شيطنات اللغة
منهل السراجشيطنات اللغة حين بدأت بتعلم اللغة الإنكليزية، كنت في خشية من هيبة اللغة الجديدة، معاني الكلمات ودلالاتها. رهبة من احتمالات اللفظ الواحد والجملة الواحدة، وتردد أمام قاموسها ومفرداتها.. لكن وبعد أن قطعت شوطاً، اكتشفت أنها لغة بسيطة وواضحة. الكلمات التي أقرؤها، هي نفسها التي أسمعها وأتكلم بها، فلكل أمر اسم وللاسم معني محدد، يحضر في الذهن لأول وهلة وآخر وهلة، ويبقي هو المعني المعتمد بين المتكلم والمستمع. ولايوجد مجال للتلاعب والإبداع إلا في الآداب، وهذا متاح في كل اللغات ولا يحتاج إلي لغة خاصة، يحتاج روحاً وموهبة. أما في الشغل اليومي وتفاصيل النهار الاعتيادية فلا توجد أي إمكانية للشيطنة، كما يحدث في لغتنا بين العامية والفصحي، من التباس في معاني الأقوال ودلالاتها. كذلك الأمر في اللهجات المتعددة والتي لا تخص قطراً بعينه فقط، بل وتتبع أحياناً طبائع منطقة بعينها. فللكلمات اليومية عندنا أكثر من معني، ولكل منطقة مفرداتها ومقاصدها، ولكل عشيرة، ولكل حارة، بل لكل عيلة قاموسها الخاص بها، وأحياناً لايفهمه إلا أفراد العيلة. أتراها لغتنا الجميلة والغنية تساهم أحياناً في تعطيل أمور يومنا؟ أتراها بأسرارها وعتقها، لا تصلح إلا للفنون والجمال؟ حين درسنا مادة المحركات في كلية الهندسة، كان عدد الطلاب هائلاً وفي قبو الكلية محركان اثنان فقط، الأول ديزل والثاني بنزين. والاثنان معطلان. وكنا نمزح: مخبر المحنطات. وكان ازدحام الطلاب حول المشرف الذي يشرح أقسام المحرك، يمنعنا نحن الطالبات من الانحشار بينهم. كنت أقف في الصف الأخير، مثل بقية البنات، أنظر إلي رؤوس محمود ومحمد ونديم ونعيم وياسر.. ثم أرجع إلي البيت لأتخيل أقسام المحرك وأحفظ الدرس تبصيماً لنيل النجاح اللازم. فور تخرجي من الجامعة عينت في مؤسسة الحبوب، وكانت التعيينات تخضع لكل الاعتبارات الممكنة إلا اعتبار الاختصاص والميل الشخصي. فاختصاصي في التدفئة والتبريد، لكن فرزي آل إلي العمل في إصلاح السيور وأنواع النواقل والقبانات ومحركات السيارات.. بدأت لدي معاناة من نوع خاص جداً. ـ بابا، علي الذهاب لمنطقة الصناعة والدوام فترة للتعرف علي الشغل هناك. فوجئ بطلبي، ثم اعتبره نكتة ومضي. ولأنني فتاة من عائلة محافظة، لم أداوم في صناعة حماة لأتدرب علي مصطلحات الميكانيكيين الصعبة جداً، وتكاد تكون مبهمة. عينت رئيسة للجنة الصيانة في مرآب المؤسسة. صباح استلامي، جاءني رئيس لجنة المشتريات صارخاً: ـ شوفي طلبات السائقين، سياراتهم معطلة. كان غاضباً لأن منصبي الجديد سيحرمه من ميزات كثيرة كانت سهلة المنال بالتعاون مع رئيس اللجنة السابق. في ذلك الوقت كنت أتشنج بشدة حين أسمع كلمات الفساد المعروفة.. الرشوة والاختلاس.. تغير الأمر الآن، صرت أتفهم ممارسات كل الموظفين في سورية.. كلهم بلا استثناء. في اليوم الثاني صاح أكثر: ـ مصالح المؤسسة واقفة. وأنت تكدسين طلبات الإصلاح. قطبت بوجهه رافضة الصراخ. فاستأنف صارخاً أكثر: ـ انمغصت من الكلمة؟ في الحقيقة أصابني المغص، لعدة أسباب، أولها التشكيك أو اليقين بأن لجنة المشتريات مع بعض السائقين سيسرقون من ورائي.. وإذا استخدمت مصطلحاتهم فيمكنني القول سيعرّقون من ورائي وآخرها أني لم أفهم كلماتهم التي رموها في وجهي ومضوا، دونتها بألفاظهم نفسها، وبصموا علي الطلبات لأن معظمهم كان أمياً. وضعت كفي علي خدي وجلست أفكر. بدأت بالطلب الأول: قال عبد الفتاح: مأصات المان معطلة. ولأن القاف تقلب بالعامية المدينية همزة، كتبت مقصات الشاحنة مان ، سائقها عبد الفتاح.. تحتاج إلي إصلاح. جلست أفتش في ذاكرتي عن أي قطعة في السيارة يمكن أن تسمي مقصات.. دون جدوي. جاء أبو عبدو، كان يخصني بنظرات إعجاب كلما صادفني. ويتجرأ بالقول: ـ ياآنسة والله ميّاتك مو هون. ربما كان يقصد أن مياهي في بيته زوجة ثانية أو ثالثة لا أعرف. طلب إصلاح خزان المازوت في سيارته. سألته ببراءة: ـ مثقوب؟ ـ يرضّع ترضيع . أومأت برأسي بعصبية، كي لايمضي في قاموسه ذي الغمزات، وسجّلت طلبه. ثم سألته بصوت منخفض: ـ هل تتعطل مأصات عبد الفتاح دائماً؟ ضحك: ـ بلا معني.. ثم أضاف مواسياً: ـ لاتأخذي ببالك. بعطلوها مشان ما يشتغلوا.. ولم أفهم معني مأصّات . ثم جاء سائق آخر يشرح عطلاً مجهولاً في محرك سيارته، يتبينه من صوت أجش يقول عنه: جعير. لم يقل عن أي برغي برغياً ولا الصامولة صامولة. كان يستعيض عنهما بالانثي والذكر. جربت أن أفهم منه أيضاً معني مقصات لكنه لم يلتفت لتساؤلي. ناديت عبد الفتاح وسألته أن يريني العطل. فتمرد بوجهي: ـ تفضلي ياآنسة شوفي لوحدك. وأشار أسفل سيارته. ياإلهــــي.. كأنه يعــرف أني لم أفهم معني مأصّات هذه. استحضرت قطع المحرك قطعة قطعة وحاولت أن أقارنها بشكل المقص، أو أتخيلها تعمل عمل المقص. فلم أجد. استعرضت ملحقات المحرك، ثم قطع السيارة قطعة قطعة.. حدقت في كتاب المحركات وتمعنت في كل جزء وكل جهاز، راجعت آلية حركته وقوانينها، ولم أصل إلي نتيجة. اتصلت بإحدي زميلات الدراسة وكانت بدأت عملها، يعني تسلمت كرسيها، في دائرة الخدمات الفنية. وطبعا لا عمل لها. ـ سلوي هل تعرفين ما هذه المأصات بالسيارة؟ ـ شو؟ مأصّات؟ شو عم تشتغلي من كل عقلك؟ شو رأيك اليوم ننزل إلي السوق. يوجد تنزيلات.. و امتلأتُ بالخجل: علي أن أوقع، دون أن أعرف علي ماذا أوقع! وبدأ السائقون تمردهم واحداً وراء الآخر بالتواطؤ مع رئيس لجنة المشتريات: ـ المهندسة عم توقّف أشغالنا.. نريد رئيس لجنة الصيانة السابق. مقصات.. مأصات. ورحت أدور حول السيارة محاولة أن أحزر الجزء اللعين الذي يسمونه مأصات. كان صوت المذيع ينبعث من راديو السيارة يتحدث عن مجمع اللغة العربية ومهامه الجليلة في إنقاذ اللغة من الغزو الأجنبي! في عز هذه الزنقة، قدحت فكرة في رأسي. اتجهت إلي ديوان الدائرة وسألت بحزم ورصانة عن الطلبات السابقة للإصلاح كي أتأكد من تكرار العطل عند السائقين. ذلك لأنه علي أن أمضي وراء الكذاب، وأمنع هؤلاء الملاعين من تعطيل شغل المؤسسة. هكذا أوحيت لرئيس الديوان. توجسوا أمام هذا الطلب وتراكضوا لخدمتي. لحسن الحظ وجدت طلبا سابقاً لسائق آخر يعرف الكتابة: طلب إصلاح ماصات سيارة السائق محمود.. ماصات.. لاأدري.. حين عثرت عليها مكتوبة بخط السائق، بالألف بلا همزة، اكتشفت المعني. كانت فرحتي كبيرة لأني التقطت أصل الكلمة. إذن هي ماصات الاهتزاز. انحنيت لأتفحص الصفائح، فوجدت تعطيلاً مفتعلاً، قلت معتمدة قاموسي الجديد: ـ المأصات متل الليرة. سبب الإهتزاز من زفت الشوارع. أحني رأسه موافقاً علي فكرتي وعلي لغتي: ـ لازم أوصي أم العيال علي طراحة، والله كلامك جواهر. وهكذا بين اللفظ الخاطئ والتداول الأعمي له وقلة الخبرة العملية والإعاقات الاجتماعية والاقتصادية ووو… تضيع أموال البلاد وأوقاتها وتضيع أعمارنا أيضاً. ہ كاتب من سورية0