يصوغه المثقفون والمفكرون في كل البلدان العربية: مشروع الوطن العربي الجديد بدلا من الشرق الأوسط الجديد

حجم الخط
0

يصوغه المثقفون والمفكرون في كل البلدان العربية: مشروع الوطن العربي الجديد بدلا من الشرق الأوسط الجديد

هويدا طهيصوغه المثقفون والمفكرون في كل البلدان العربية: مشروع الوطن العربي الجديد بدلا من الشرق الأوسط الجديد ضجت رؤوسنا بهذا الشرق الأوسط الجديد! لكن المسألة هي أبعد وأخطر من مجرد (ضجيج)، فالشرق الأوسط (القديم) ليس هو ما يستحق الدفاع عنه باستماتة علي كل حال!.. إنما هو ـ الإنسان العربي ـ الذي يجد نفسه الآن أمام عدة أسئلة ليس مطروحا بشأنها رفاهية التغاضي عن البحث علي إجابات لها، ليس أول تلك الأسئلة ما هو ذلك الشرق الأوسط الجديد؟ وما هي خطورته ولماذا يأتينا من الخارج.. ولماذا يعارضه هؤلاء المفكرون والمثقفون من بيننا.. وما هو البديل وكيف نفرضه؟ بل.. ولماذا أصلا يجب أن يتغير ذلك القديم بذاك الجديد؟! وأخيرا.. هل باستطاعتنا ذلك أم أننا لم نعد نملك إلا الاستسلام.. وهل (الوقت) في صالحنا أم أننا حتي لو (أردنا) وحتي لو (أمكننا) فرض بديلنا فإن الوقت لن ينتظرنا.. أسئلة ربما ليس علينا فقط ـ في عالمنا العربي ـ البحث عن إجاباتها.. وإنما البحث حتي عن أدوات الإجابة الجديدة، بل والبحث عمن يضطلع بمهمة طرح الإجابة ومن يضطلع بمهمة تنفيذها.. إذا كان ذلك ممكنا.. الشرق الأوسط الجديدهناك مقال دال بعنوان (الشرق الأوسط الجديد.. الحقيقي) نشر يوم 20 أغسطس في الواشنطن بوست وكاتبه يدعي آفشن مولافي وهو من مؤسسة أميركا الجديدة (نيو أميركا فاونديشن)، قال مولافي في مقاله: إن شرقا أوسط جديدا بالفعل يولد كما قالت كونداليزا رايس.. ولكنه بعيد عن أجندة بوش الديمقراطية (بحسب ما يقول الكاتب) إنه انفجار استثماري بمئات المليارات من الدولارات علي يد جيل جديد من مستثمرين عرب في منطقة الخليج ومصر والمغرب ، وقبل ذلك استهل الكاتب مقاله بتساؤل ساخر قائلا: في الوقت الذي كانت تزداد فيه الحرب شراسة في لبنان.. ماذا كان يفعل عشرة ملايين سعودي؟ هل كانوا يتظاهرون للاحتجاج؟ لا.. هل كانوا يوقعون عريضة تطالب بوقف الحرب؟ لا.. هل كانوا يتجمعون لمقاطعة البضائع الأمريكية؟ لا أيضا.. إذن ماذا كانوا يفعلون.. كانوا يشترون الأسهم ! ثم راح يستعرض في مقاله بالأرقام عدة مشاريع اقتصادية تنشأ في دول الخليج ثم في مصر والمغرب والجزائر.. تؤسسها الحكومات الغنية في الخليج أو الأفراد الأغنياء هنا وهناك.. مئات المليارات من الدولارات العربية زحفت أيضا إلي باكستان والهند وماليزيا وإندونيسيا.. ثم اختتم الكاتب مقاله متسائلا: هل ما نشهده هناك (في الشرق الأوسط) هو نوع من النمو الاقتصادي أم مولد (صفوة) تصنع المزيد من المال؟ حتي هنا كان مقال مولافي وتساؤلاته.. أما تساؤلاتنا نحن هنا (في شرق أوسطنا!) فتختلف.. بل هي بالضرورة ستختلف.. هو الاقتصاد إذن.. هو المال، الذي يربط الغرب بالشرق.. ويربط الماضي الاستعماري بحاضر هو الآخر استعماري ومستقبل يبدو أكثر استعمارية وأشرس، هي الرأسمالية إذن.. التي تزداد توحشا وفتكا بملايين البشر.. من أجل أن يثري ثم يثري بها هؤلاء الذين وصفهم مولافي بقوله (صفوة) تصنع المزيد ثم المزيد من المال.. هذا هو الشرق الأوسط الجديد.. سوق كبيرة تملكها وتتحكم بها قلة هنا تابعة لقلة أخري هناك! ولا هدف لها إلا تحويل تلك السوق إلي ماكينة تصنع لها المال، بينما أكثر من ثلاثمئة مليون إنسان (سكان العالم العربي) ليس عليهم إلا أن يكونوا وقودا لتلك الماكينة المخيفة.. الشرق الأوسط الجديد، وفي خدمة ذلك الهدف الأسمي (بالنسبة لهم) يتم تسخير السياسة والثقافة بل والعلم، إسرائيل أداة من أدوات السياسة.. الدعوة إلي دمقرطة الشعوب العربية وأنظمة حكمها أداة سياسية كذلك.. والإعلام وهز الثقة في الذات الحضارية للشعوب أدوات ثقافية.. تديين الصراع علي الأرض والموارد أداة ثقافية كذلك.. والتكنولوجيا بكل صورها أداة علمية.. بدء بالقنابل والصواريخ وحتي وسائل الاتصال كذلك.. كلها أدوات تكثف قدراتها الفاعلة ـ باختصار ـ من أجل هذه السوق.. (بالطبع نفس اللعبة تجري في مناطق أخري.. آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.. كل حسب ما يناسبه من فعل، لكننا نهتم هنا جزئيا وإلي حين بمنطقتنا.. المنطقة العربية)، ولأن هذه السوق ستسحق حتما شعوب المنطقة.. فهي لا تصنع (تنمية من أجل الإنسان) وإنما (تبيع ذلك الإنسان وهما بل تبيعه هو ذاته) ولأن هذه السوق كي تنتعش تتطلب تشويه تلك الذات الحضارية لأبناء المنطقة العربية.. فإن هؤلاء المتقدين انتماءً.. للإنسانية عموما وشعوبهم خصوصا.. الذين ندعوهم (مثقفينا ومفكرينا) يعترضون علي هذا الشرق الأوسط الجديد أو لنقل (تلك السوق الجديدة التي تبيع الناس وهما وتبيعهم هم ذاتهم).. لكنه اعتراض عاجز بغير أدوات إلا من الحدس أو (الإحساس بالخطر).. وبلا بديل إلا من نقد الهجوم والتغاضي في الوقت ذاته عن لاعقلانية أدوات الدفاع.. وبلا نصير قوي.. فالعالم كله مأخوذ ـ كل في مكانه ـ باندفاع الرغبة المحمومة والهجوم المالي بقيادة الشركات المتحدة الأمريكية والشركات الأخري العابرة للقارات وأتباعهم المحليين.. بل هذا الاعتراض ـ المحق طبعا في رأي الكثيرين ـ لا يبدو (الوقت) في صالحه بالمرة.. فأمام هذا السيل المالي الذي تخدمه وسائل كلها فعالة.. لا يبدو أن (الانتظار) في صف هؤلاء المعترضين ومن خلفهم من شعوب لا حول لها ولا قوة.. إلا ربما التخبط والاقتتال فيما بينها علي أرصفة تلك السوق.. فما الحل؟ هل انتهي التاريخ؟ هل قضي الأمر؟ هل نترك أنفسنا لنباع في تلك السوق؟! أم.. أم ندافع عن أنفسنا.. الوطن العربي الجديدفي كتابه (بين الثقافة والسياسة) قال الكاتب الجميل الراحل عبد الرحمن منيف (مؤلف روائية مدن الملح): لقد انقضي قرن كامل ولا نزال ندور في دوامة خلقناها لأنفسنا، وجاء العدو الذي كان أوروبيا أول مرة ثم أمريكيا إسرائيليا بعد ذلك، لكي يدفعنا أكثر فأكثر للدوران الفارغ الأبله، دون أن نستطيع وضع العربة علي السكة كما يقال ، كذلك لاحظ سعد الله ونوس الراحل أيضا في (هوامش ثقافية): أولئك الرواد لو أطلوا من فوق حافة الزمن ونظروا إلينا لشعروا بالحزن مرتين، أولا لأن النهضة لا تزال تحتاج إلي نهضة، فنهضة علي امتداد قرن كان الانكفاء فيها أكثر من محاولات النهوض، وثانيا