلام تحقق، بل تأكدت الشقة بين الارادات العربية، وتهاوت الأدوار الجوهرية التي كانت تلعبها العواصم المؤثرة حتي وصلت الي حدود لا يمكن اقصاؤها عن فعل الخيانة بكل معانيه.وكان بديهيا ـ في هذا المناخ ـ أن تلهث الجماهير خلف صورة البطل الغائب، تلك الصورة التي نالت منها الفظـــائع التي ارتكبتها أنظمة قلصت، بل أزالت، من قواميسها مفردة الوطنية ومرادفاتها، وليس من الغريب أن نتوقع لهؤلاء أن يبكوا ملكهم ـ عما قريب ـ كالنساء، كما بكاه الأمير أبي عبدالله الصغير علي أطلال غرناطة لكنه البكاء الذي لن يفيدنا، كما لن يفيدهم بالتأكيد، فهل كان التزاوج الحاصل الآن بين صورتي حسن نصر الله وجمال عبدالناصر محاولة انقاذ أخيرة؟!! في 28 ايلول (سبتمبر) 1970 توفي جمال عبدالناصر بجلطة في الشريان التاجي، كان هذا اليوم يوافق 29 رجب سنة 1390 هجرية، وهو يوم مبارك في التقويم الاسلامي، فهو غداة اسراء الرسول صلي الله عليه وسلم، من المسجد الحرام في مكة الي المسجد الأقصي في القدس حيث عرج هناك الي السماء، وقد أكد هذا التوافق صورة عبدالناصر في ذهن الشعب كولي من أولياء الله الصالحين .هكذا تتحدث باحثة مرموقة هي نجلاء أبو عز الدين عن عبدالناصر في كتابها المهم عبدالناصر والعرب الذي ترجمه يوسف سعيد الصباغ وصدر في بــداية عقد الثمانينات، من القرن الماضي.وما تشير اليه الباحثة ـ رغم تنافيه مع كل عقل علمي ـ يعكس الصورة الحقيقية في الضمير العام لزعيم يرتقي مرتقي النبوة، ويجلس في استرخاء علي مقاعد من أهالوا عليه التراب، وهو حنين تستعيده الأمة، كما استعادته أقلام غير محصورة في الأيام القليلة الماضية، لسبين جوهريين أولهما الاحتفال الافتراضي الذي لم تفعله مصر بالعيد الخمسين لتأميم قناة السويس كواحد من أعظم أعمال ممارسة السيادة المطلقة علي الأرض والمال والعرض بعد زمن طال أمده تحت وطأة الاحتلال العثماني ثم الفرنسي فالانكليزي، وثاني هذه الأسباب هو ذلك الخزي الذي شعرت الأمة بعد تخلي العواصم العربية الكبري عن حزب الله كأحد المعاقل القليلة الباقية الدالة علي وجودنا، وذلك بعد أن تحولت مفردة المقاومة الي مفردة ممجوجة، وربما طالب هؤلاء الحكام بتطهير قواميس العربية من مثل تلك المفردات، التي هي مجلبة للفوضي وللغضب الأمريكي في نظرهم.وقد تصاعدت نوستالجيا هذه الذكري لعقد مقارنات واسعة ومعمقة بين شخصية ناصر، وشخصية حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، وهي مقارنات لم تعبأ ـ بالطبع ـ بما قالته السيدة هدي عبدالناصر في مكتبــــة الاسكندرية عن تباعد الشقة بين والدها وبين الأمين العام لحزب الله.وأظن أن مدي تطابق ودقة المقارنة لا يعنيان شيئا البتة بالنسبة للزعيمين، كما لا يعنيان الكثير بالنسبة لمواطن هذه الأمـــة المعاصر، غير أن الالحاح علي عقد المقارنة يؤكد معني أوليا لا خلاف عليه، هو حاجة الأمة لمن يقودها وهو تصريح غير ملتبس واجماع شعبي غـــير مسبوق علي أن الحكام العرب لا يمثلون هذا البطل ولا يملكون في صُرتهم ما يشي بأنهم مقبلون في الطريق الي البطولة.وقد يعضد هذا التصور، التأمل السريع لمبادئ ثورة يوليو الستة وكيف آلت أوضاعها في اللحظة الراهنة، فقد انطلقت الثورة في طريق القضاء علي الاستعمار والقضاء علي الاقطاع، القضاء علي الاحتكارات وسيطرة رأس المال علي الحكم، تحقيق العدالة الاجتماعية، خلق جيش وطني قوي، واقامة حياة ديمقراطية سليمة، وهذه المبادئ التي انهارت انهيارا كلياً ـ علي الأقل في مصر ـ تحتاج الي ثــــورة جديدة لكي تعيدها من بطون ناهبيها، دون المساس بمــا علي الناصرية من مآخذ جوهرية أعاقت تطور التجربة من داخلها.