صحف بريطانية: في سورية لم يعد هناك ثورة بل حرب أهلية لم نعد نتحدث عن مواجهة النظام بل تآمر المعارضين على بعضهم البعض

حجم الخط
3

لندن ـ ‘القدس العربي’ ‘ لم هذه تعد ثورة بل تحولت إلى حرب أهلية’، فقد حل الإقتتال والتنافس بين الجماعات المعتدلة والجهادية محل الآمال العالية للإنتفاضة وجعلت قادتها الأول يعيشون حالة يأس’. هذه الحالة المأساوية التي وصلت إليها الثورة السورية جعلت من رجل أعمال ذي نزعة سلفية يتمنى بقاء الأسد في السلطة عامين أطول لأن انهيار نظامه سيضع الختم على الكارثة التي تعيشها سورية، وستتقسم البلاد.
ورجل الأعمال هذا واحد من مجموعة من الرجال الذين قابلهم مراسل صحيفة ‘الغارديان’ غيث عبدالأحد على الحدود التركية، حيث وصفوا حال الثورة التي انزلقت من حالتها السلمية إلى عنف طائفي، حيث حلت الشعارات الأولى للثورة ‘حرية، إسلام، عدالة اجتماعية’ بشعارات’خيانة، هزيمة وغضب موجه ضد الميليشيات والجهاديين والقوى الأجنبية التي تقاتل على أرض سورية’.
ويعبر رجل الأعمال وآخرون عن استغرابهم من حال الثورة وما آلت إليه، حيث تتغير التحالفات ومعها تتغير الأهداف التي يودون تحقيقها، فالعدو/ النظام بعيد عنهم والجهاديون يعملون قربهم، فيما تتراجع مواردهم أما عائلاتهم فممزقة، وخسروا مزارعهم وقراهم للميليشيات التابعة للنظام، فيما أظهر حلفاء الثورة عدم مصداقية او في أحسن حال يقومون بالتآمر على بعضهم البعض.
وتحدث الصحافي إلى رجل أعمال ومهرب ومنشق عن الجيش السوري حيث قرأ من خلال شهاداتهم حال الثورة السورية اليوم. ويقول إن رجل الأعمال اكثر الرجال دهاء وحنكة، فهو سلفي ملتزم، وكان مرة رجلاً ثرياً من مدينة حمص، ولكنه بعد عامين ونصف من الحرب، أنفق كل ثروته على شراء الأسلحة والذخيرة، وما تبقى منها ينفق على عائلات القتلى والجرحى وعائلات المفقودين الذين يقبعون في مخيمات اللجوء.

3 بدل من 10 دويلات

وعبر رجل الأعمال عن مخاوفه على سورية حيث قال ‘أريد بقاء بشار لمدة عامين’، و’ستكون كارثة لو سقط نظامه الآن، لأننا سنقسم الى دويلات ستتقاتل فيما بينها وسنذبح بعضنا البعض، سواء كنا قبائل وإسلاميين او كتائب’ مقاتلة. ويضيف أنه لو بقي النظام لعدد من السنوات فقد يتفق خلالها المقاتلون المعارضون له على شكل ‘سورية الجديدة’ وعندها ‘قد ننتهي بثلاث دول لا عشر’كما هو متوقع. ولكن رجل الأعمال توقع استمرار القتل الطائفي حتى يتم تحقيق التطهير الطائفي في كل سورية والمنطقة مضيفاً ‘ إما العلويون او السنة، إما هم أو نحن، ربما بعد عشرة أعوام قد نشعربالملل من قتل بعضنا البعض ونتعلم كيف نتعايش’، ولكن هذا سيكون بعد عشرة أعوام وليس الآن على حد قوله.
وما يجمع الثلاثة أنهم يعملون في كتيبة واحدة وكانت تعتبر المفضلة للقطريين والدعاة السعوديين والنواب الكويتيين الذين كانوا يتبرعون اليها بالمال. ويلتقي رجل الأعمال بشكل دوري مع المسؤولين الأمنيين التركيين الذين يعملون على تأمين شحنات الأسلحة عبر الأراضي التركية. ولكن تزايد تأثير الجهاديين والتنافس على الموارد الذي تدفعه عوامل شخصية أكثر من كونه أيديولوجيا أدى إلى إخراج الكتيبة من مركزها في شرق البلاد الغني بالنفط ، ورحيل الكثير من مقاتليها إلى كتائب أخرى فيما قام بعضهم بالإعلان عن انشاء كتائبهم الجديدة.
وكانت نتيجة ما حدث هو اتهام المتبرعين الخليجيين للثلاثة بأنهم يقومون ببذر بذور الفرقة في المجتمع، وقرروا التوقف عن دعمهم وتقديم الدعم لجماعات إسلامية متشددة بدلاً من ذلك. ويقول رجل الأعمال في أثناء الحديث ان ما يجري في سورية ‘لم يعد ثورة ضد النظام بل هي حرب أهلية’.

المهرب

في اليوم الثاني قابل الصحافي المهرب الذي جلس مع رجلس الأعمال في غرفة أثاثها قليل حيث تحادثا حول شحنة مفقودة للصواريخ، ويشير إلى تاريخ المهرب هذا الذي أنشأ أول شبكة تهريب له عندما كان في عمر الـ17 ولم يحمل في حياته جواز سفر أو هوية، لكنه يتاجر في كل شيء من الأسلحة إلى السيارات، ويعرف كل طرق التهريب عبر لبنان.
ويشير إلى بيت عائلته من خلال ‘غوغل ارث’ حيث كانت تعيش عائلته الممتدة فيه، ويقول إنها الآن مشتتة، فعندما كانت في سورية كان يخاف عليها، وفي الوقت الحالي ‘خرجوا، وفقدت ارضي، فإني وصلت حالة من اليأس’ لدرجة أنني في بعض الأحيان ‘لا أستطيع التنفس’ لثقل العبء الذي يحمله تجاه عائلة مكونة من 20 فرداً وعلاقته بالثورة التي قال إنها بدأت منذ البداية ‘وكنت أظن ان هناك تقدما سيحصل، أما الآن فقد خسرنا كل شيء ولم نعد نتحدث عن خطط عسكرية وضرب النظام بل نتآمر على بعضنا البعض’.

الملازم المنشق

أما الرجل الثالث فهو المنشق عن الجيش، بدوي قضى طفولته في الرعي وكان يقضي أسابيع مع مواشيه وهو يتنقل معها عبر التلال الجرداء. وكانت المدرسة تبعد عن محل إقامتهم 3 كيلو مترات. ومثل بقية البدو انضم للجيش بعد إكماله الشهادة الثانوية وتدرج في سلك العسكرية حتى أصبح برتبة ملازم.
وعندما اندلعت الإنتفاضة انضم للمقاتلين في الشمال، وصنع سمعته عندما قام بمهاجمة قاعدة عسكرية وغنم منها العديد من الدبابات ليصبح قائد أول فرقة مدرعات في المعارضة.
وفي تلك الأيام كان بلحيته التي تشبه لحية تشي غيفارا يقرأ كتب التاريخ ويحاول استلهام دروس منها خاصة التكتيكات التي استخدمها الروس في الحرب العالمية الثانية. وهو لا يتحدث كثيراً وان فتح فمه فإنه يتحدث بصراحة لدرجة الوقاحة حسب التقرير. ويقول التقرير إن الملازم كان حريصاً على فرض الانضباط في فرقته العسكرية والذي لم يكن يتحقق بدون الإحترام والسجل القتالي في المعركة، فهو كما يقول الملازم السابق ليس لديه سجن أو مال ليقدمه للمقاتلين.

في المعسكر

وفي زيارة لسورية، بمعية المهرب ورجل الأعمال حيث قابلوا الملازم في معسكره، وقال لهم إنه ‘في وضع مستحيل، فالجيش متقدم علي وهم يحاصرونني من الخلف’، وكان يقصد بـ ‘هم’ مقاتلو القاعدة المرتبطين بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، فهو لا يستطيع والحالة هذه هزيمة ‘الدولة’ كما يطلق على ‘داعش’ في مناطق الشمال. واعترف القائد العسكري بأنه غير قادر على هزيمة القاعدة وقال إنه قواته على حافة الإنهيار ‘وقد أواصل لمدة شهر، لكن داعش تتوسع بطريقة مخيفة’. وأشار القيادي إلى مشكلة المقاتلين وهي عدم قدرتهم على توفير الإحتياجات الخاصة للسكان، والتعامل مع المدنيين مقارنة مع الجهاديين الذين يقومون بتوفير الخدمات الأساسية.
ويرى أن سيطرة هؤلاء على المدن تعني امتداد سيطرتهم على الأرياف، وهم يتقدمون لإحكام السيطرة على كل المنطقة القريبة من الحدود مع تركيا. ويعني هذا مزيداً من نقاط التفتيش. ويضيف أن مصير كتيبته معلق بمصيره ‘اقتلني وتنهار الكتيبة’ أما داعش فلديها بنية قادرة على المواصلة. ويقول ‘قلت للقادة دعونا نتفق على شيء واحد ونتحد ضد الجهاديين، وفي حالة سيطرنا على الجزء الشمالي من البلاد فسنخنقهم’ و ‘لكننا لم نقرر حتى الإتحاد ضد بشار الأسد فكيف نتحد ضد الإسلاميين’.
وأضاف في الطريق للقاعدة أن الجهاديين في غضون شهر قد يسيطرون على المنطقة ويقيمون والحالة هذه نقاط تفتيش ‘ولن نتمكن الدخول لهذه المناطق بدون المرور عليها’.