لأن أحفادهم فقدوا المبادرة وتكوموا علي هامش ثانوي كثير الضوضاء زهيد الفعالية ، مثقفونا إذن (يشعرون) بأن علة ما فينا وفي ثقافتنا وفي ذاتنا الحضارية ليست فقط تضعفنا أمام أعدائنا.. بل بسببها نفقد الطريق، وهذه (العلة) التي طالما بحثت عنها.. هاجسي الذي طالما دفعني للبحث عن مكمن (مصيبتنا).. ربما يكون أقرب تحديد لها أو له يجدر بنا تأمله هو ما وصف به المفكر الأمريكي غوندر فرانك (آلية الثقافة) في بعض المجتمعات عندما قال إن هناك ما يسمي (تطور التخلف)، لعله هو هذا.. تطور التخلف.. في ثقافتنا العربية، ضعفنا السياسي والاقتصادي والعلمي ربما يكون مرده أن (تخلفنا يطور نفسه!) يطور أدواته لإنجاز المزيد من التخلف! والمخرج من هذه الأزمة الحضارية هي أن نوقف تخلفنا عن تطوير نفسه، أما السؤال الأصعب دائما فهو: كيف؟! هذا ما قاربه الدكتور هشام غصيب في كتابه (تجديد العقل النهضوي) عندما طرح بجرأة الإجابة أو محاولة أولية للإجابة علي هذه الكيف.. لا يتسع المجال هنا لسردها كاملة وإنما هي باختصار شديد: أن نكف عن التطلع إلي (حصد) نتائج الثورة العلمية التي حدثت في الغرب.. وجعلتهم إلي هذه الدرجة قادرين علي إذلالنا بعلم وعقل منحهم القوة والقدرة وغذي فيهم طموح السيطرة، بل.. بل نتطلع إلي صنع ثورة علمية هنا في أوطاننا.. أن نمر في الطريق الشاقة التي مرت فيها أوروبا لا أن نقفز ـ إن نجحنا أصلا في القفز وهذا لن يحدث ـ إلي المحطة الأخيرة التي وصلوا إليها.. هذا يعني باختصار أنه حتي نتصدي لهذه السوق المسماة (الشرق الأوسط الجديد) ونطرح بدلا منها (مشروع الوطن العربي الجديد) لابد أن نبدأ من هنا.. من نقد ذاتنا الثقافية والحضارية بقسوة.. من التصدي لتخلفنا وقدرته الفريدة علي تطوير نفسه.. مشروع الوطن العربي الجديد لابد أن يبدأ (ثقافيا) ثم ـ إن أسعفه الوقت ـ يعكس نفسه علي السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية.. أولا علي المستوي السياسي: ليس ممكنا طرح مشروع نهضوي جديد في بلد وحده هنا، العالم كله ينظر إلينا باعتبارنا (كتلة العرب) وبالتالي أحد أركان مشروع الوطن العربي الجديد هو تجديد مفهوم (القومية العربية) لا من منطلق عاطفي أو رومانسي أو عرقي فهذا سخف تجاوزه الزمن، وإنما لأن الهجوم الرأسمالي يعتبرنا (سوقا واحدة) ونحن يجب أن نتصدي لبيعنا في تلك السوق.. بالجملة! وكذلك لأن تخلفنا الذي يطور نفسه باستمرار هو تخلف مترابطة أطرافه في كامل هذه المنطقة العربية.. وتفـــــكيكه يحتاج إلي تصدي ثقافي بكامل منطقته.. والأدلة التاريخية واضحة.. فبينما كانت هناك (بوادر) مشروع نهضة عقلانية في مصر.نشأت مملكة علي الضفة الأخري من البحر الأحمر ترعي وتنثر التخلف بكل أبعاده هنا وهناك حولها.. لن تنجح عقلنة للثقافة في مصر مثلا طالما هناك هذا المنبع الفياض للتخلف في الجوار، المشروع الذي يتصدي للتخلف الذي يطور نفسه لابد أن يشمل الجميع، مثال آخر.. لم تفلح جهود التصدي لإسرائيل في بلدان عربية أخري لأن في الجوار المصري كان الاستسلام الذليل لإسرائيل ينثر مذلته هنا وهناك علي الجميع، لابد إذن من مشروع (شامل) يعمل في كل المنطقة العربية.. أي لابد من تجديد مفهوم القومية العربية.. ولكن بأسس عقلانية جديدةثانيا علي المستوي الاقتصادي: هذا هو جوهر اللعبة.. لعبة الشرق الأوسط الجديد.. لابد من مجابهته بمشروع الوطن العربي الجديد والذي يأتي (التصدي للرأسمالية) ركنا أساسيا فيه، هذه ربما من أصعب المهام.. لكن هناك قوي أخري في العالم تتصدي أو تحاول أن تتصدي لهذه الرأسمالية الشرسة.. التي طورت أدوات العولمة لتنقذها من مأزقها النهم علي حساب الشعوب. لا يصح أن نستسلم لهذه الشراسة الرأسمالية التي تمنعنا بما لديها من أدوات علمية من محاولة النهوض والاعتماد علي أنفسنا.. الحقيقة أنه حتي رفاهية الاستسلام ليست بأيدينا.. إلا إذا قررنا بيع مستقبل الأبناء والأحفاد والأوطان.. وهذه (عدمية) لا قبل لنا بها.. أما كيف التصدي للرأسمالية.. فإن مشروع (الوطن العربي الجديد) إذا ما تبلور فهو يعني أن (ثقافة الإنتاج والتعاون الحقيقي والاكتفاء الذاتي والحد من شره الاستهلاك) هي كلها أركان أساسية فيه.. ثالثا علي مستوي النظم الاجتماعية: والتي تشمل نظم الحكم والعلاقات البينية بين الأقطار العربية المختلفة والعلاقة بين الأفراد في مجتمعاتها.. فإن هذه هي ربما البداية الحقيقية لمشروع الوطن العربي الجديد.. أن (نبتكر) في مشروعنا صياغة جديدة لمفهوم الديمقراطية.. ذلك المفهوم الذي جاء من أوروبا إلي بلادنا الغارقة في تخلف (يطور نفسه) فاستطاع في أعلي مراحل تطوره أن يشوه ذلك المفهوم الغريب علينا! نحن بحاجة أولا إلي خلق بيئة ثقافية جديدة (تنبع منها الحاجة) إلي الديمقراطية.. وليس استيرادها بمغلفات أنيقة لاستهلاكها في مجتمعات (طاعة أولي الأمر)! ونجن بحاجة إلي التخلص في مشروع الوطن العربي الجديد من (ثقافة الخرافة) والاتكال علي غيب مبهم وصبغ الحاجات الدنيوية بالدين وتديين الصراعات الفردية والجماعية.باختصار نحن في مشروع الوطن العربي الجديد بحاجة إلي علمنة وعقلنة طرائق التفكير وتحريرها من أفخاخ المطلقات والثوابت.. وفك أسرها من الارتهان إلي الأشياء المفارقة لعالمنا الموضوعي الذي نعيش فيه.. وهذا من شأنه أن يجعلنا (نفيق) إلي أن التخلص من النظم الديكتاتورية لن يكون بالبحث عن (ولي أمر آخر أجدر بالطاعة!) بل البحث عن (بناء مجتمع جديد) له رئيس يلتزم بقانون يصاغ هو الآخر من جديد ومؤسسات تخلق أو يعاد بناءها من جديد.. و(إنسان مواطن) يخلق من جديد.. هذه بالتأكيد مهمة ثقافية.. هذا مشروع للمستقبل، يحتاج إلي وقت؟نعم، يحتاج إلي تجنيد ثقافي واسع .. نعم، لكنه ضروري.. وكل مثقفي ومفكري المنطقة العربية من أقصـــاها إلي أقصاها لابد أن يعملون عليه لبدء قرن جديد في النهضة العربية.. لا تكون فيه (مرات الانكفاء أكثر من محاولات النــــهوض) ولا يكون فيه أحفاد رواد النهضة الأوائل.. متهمـــــين بغياب روح المبادرة في نفوسهم وحضور القدرة فقط علي صنع الضوضاء زهــــيدة الفعالية.. كما لاحظ يائسا سعد الله ونوس، وبدون صياغة جديدة لمفاهيم القومية العربية والتصدي للرأسمالية وتفكيك التخلف.. سيكون مصيرنا لا محالة شرقا أوسط جديد!.. أو سوق.. تباع فيها شعوب بأكملها.. بالجملة!ہ كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية