مهرجان افلام من القارات الخمس بدمشق: هل يعود الطقس دون عودة السينما؟
محاولة أخري لاعادة الشاشة الفضية الغائبة عنا منذ السبعيناتمهرجان افلام من القارات الخمس بدمشق: هل يعود الطقس دون عودة السينما؟دمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: مهرجان العيد العالمي للسينما (أفلام من القارات الخمس) كان هذا عنوان التظاهرة السينمائية التي شهدتها دمشق طيلة الشهر السابع من هذه السنة في صالة راميتا بدمشق. تعتبر هذه التظاهرة من أكبر التظاهرات التي قدمتها المؤسسة العامة للسينما في سورية مع ادارة الأستاذ والناقد السينمائي محمد الأحمد، وهي جميعاً تظاهرات تقدّم عروضها مجاناً في اطار العمل علي اعادة احياء الطقس السينمائي الغائب عن ارض سورية منذ السبعينات!! فقدمت هذه التظاهرة ما يُقارب الأربعين فيلماً من مختلف دول العالم (سورية، مصر، الصين، اليابان، الولايات المتحدة، فرنسا، الارجنتين، بريطانيا، البرازيل، الهند، ايطاليا، كندا وجنوب أفريقيا) اضافة الي فيلمين للأطفال. تصدرت الولايات المتحدة القائمة من حيث عدد الأفلام المشاركة، ولكنها لم تتصدرها من حيث الجودة، اذ تفوّق فيلم الافتتاح الوعد الصيني مثلاً علي معظمها، الي جانب تفوق أفلام مثل أزهار محطمة للمخرج جيم جارموش من كندا، مذكرات راكب دراجة نارية من البرازيل، كم أنت جميلة أيتها السماء من الارجنتين، كارمن الأفريقية من جنوب أفريقيا… وربما كانت أفضل الأفلام الامريكية المشاركة طفلة المليون دولار الحائز علي العديد من جوائز الأوسكار للعام الماضي 2005 ومن بينها أفضل فيلم وأفضل اخراج للمخرج كلينت ايستوود وأفضل ممثلة لهيلاري سوانك، وهو يتحدث عن المدي الذي يستطيع الانسان أن يحارب فيه لأجل أهداف ليست أكثر من بسيطة، وفي حرب شريفة يتجاوز فيها قوانين قدراته الجسدية الخارجية، ولكنه كانسان يخسر في النهاية، ليعيش حرباً أخري للحصول علي النهاية اللائقة. انه عن فتاة تعدو يوماً وراء يوم ضمن تيار الحياة السريع للتفوّق في الملاكمة ولكنها تخسر عمودها الفقري وكل قدراتها في لحظة، فلا يبقي لها سوي عضلة الفم وعينيها لتتوسل من خلالهما الموت الرحيم. الي جانبه ومن امريكا يلعب راسل كرو المعروف للكثيرين بدور العالم جون ناش الذي رشح عنه للأوسكار في عقل جميل ، دور ملاكم أيضاً في السيناريو المأخوذ عن قصة حقيقية لهذا البطل الذي تهز حياته وكيانه الأزمة الاقتصادية الكبري التي عصفت بالعالم سنة 1929 الي جانب رينيه زويلغير الحائزة علي أوسكار أفضل ممثلة 2003 عن دورها في فيلم شيكاغو الاستعراضي.انّ امريكا التي تعرف بانتاجاتها الضخمة تقنياً وفنياً وعددياً قدمت للمهرجان ألمع نجوم شاشتها الذهبية كما لاحظنا، بالاضافة الي جوني ديب في بطولة فيلمين من انتاج 2005 وهما البحث عن أرض الخيال مع بطلة التايتنك الشقراء كيت وينسلت التي تفوّقت علي نفسها في العديد من الأفلام اللاحقة، ولكنها لم تنج من حطام السفينة الشهيرة، ويقدّم الفيلم أيضاً الممثل القدير داستن هوفمان الحائز علي العديد من جوائز الأوسكار، في دور لا يُعتبر من أفضل ما لديه، للحديث عن الكاتب الامريكي جيمس باري مؤلف الرواية الخيالية المعروفة بيتر بان . الي جانب هذا الفيلم كان جوني ديب البطل الأقوي في فيلم شارلي ومصنع الشوكولا ، ويتميّز الفيلمان بالتقنيات البصريّة العالية المستخدمة فيهما، وبكليهما نفتقد للأداء الخاص الذي ميّز رجل النافذة الخلفية . باقي الأفلام الامريكية العشرين الحاضرة تنوعت بين التشويق والأكشن والقليل من الرعب، لابراز التقنيات البصرية والصوتية الامريكية العالية، دون أن ننسي أفلاماً خاصة مثل راي المأخوذ عن قصة حياة المغني الأسطورة راي تشارلز الزنجي الأعمي في أداء لجيمي فوكس رشحه للأوسكار باستحقاق. و المترجمة السياسي الذي سقط خطابه الانساني في متاهات السجال السياسي العالمي، سقط ومعه كل من شون بن بطل رائعة أنا سام ، ونيكول كيدمان الحائزة علي أوسكار أفضل ممثلة عن دور الروائية فيرجينا وولف بفيلم الساعات .وبهذا تخسر امريكا في لوحة العرض هذه اذ نجحت جنوب أفريقيا بفيلمها كارمن الأفريقية الحائز علي الذهبية لمهرجان برلين السينمائي الدولي 2005 في التفوّق علي مختلف المستويات، فأوبرا كارمن لمؤلفها جورج بيزيه ـ 1875 تأتينا هنا من ارض جنوب أفريقيا الترابية الفقيرة محملة بقصص سكانها وتفاصيل حياتهم البسيطة، في حوار أوبرالي بالدرجة الأولي، ويأتي الفيلم ليقدّم شكلا مختلفا وواقعيا عن الجمال الانساني المعروض علي شاشة السينما الامريكية، فالبطلان (بولين مافين ـ بدور كارمن و أنديل تشوني بدور الرقيب جونكيخانا) ممثلان يبتعدان بشكل ٍ صارخ عن مقاييس الجمال الامريكي التقليدية للجسد الانساني والبطل السينمائي حيث تجذبنا واقعية الجسد الممتلئ وحتي السمين مع البشرة السمراء بقسوة الأرض لنستسلم لسحر الصوت العميق. “مذكرات راكب دراجة نارية البرازيلي يعيد الي الأذهان المخرج والتر ساليس ج. آر المعروف بفيلمه السابق وراء الشمس الذي رشح عنه للكرة الذهبية (Golden Globe) وهي جائزة النقاد والصحافيين الامريكيين، وفيلمه الحالي منقول عن مذكرات الزعيم الثوري الكوبي المولود في الأرجنتين (أرنيستو تشي غيفارا). بالاضافة الي الفيلم البرازيلي الآخر البستاني الدائم المأخوذ أيضاً عن الدراما المشوقة لرواية جون لوكاريه، من بطولة اثنين من ألمع نجوم هوليوود حالياً، رالف فينز بطل أفلام كان بعضها من الروائع مثل (لوليتا- نهاية علاقة عاطفية ـ المريض الانكليزي…)، وراشيل ويسز هذا الدور الذي قادها الي أوسكار أفضل ممثلة بدور ثان هذا العام. تقودنا هذه النظرة السريعة لنتساءل حول سر تميّز معظم الانتاجات السينمائية المقتبسة عن أعمال أدبية بشكل ٍ أساسي؟! كما نلاحظ الاختيار الحديث والموفق للأستاذ محمد الأحمد اذا أنّ الأفلام الأربعين جميعاً تتراوح بين انتاجات 2005 ـ 2006، وقسم جيّد منها حاصل علي جوائز تتجاوز لمعان التمثال الامريكي. ايطاليا اكتفت بفيلمين كانا يكفيان لاعادة البريق للسينما الايطالية المعهودة، البداية مع نتائج الحب للحديث عن رجل الحداثة، رجل القرن الواحد والعشرين في اغترابه عن ذاته وعن مجتمعه، وغرقه في عزلته ووحدته القاتلة، ماذا يحدث له اذا بلغه أنّ شابة جميلة مغرمة به؟! مفاتيح المنزل دراما عاطفية علي الطريقة الايطالية بامتياز، انها عن الانسان النبيل، عن الطفل الذي يبقي رغم معوقاته الجسدية والعقلية مالكاً لحقه في الوجود وينجح في صنع الابتسامة! الأرجنتين وبموضوع مشابه عن رجل وطفل في علاقة انسانية عميقة، شفافة حتي حدود الروح، تلامس كل منا بفيلمها الوحيد كم أنت جميلة أيتها السماء الحاصل علي الجائزة الذهبية لمهرجان دمشق السينمائي الدولي 2005، فيلم ينجح من خلال طرحه الشفاف بتقديم شكل مختلف من أشكال الحب، هنا حب انساني رقيق ومتين ينشأ بنعومة بين رجل غريب وطفل صغير تفتح لهما المزرعة ـ كمكان للحدث ـ فضاءً رحباً يملأه المخرج بتفاصيل دقيقة وغنية. بريطانيا تشارك أيضاً بفيلم يتيم، ولكنه رائع بطريقة مدهشة، يقدّم لنا تيري جورج مخرجاً وكاتباً للسيناريو ومنتجاً فيلمه فندق راوندا ، ليعرض لنا عبر 121 دقيقة واحدة من أشنع وأفظع المجازر الانسانية في التاريخ المعاصر، عندما شنّ المتشددون من السكان الهوتو في راوندا حملة تنكيل ومجازر جماعية ضدّ السكان التوتسي وهم من الأقليّة في راوندا الذين منحهم الاستعمار البلجيكي السلطة قبل جلائه عن البلاد!في النهاية نستطيع أن نقرأ بوضوح توّجه السينما العالمية للحديث عن القضايا الانسانية وعن الجمالية الروحية الغائبة عن المجتمع الغربي الحديث وخاصة في علاقاته الاجتماعية بين أبطاله اليوميين. ما بين أسماء النجوم اللامعة، وأزمة الشوارع المليئة بالاثارة أو الرعب، أو في فضاء العلاقات الانسانية الرقيقة تنقل مشاهدو أفلام هذه التظاهرة، وغالباً تكررت الأوجه ذاتها مع حضور متواتر لوجوه أخري.. وهنا لا يمكننا الا أن نلاحظ غياب الحضور الشبابي لصالح الجيل الأكبر من متوسطي الأعمار بشكل ٍ عام، وهذه حالة أصبحنا نشهدها غالباً في أكثر من تظاهرة فنية أو أدبية أو ثقافية. وحتي في حفل الافتتاح الذي احتضنته صالة الشام وهي صالة العرض الأولي في سورية، عانت التظاهرة من غياب الجمهور، وحتي من غياب الحضور الاعلامي اللائق، ليحظي القليلون بفرصة مشاهدة الرائعة الأولي في التظاهرة، المليئة بسحر الشرق وقصصه الوعد ، فما بين الحلم والواقع، والسحر والقسوة، ما بين شفافية الحكايات الصينية الخيالية وقدراتها التقنية الهائلة علي صعيد استخدام الكومبيوتر لتحقيق أرقي الخدع البصرية، نعود مع صورة رائعة بألوانها وتفاصيلها الي حكاية قديمة من آلاف السنين، لا تتجاوز اطار الوعد بعدم الحب حين يقدم للآلهة، لنسير في صراع تقــني باهر مع الآلهة، وصولاً الي الأمل!2