غير أن اللافت في المواجهة الأخيرة التي تدور رحاها في عاصمة من بين أهم عواصم الثقافة العربية أنها وجدت بين المارينز الثقافي من يهيل التراب علي منجزها ويعيد انتاج خطابات رسمية عربية تقع ـ بالضبط ـ موقع الخيانة دون جدال، تحت يافطات بغيضة وكريهة الرائحة، غير أن هؤلاء المارينز مع خطباء وفقهاء السلطان لا بد أن يبحث كل منهم عن بطانة تبريرية، بحيث يمكنهم خلق مرجعيات تعضد ما يذهبون اليه، وسوف نجد المرجعيات الدينية وقد حشدت ـ خلف فتواها ـ جيشا جرارا من الآيات والأحاديث، مثلما فعلوا في العام 2003 عندما أصدروا فتاواهم التي تبيح الاحتلال الأمريكي للعراق، كذلك سنجد نوعا آخر من الفتاوي يستند علي فشل الدولة القومية العربية في انجاز مشروعها، وهو سبب كاف ـ في نظر هؤلاء ـ لخيانة أوطانهم في مخادع الرأسمالية المتوحشة التي تردنا مع آخر تقاليع الليبرالية الغربية.ومن ثم لم يكن غريبا أن نقرأ تلك المقالات التي تحل دم حزب الله، وتبرر دفنه حيا، خوفا من المستقبل الشيعي الغامض للمنطقة، تأسيسا علي انه لا يصح للعلماني الليبرالي في كل الحالات ان يدعم حزبا دينيا، فهم يرون أن الحزب لا يملك سوي مرجعية الصراع الدامي بين البيت المرواني و البيت الهاشمي .واذا كان الطموح لاقامة دولة ليبرالية عربية تغاير في أسس قيامها تلك النزعة الشمولية التي ميزت الحقبة الناصرية وقريناتها القومية، فانه ـ بالقطع ـ مطلب يجب أن تلتف حوله الجماهير العربية مدعومة بنخبها التي تدافع عن هيكل الدولة الوطنية، الا أن الخطاب النقيض لا يعني بالضرورة القاء الآثام والقاذورات التي ميزت التاريخ الاستعماري كله علي كاهل تلك الدولة، فحركات المقاومة الموصومة من هؤلاء في لبنان وفلسطين بسبــــب مرجعيتها الدينية تظل منطلقاتها الوطنية نموذجا مختلفا أشد الاختلاف عن جماعات العنف الاسلامية التي نشأت في فراغات الدولة العربية المنـــهارة غير الفاعلة، ويبدو رفض الدولة العربية من هذا المنطلق جليا لدي جماعات مثل القاعدة، وكذلك التيارات الاسلامية التي اعتمدت العنف وحده كسبيل لتغيير المجتمع مثلما حدث في مصر مع جماعات الجهاد والجماعة الاسلامية والتكفير والهجرة، وغيرهم.فقد كان الطرح الأممي لهذه الجماعات يعتمد علي مرجعيات شبه فاشية تري في الكون أحقية مطلقة، وفي الأرض متسعا للدعوة والاخضاع المطلق لها، سواء كان ذلك بالأسوة الحسنة أو بغيرها، وعلي النقيض من ذلك ولدت جماعات المقاومة الاسلامية التي تميزت بدرجة أكثر راديكالية من الحكومات السياسية التقليدية، بحيث بدت بشكل دائم علي يسار تلك الحكومات، غير أنها حددت أهدافها ـ حصريا ـ في تحرير التراب الوطني والحفاظ علي استقلاله كاملا، في الوقت نفسه لم تطرح أية أبعاد لكونية الدعوة أو عالميتها أو فرضها بالسيف أو ما شابه ذلك من طروحات.وأتصور أن العارفين بخارطة السياسة العربية، يدركون حجم الدور الخطير الذي لعبته الحكومات في تحويل بلـــدانها الي اقطاعيات ريعية بلا عقل ولا تنمية، ومن ثم انصرفت الجماهير بشكل كبير الي شؤون لها علاقة بتعظيم الوجود الفكــــري الميكافيللي، الذي ترسخ له العلاقات الليبرالية داخل الكتــــلة الرأسمالية في الولايات المتحدة، لكنها لعبة سرعان ما تكشفت بعد الانهيارات المجتمعية المتلاحقة فعادت الجماهير خالية الوفــــاض ولا تحمل تحت ابطيها ـ وعلي الطـــريقة العربية ـ سوي خفي حنين.من هنا تعاظمت الخطورة الحقيقية التي باتت وشيكة التحقق علي اسرائيل، تتبدي في الانتصارات المتوالية التي حققتها المقاومة اللبنانية والفلسطينية علي السواء، ثم تكلل هذا الوعي بتاريخ الي انتصار شبه نهائي لحزب الله في حرب شاملة وعاصفة وغير انسانية تقودها اسرائيل ضد لبنان، وما استمرار الحرب حتي الآن ـ حسب كثير من المحللين ـ سوي لاتاحة الفرصة لاسرائيل لتحقيق نصر جزئي يتم الترويج له ثم تحل القوات الدولية والمفاوضات غير أن ذلك يبدو أنه غير متاح حتي في حدوده الدنيا، رغم القوة القاهرة للجيش الاسرائيلي.وما من شك أن تحقيق نصر من هذا الحجم علي اسرائيل عبر حركة مقاومة وغير نظامية من شأنه أن يحقق انقلابا علي مستويين أساسيين أولهما المستوي العسكري حيث نجحت الحرب في تدمير نظرية الردع والأمن الاسرائيليتين والي غير رجعة، وعلي المستوي السياسي فان أخطر ما يمكن أن يتحقق هو سقوط الهيبة والشرعية التي منحتها الشعوب العربية لحكامها وانكشاف العمل الخياني والفاضح من المقاومة وقضايا الأمة التي كانت تمثل خطاً أحمر لا يستطيع أيا كان التراجع عنه وهو ما يعني أن ثمة هبات شعبية في بعض البلدان يمكن أن تطيح ببعض هذه الأنظمة الفاعــــلة، وربما حولت انتفاضات الشعوب الي عمل مقاوم يعضد المناضــــلين في خطوط المواجهة.ومن ثم فان ولادة الشرق الأوسط الذي تدعو وتتفاءل به السيدة رايس لن يكون ـ في كل الأحوال ـ كما تبغي له، شرقا مخصيا، يتخلي عن مسلماته، بل عن أسباب وجوده، بما في ذلك هويته بل علي العكس تماما، سينهض شرق أكثر شراسة وأكثر بسالة في استعادة هويته وربما ايضا تحقق ما هو أسوأ لنا ولهم بنمو جماعات التطرف والتكفير واستعادتها للمبادأة وساعتها لن ينفع البكاء علي اللبن المسكوب.ان الذين ذهبوا الي تلك المقارنة المحقة المكتظة بالحنين بين ناصر وحسن نصر الله، لا يعدمون الوسيلة لتقديم الاستشهاد تلو الآخر عن تلك العلاقة الوثيقة بين نقاء جوهر هذين القائدين وبين شرفهما العسكري والسياسي والانساني، وذكائهما وحضورهما الفذ في لباس يعكس خلافا جوهريا في منطلقات كل منهما، وهذا ما أدركه ـ بحصافة ـ زعيم حزب الله، لذلك لا يكاد يخلو حديثه من التصريح بأن انتصار الحزب هو انتصار لجماع طوائف الأمة مسيحيين ومسلمين وغير ذلك، وهي محاولة لاستعادة البريق والبعد القوميين للمعركة علي نفقة البعد الطائفي الذي يمثله نصر الله وجيشه المغوار.وعلي هذا المستوي يقترب الخطاب اللبناني المقاوم من الخطاب الناصري الذي أسس لاستعادة الصوت الخاص بالمعنيين الفردي والوطني، فأصبحت مصطلحات الحرب، والتنمية، والديمقراطية والوطنية، مصطلحات مشحونة بدلالات لم يستبق اليها الشرق، حيث قامت دولة ناصر علي العزة والكرامة والشرف والتكافل والعدالة، والمضامين الاجتماعية الخلاقة، بعيدا عن كافة النعرات المذهبية والطائفية، وهو ما يجب ان يدركه هؤلاء من ميليشيات أجهزة المخابرات المأجورة والعميلة، وصنائع الحكام الذين خانوا الأمة في أعز ما تملك.ہ شاعر وكاتب من مصر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية