لبنان الهُلامي شاهد على كلامي

حجم الخط
0

من ضد من في لبنان؟ يقولون أنّ جماعات 14 أذار هم ضد جماعات 8 أذار. نعم هم جماعات في كلا الطرفين، تجمع فيما بينهم عطاءات المملكة العربية السعودية وإيران، الظاهرة والخفيّة، المشبوهة وغير المشبوهة.
ويقولون أنّ الصراع بين السنّة والشّيعة يعود الى أسباب دينية بحتة. لكنّ الواقع يقول أن ليس معظم السنّة والشّيعة بل حفنات منهم يتقاتلون مع بعضهم البعض. الاكثرية يستنكرون هذا القتال الدائر في اليمن والعراق وسورية وشمال لبنان بين الجماعات ‘التكفيريّة’ في كلا الطائفتين.
ويقولون ان الأطراف المسيحية تتنازع فيما بينها ويدّعي كل فصيل منها التمثيل الحقيقي للمسيحيّين. لكن هناك لغط وغموض عارم حول فهم هذه المجموعات الطائفية ومدى مصداقية تمثيلها للمسيحيين. انها جميعها دون استثناء أي جماعة – تشكيلات عسكرية ضيقة ومتحاربة لا تمثل المسيحيين بل أدوات لدول خارجية، تعيث فسادا وإفقارا وقتلا في المجتمعات المسيحية منذ تأسيسها.
ويقولون أنّ الخلافات والاختلافات على تشكيل الحكومة مردُّها الى التدخلات السعودية والايرانية، والحرب الدائرة في الجوار السوري. لا أنكر وجود مثل هذه التبريرات، لكن الواقع يثبت أن جميع هذه المجموعات، أكانوا في السلطة حاليا أو في المعارضة، هم جميعا مستفيدون من هذا الفراغ الحكومي لا بل السلطوي ويتقاسمون ‘جبنة الخزينة’ بالتساوي فيما بينهم، والدائرة تدور فقط على عامة الناس، دافعي الضرائب لزعامات كلّ هذه الزرائب ‘السياسية’.
ويقولون أن اسرائيل والسعودية وأمريكا وقبرص هي الدول الممانعة لاستخراج النفط من البر القارّي اللبناني. لكن القضيّة الحقيقية يختصرها واقع الإختلاف على كيفية تقاسم هذه العائدات على أساس طائفي ومذهبي وسلطوي، بعيدا عن المصلحة الوطنية التي تستدعي ضرورة تحويل العائدات النفطية المحتملة لتسديد مليارات العجز المالي وتوفير حياة فضلى للمواطنين.
ويقولون انّ مئات الآلاف من النازحين السوريين الى لبنان يشكلون أزمة اقتصادية خانقة، بينما نشاهد على أثر ذلك، حركة اقتصادية ناشطة في معدل الاستهلاك اليومي وارتفاع في شراء العقارات والشقق وزيادة الودائع المالية في المصارف اللبنانية. ان غالبية اللبنانيين يرزحون تحت خط الفقر ويقتاتون على التحويلات المتواضعة التي يرسلها لهم أبناؤهم العاملين في الخارج. لا بل ان بعض اللبنانيون يعتاشون من بدلات أيجار منازلهم الى الرعايا السوريين. أن الحملات الاعلامية التي تسوّق توسّل وتسوّل المسؤولين في لبنان لمساعدة النازحين السوريين الذين لن ينالوا منها شروى نقير لن ينتهي معظمها سوى الى جيوب الفاسدين في الهيئات ‘الاغاثية’ الوهميّة.
ويقولون ان القتال المتقطع الدائر بين منطقة جبل محسن وباب التبانة، في مدينة طرابلس في شمال لبنان، لا يمكن التوصّل الى إبطاله محليّا. وحقيقة الامر ان تجار الاسلحة المحليّين والزعامات الطرابلسية المتراقصة على لقمة عيش وأرواح الفقراء هي السبب الرئيسي في استمرار هدر الدماء على ايقاعات السماسرة والاوصياء.
وفي الخلاصة، يمكن القول أنه لا يوجد في لبنان شعب. لا توجد سوى ديمقراطية دينية طائفية مذهبية اقطاعية مالية تخنق اصوات المقترعين وليس الناخبين بدءا من المجالس البلدية ووصولا الى المجلس النيابي. في لبنان قطعان لا تصلح سوى قرابينا للذبح في هياكل أمراء الحروب. في لبنان مجموعات بشرية هلامية تتزاحم على الطرقات وتشاتم في زحمات السير وتتباهى بدونيّتها في حضرة ‘التيس الزعيم’ وتتماهى في ضحالة التشوّف الخاوي وتتفوّق في سعدنتها وشطارتها على السعادين والقردة، ويدخنون السيجار الكوبي بعد تناول علب السردين المغربي مع البصل والفلفل الحارّ. كل ما يمكن أن يتصوره عقل البشر في لبنان لا يتعدى الوجود الهلامي – باستثناء أمراء الحروب اللامتناهية، الذين لا يعجّزون ولا تشيب شعورهم ولا يخطئون ولا ييأسون ولا يأسفون ولا يستدعيهم الله ليوم الحساب.

سعد نسيب عطاالله لبنان
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية