تونس- من عمار العوني: إن النص الروائي الجيد هو النص الذي يستثير صمت القارئ ويقتحم عليه هدوءه المعتاد فيدفعه إلى قراءته ومحاورة أبنيته ومضامينه. ينطبق هذا القول على رواية ‘روائح المدينة’ (1) للكاتب التونسي حسين الواد (2) وهي من بين النصوص الروائية اليتيمة التي أعادت للسرد الروائي التونسي وهجه الضائع وساهمت في نفخ الروح الأدبية الحارقة في تجاويفه الباهتة إلى جانب نصوص سردية أخرى لافتة لصلاح الدين بوجاه وفرج لحوار ومنصف الوهايبي.
لقد فاجأ هذا الكاتب الهادئ الميال إلى الصمت المطبق والانكفاء على جراحات الذات المتلفعة بالعتمة والعاشقة للارتحال الدامي في هضاب الكتابة وأوديتها النازفة المهتمين بالإبداع الأدبي في الوسط الثقافي التونسي بهذه الرواية البكر منذ حوالي سنتين إلى جانب نص روائي آخر ‘سعادته السيد الوزير’ وهو نص يضرب بأحداثه ومضامينه في فضاء السلطة السياسية وفساد الشأن السياسي قبل ثورة 14 كانون الثاني/ جانفي 2011.
المدينة .. روائح واستعارات:
يوحي عنوان هذا النص الروائي ‘روائح المدينة’ بصلة بين المدينة/المكان ودلالة الرائحة مــن البقايا والافرازات الطبيعية والبشرية إلى معاني الطيب والعنبر والمسك والبخور وما يتداعى عنها من تجليات وطقوس وعوالم وتهويمات تطهرية ودينية وجنسية وثقافية بل وحتى ثقافية وسياسية. فالمدينة هنا كما بدت تلميحا لا تصريحا هي ‘المكنين’ وهي مدينة صغيرة ليست بعيدة عن مدينة المنستير مسقط رأس الحبيب بورقيبة أول رئيس للدولة التونسية بعد الاستقلال وأول زعيم سياسي يكرس صورة الحاكم المستبد في العالم العربي المعاصر. أما الروائح التي يرصدها الراوي ويصف خصائصها وطبائعها وألوانها في هذه المدينة فتبدو للقارئ متعددة ومتشعبة الصور والاستعارات إلى حد جعل الراوي يرتفع بتجلياتها وأوصافها إلى تخوم العجائبية والأشياء غير المألوفة.
في المدن الأخرى القريبة والبعيدة:’هذه التي يحسدنا عليها جميع الأجوار، يستكثرون اسم المدينة فيها ويزعمون…أنها قرية مثل القرى التي يسكنون،روائح آية في الغرابة والعجب.روائح تنبعث وتعبق وتتضوع وتزكو وتنتشر وتتأرج وتسرح وتخطر وتسطع وتفوح وتعرج وتعــــــــــج وتتأجج وتتوهج وتمرح وتتهادى وتفور وتفغم من وفي وعلى أرضها وفضاءها والسماء…’ (3)
لعل من بين نماذج الروائح التي يصطفيها الراوي في وصفه للمدينة روائح زيت الزيتون التي تضوع كل موسم وتملأ كل أرجاء المكان انطلاقا من معاصر الزيتون في هذا الفضاء التي تخيم عليه أطياف الريف.ذلك أن هذه المدينة التي يقوم جانب هام من اقتصادها على الفلاحة وتسويق زيت الزيتون كان فلاحوها وأهلها عرضة لابتزاز النظام السياسي واستغلاله الاقتصادي منذ فترة الاستعمار الفرنســـي وحتى بعد الاستقلال:’ لم تخيم روائح الزيت على مدينتنا مثلما خيمت عليها طيلة عهد دولة الاستعمار والحماية.كانت تتضوع في أرجائها من المعاصر والدور والجنائن ومن الرجال والصبية والطير والحيوان والزواحف.أما النساء فكدن يصبحن زيتا خالصا خاصة عندما صرن يصنــــــعن منه ذلك الصابون الأبيض العطر المعشق بأعواد القرنفل الممزوج بالمسك الذي ظلت عرائســــــــنا إلى اليوم يحرصن على جعله في جهازهن عولة سنة يتعطرن سنة يتعطرن به خلالها فله في تأليف القلوب على القلوب وعطف الجلود على الجلود مفعول خاص’ (4). كما أن روائح الماخور من بين الروائح التي يلح الراوي على الإمعان في وصفها وربما المبالغة في ذلك في مفاصل عدة من المسار الســـــــــردي للأحداث في هذه المدينة العجيبة، وفي ذلك إيماءات أنتروبولجية إلى المسألة الجنسية وتشعباتها الثقافية وخلفياتها الاجتماعية المعقدة في مجال ثقافي عربي إسلامي. إن الدلات الرمزية لحضور ‘الماخـــور’ جنسيا وثقافيا في هذا النص الروائي ليست معزولة عن السياق الاجتماعي الذي تشكــــــــل في إطار السلطة السياسية للاستعمار الفرنسي،فتنظيم شرب الخمر اجتماعيا وسياسيا ارتبط بمجيئ الأوروبيين المستعمرين،ثم إن إحداث الماخور كان أيضا مرتبطا بالاستعمار الفرنسي وتشريعه لهذه المؤسسة الجنسية الوافدة مع نظام الحماية والاستغلال الاقتصادي والمسخ الثقافي:’شيدت دولة الاستعمــــــار والحماية عندما اطمأنت على مستقبلها بناية واسعة بمدينتنا جعلت قسما منها مركزا للبريد والتلغراف
وقسما للتعداد والإحصاء وجعلت القسم الثالث وهو على حاشية من القسمين في شبه زاوية ‘حانة’ سماها صاحبها الايطالي ‘لوكاري’ وسماها روادها ‘طبرنة كري’. ما كادت الأفواه الصالحة تكل من لعن دولة الاستعمار والحماية الفاسدة التي تفتح لأم الكبائر بيتا يعاقرها فيه الذين أظلهم الشيطان حتى قام أحد الأغراب من القريقيين (اليونانيين) فجعل يسعى ويضطرب للحصول على ترخيص بفتح ماخور. اغتاظ أهل مدينتي من هذا الرجل لأنه كان سافلا وسخا فاجرا فاسقا كذابا نماما. استفظعوا أن يتجرأ عليهم فيفتح بين ظهرانيهم محلا لممارسة تلك الأشياء التي لا تسمى عندنا علنا إلا عند الضرورة.اكترى الرجل بناية مهدمة في وسط المدينة وشرع في ترميمها.رأى الناس في ذلك علامة من علامات اشراف الدنيا على نهايتها…'(5).وهكذا تسربت المؤسسات الاجتماعية الأوروبية الى ذاكرة هذه المدينة-مثل أغلب المدن التونسية الأخرى-و اختلطت بثقافة أهلها وعاداتهم ومنها المؤسسة الجنسية/الماخور التي أصبحت واقعا اجتماعيا مألوفا:’عندما ألف الناس الماخور وأحبوه وأدخلوه في حياتهم العامة والخاصة رغم استمرار إمام الجامع القديم في لعنه والتعريض بقاصديه…جاءه صاحبه بنساء عربيات.استفظع أهل مدينتي الأمر أياما.كانوا يقولون:أيكون هذا والعربية لا تأكل بثدييها؟لكن فاحت منه روائح أحاديث خضراء ندية فاحشة مستهترة فيها مسك وعرار وعود وقرفة وخزامـــــى وحرقوس وحنة.تجاري إليه الرجال.كثر الزحام.كل يطلب هندا وأروى وليلى وسعاد. يريدها مبخرة بالعود والعرار والخزامى.قال رواده الخبراء بأسرار المواخير المخبوءة:إن الذي أصبح فيه فوق العجب.حتى الروائح تغيرت وتغيرت معها الطقوس.صار النازل إليه يمر بأطوار تسمى مقامات يشهد فيها حالات تنتهي به عند الخروج إلى الهذيان.تحدث أهل مدينتي فأكثروا عن الأبخرة والأدهــــــــان والأشربة التي كانت تستقبل بها العربيات الحرفاء. لكن المؤرخ الحزين كان ينفي برأسه ويقول بكثير من الإصرار:تهيؤات،أوهام،دجل. ليس في الماخور إلا روائح الماخور. أشاع بعض الخبثاء أن مؤرخنا الحزين حزين لأنه مسكين عنين'(6)
روائح القمع السياسي:
و المتأمل في المسار السردي الذي تلف فصوله وتقاطعاته تدخلات الراوي معلقا على بعض الأحــداث في هذه المدينة الساحلية يسجل هيمنة بعض الصور السياسية والاجتماعية على المشهد الروائي.فهـــناك حضور مكثف لصورة المدينة المقهورة/ المتمردة على السلطة التي يتجرع سكانها ألوان الاستبـــــــــــداد السياسي والتهميش الاقتصادي والاجتماعي بل حتى البيئي سواء في عهد الاستعمار الفرنسي أو في ظل حكم دولة الاستقلال وحتى مع نظام العهد الجديد الذي تهاوت أركانه تحت زلزال ثورة 14 كانون الثاني 2011: ‘فاجأ العهد الجديد جميع الناس.انصرفوا عن روائح النساء إلى روائح السياسة.ظلوا يتنســــــــمون الأخبار بين أمل وتوجس وتفاؤل ويأس.انتظروا أن يفتح أرباب العهد الجديد ملفات كانت محفوظــــــــة مفتوحة.لكن أرباب دولة الاستقلال والسيادة سرعان ما اندمجوا في أعيان دولة العهد الجديد.ذبـــــــــــحوا الذبائح.وزعوا العطايا والهبات.جلبوا فرق التطبيل والتزمير…سيكون هذا العهد السعـــــــــيد مباركــــــا على البرئ والمذنب،على المجرم والضحية،على الغني والفقير…'(7). وكانت سياسة العهد الجديـــــــد أوغل في الاستبداد والقهر وقمع المعارضين يمينا ويسارا حتى انقلب العمل السياسي إلـــــــى خطيئة لا تغتفر وامتلأ سجن المدينة بالشباب وبلغت صور التنكيل والتعذيب مدى رهيبا: ‘امتلأ حبس النعجــــــة بالشباب الملتحي جر إليه أناس بلا لحي،وجدوا أنفسهم في قائماتهم.انتشرت روائح تعذيب وتنكيـــــــــــــل رهيب…تضوعت روائح الإشاعة باكتشاف أسلحة ومخططات وأعمال إرهابية…شاهد المؤرخ الحزين الاستئصال يبلغ مــــــــداه ورأى الفرحة والشماتة في كثير الوجوه'(8).
إشكالية الآخر’اليهودي’:
لعل إشكالية الآخر’اليهودي’ من بين أهم الإشكاليات الدينية والثقافية التي خيمت على عدة فصول من هذا العمل الروائي.فالعلاقة بين العرب المسلمين من أهل هذه المدينة وبين اليهود الذين التجأ واليها وجاؤوها من بلدان أخرى هي علاقة تندرج في سياق التفاعل الجدلي بين الأنا والآخر وتتجلى في صور ومواقف اجتماعية وحضارية تراوح التعايش حينا وبين التنافر والصدام أحيانا أخرى.
إن علاقة الحب التي جمعت بين الراوي’المؤرخ الحزين’ وبين الفتاة اليهودية ‘وداد’ إن كانت تترجم عن شعور إنساني كوني فإنها انتهت إلى القطيعة والفراق الأبدي لأن هذه الفتاة قد سافرت فجأة مع أهلها إلى حيث لا يعلم أحد:’ يجمع يهود مدينتنا عندما كانت طائفة منهم كبيرة،على أن يوم الأربعاء من أفضل أيام الأسبوع.للناس فيه أجل المكاسب. قال المؤرخ الحزين وكان يرمى بتعشق حسناء من حسانهم كانت تدعى وداد، أضرمت في قلبه نارا وسافرت.فظل يجهد عمره لاخماد ذياك الحريق:يذوب الجلمود ولا يصفى اليهود.أ لا ترون يصرون على استعمال ‘من’ ويربطون التفضيل بما يحصل لهم من كسب…يبكر يهودنا يوم الاربعاء مبتسمين ضاحكين مستبشرين،يلقون بالتحية على كل مار،يفركون كفا بكف.يفتحون حوانيتهم الصغيرة الضيقة بمدخل حارتهم قرب الساباط.يجلسون حذو الباب على مقاعد لا تتسع لأكثر من شخصين. يتوافد مشترو المصوغ والحلي وبائعوه وراهنوه’ (9).
إن القارئ لتفاصيل البنية الاجتماعية لهذه المدينة كما كشف عن بعض تفاصيلها النص الروائي الذي بين أيدينا يستكشف صورا متعددة لحضور ‘الآخر’ اليهودي في الفضاء الاجتماعي التونسي.
فالخطاب السردي يحيلنا في حيز هام من الأحداث المفصلية على قوة تموقع الطائفة اليهودية في النسيج الاجتماعي من حيث تأثيرهم الاقتصادي ونفوذهم التجاري والمالي حيث تبدو صورة اليهودي هنا مرادفة لقوة المال والسيطرة على مجال التجارة ومصادر الثروة الاقتصادية ويكون الاستغلال المالــي والاقتصادي هنا مرتبطا بالشخصية اليهودية:’قال رجالنا:يهودنا محارم لنا. تحل لنا نساؤهم ولا تحل لهم نساؤنا. ليس من رجل في مدينتنا ليس لليهود عليه دين بالربا أو رهن’ (10).
ثم إن صورة الآخر المحيلة على الفساد الأخلاقي والتسيب الجنسي تلتصق هنا بالشخصية اليهودية من خلال إيحاءات بنية الخطاب السردي. لهذا يصبح الحضور الثقافي اليهودي منبعا لتهديد القيم والقوانين الأخلاقية للمجتمع العربي المسلم:’ عندما اكتشف منزل على مقربة من حارة اليهود، جعلته يهودية قبل إنشاء الماخور وقيل أيضا بعد إنشائه ملتقى للبغاء وتصريف المغيب كانت تتردد عليه مسلمات،ركب رجالنا غضب أسود.تكاثروا على المنزل هموا بإحراقه بمن فيه.تعرض آخرون إلى يهوديات في الطريق،قبضوا عليهن وهددوا بالثأر للعرض..'(11)
وإذا كانت صورة الآخر ‘اليهودي’تبدو منسجمة حينا مع واقع التعايش الديني والاجتماعي في هذه المدينة فإنها تنقلب أحيانا أخرى إلى صور مغايرة يشكلها التنافر والتناقض الثقافي بل حتى الصـراع والصدام:’جاءت الهيعة الأولى والسوق الأسبوعية في ذروتها.فاجأت جميع الناس.تفاجأ بها اليهود. غلقوا حوانيتهم على عجل.اندسوا تحت الرفوف.لم يلحق الحارة في معمعان الهيعة أذى كبير.بعض حجارة رمى بها صبية البيعة ونهب خفيف لبعض الحوانيت غير المحصنة.لكن الأحبار بدأوا يتساءلون عن المستقبل الذي تخبئه لهم مدينة ينفجر فيها فجأة مثل هذا العنف’ (12).وهناك صورة أخرى للآخر’اليهودي’ تبدو موغلة في الوحشية وملتبسة بجرائم القتل والعنصرية اكتشفها أهل هذه المدينة التونسية بعد رحيل اليهود الذين كانوا يسكنون إلى جوارهم إلى ‘أرض الميعاد’ خفية وتسترا:’ اكتشف أهل مدينتي أن يهودنا رحلوا إلى فلسطين…جاءت الأخبار ببعض المجازر التي اقترفها اليهود لم يصدق أكثر الناس تلك الأخبار.استغربوها.كذبوا بها.قالوا:إن تكن صحيحة فهي ليست من يهودنا.نعرفهـــــــــــــم ويعرفوننا. وعندما شاهدوا في بعض الصحف صورا لأشهر قادة العصابات الصهيونية تبينوا في بعضها أحد الشبان الذين طالما جابوا الأزقة والشوارع بمدينتنا وجلسوا في مقاهينا وترددوا على النوادي التي أنشأتها الصداقة اليهودية الإسلامية. ظلوا بين مصدق ومكذب.غضب شبابنا غضبهم الأسود.تجمعوا أمام الجامع القديم،انتظموا في مظاهرة جعلت تجوب الشوارع وتكبر وتكبر حتى إذا استوت كاسحة اتجهت إلى حارة اليهود فطافت في أرجائها واقتحمت البيعة'(13) ولا بد من الإشارة إلى أن هذه التجربة السردية البكر للكاتب حسين الواد هي من التجارب الإبداعية القوية من حيث ارتقاؤها بوظيفة الرواية في تعرية الواقع وتشريح مظاهره مع الجنوح إلى استدعاء الرمزية وتكثيفها أحيانا على مستوى بناء الخطاب السردي. وتظل بعض المظاهر الأسلوبية والسردية الأخرى مثل تعدد شخصية الراوي وتلاشي حضور الشخصيات الروائية وكذلك حدود علاقة المؤلف بالراوي في حاجة إلى قراءة تحليلية أخرى تكون أعمق وتكشف عن تجليات الإبداع السردي في هذا النص المفتوح على آفاق أوسع.
هوامش:
(1)روائح المدينة/سلسلة عيون المعاصرة،دار الجنوب للنشر،تونس أفريل 2010.
(2)حسين الواد: أستاذ الأدب القديم والنقد بكلية العلوم الإنسانية 9أفريل تونس.
(3) رواية روائح المدينة: ص25.
(4) م،ن ص:61
(5)م،ن، ص 96.
(6)م،ن، ص:101
(7) م،ن، ص:166
(8)م،ن، ص:340
(9)م،ن،ص:81
(10)م،ن،ص 82
(11)م،ن، ص،ص:27-218
(12)م،ن،ص:223
(13)م،ن،ص:225.
(*)كاتب وباحث تونسي
[email protected]