ماذا أنجزت؟

وقيم القائد تجربته في القتال قائلا إنه يقاتل منذ عامين ونصف ‘قل لي ماذا حققت؟ كل ما أفكر به هو الهجوم على نقاط التفتيش وتحضير الدبابات للهجوم عليها’. فلم يكن لديه الوقت الكافي للإهتمام بشؤون الحكم والإدارة ‘هل فكرت بالعمل مع المدنيين التي تقع تحت سيطرتي وإيصال الكهرباء أو توفير أي شيء لهم؟’ مضيفاً إلى قدرة الجهاديين على توفير الخدمات حتى لو ‘قتلت الجهاديين فمؤسساتهم تظل قائمة’.
ويقول إنه يشعر وكأنه غائص في بحر من القيل والقال و’أريد الإبتعاد عنها ونسيان كل سخافة الحرب، فالمناطق المحررة تعيش حالة فوضى، وهناك براءة وطهر أكثر على الجبهات’.
ويشير التقرير إلى محاولات رجل الأعمال التوصل لهدنة مع الجهاديين مشيراً إلى أن المواجهة معهم قد بدأت فعلاً. ويقول القيادي إنه لا يخشى من الجنود لأنهم مسلحون، فإما أن تشتري أسلحتهم او تقتل قائدهم ولكنه يخشى من أبناء القبائل والإسلاميين، فهولاء موالون لقبائلهم ولعقيدتهم. ويضيف أنه لا مشكلة لديه مع داعش لانها لن تكون قادرة على قتالهم ولا يوجد أي مبرر للقتال. ولهذا تقوم داعش بمهاجمة الوحدات الصغيرة والضعيفة تحت ذريعة ان قائدها رجل عصابات أو قام بعمليات نهب.

إقتربنا من النهاية

ويعترف القائد أنه وصل خط النهاية في المعركة، خاصة أن الجبهة التي حاول المقاتلون فتحها في ريف حماة من أجل لفتح جبهة جديدة مع قوات النظام وللحصول على غنائم تباع لتوفير الطعام للمقاتلين. ويقول القيادي أنه يواجه خيارات صعبة في كل الإتجاهات: هل يبيع دباباته؟ ويوزع الأموال على جنوده، يخسرها للأسلاميين؟ أم يقوم بتدميرها؟ ويقول إنه ‘لو لم نحصل على الدعم فسنخسر وسنصل مرحلة لا خيار فيها إما تقديم قسم الولاء للإسلاميين او القتل’.
وعلى الرغم من حضور المراسل بعض المواجهات بين المقاتلين وجيش النظام في ريف حماة إلا ان القائد العسكري يصف وضعه بالقول ‘منذ ثلاثة أيام وأنا اقوم بضرب نقاط التفتيش، وأسأل نفسي لماذا؟ أنا لا أعرف، ربما لأنني اريد ان أشغل المقاتلين بشيء، لا أعرف ما الهدف من كل هذا، في سورية كل شيء انتهى ولا أحد ينتصر’. وفي الطريق إلى القاعدة يقول القيادي ‘بعد ثلاثة أعوام تقرييا اكتشفنا أننا مقاتلون أشداء ولكن ساسة ضعفاء، نعرف كيف نحمل البندقية، ولكن لا نعرف من هو المستفيد من كل هذا’.

في اجازة

بعد يوم قرر الملازم أخذ إجازة من الحرب وبمعية المهرب وضابط آخر كانوا يتجولون في واحد من مراكز التسوق في اسطنبول التي تزدحم بالسياح العرب. فقد قرروا بعد عامين ونصف من القتال ترك سورية وللأبد. وفي مقهى ‘ستار باكس’ جلسوا يتمازحون ويشربون القهوة ومعهم أكياس التسوق، وهنا تساءل المهرب ماذا نفعل هنا، فيما ينهار العالم كله في سورية.
وفي قاعة من قاعات الطعام التقوا مع رجل أخبرهم أنه قادر على تهريبهم لليونان ومنها لإيطاليا ليبدأوا حياة جديدة مع عائلاتهم.
ويختم الصحافي تقريره في اسطنبول حيث ذهب رجل الأعمال لحضور مؤتمرنظمه الإسلاميون لدعم الأخوان المسلمين في مصر، وقد ضم الإجتماع ممثلين من كل أنحاء العربي. ويعلق رجل الأعمال على بعض المشاركين ومنهم نائب كويتي كان يدعو للإعتدال مع أنه نفسه كان يبعث التبرعات للجهاديين. وفي النهاية لم يذهب الملازم إلى اليونان ولم يبق في تركيا بل عاد إلى سورية لأنه لم يكن قادراً على ترك جنوده وحدهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية