‘وقال لي: بدنك بعد الموت في محل قلبك قبل الموت’ النفري لا يكفي أني لم أنم جيدا في تلك الليلة الباردة الماطرة تحببا وتشوقا واستمتاعا بزخات المطر على وقع نافذة القلب المشرعة على كل البيادر،ولكنني أفقت في هذا الصباح متوجسا ومضطربا وقلقا ،على وقع رسالة الكترونية من الصديق العزيز أدم فتحي في بريدي الالكتروني يقول فيها انه مسافر خارج البلاد لشأن مهم وهو في مأزق ويحتاج مساعدتي…أعدت قراءة الرسالة أكثر من مرة وتأكدت مرارا من هوية المرسل..انه هو الجميل أدم فتحي ولكن ماذا حصل له يا ترى..وكيف سافر بهذه السرعة وقد تواعدنا على اللقاء كعادتنا كل مساء اربعاء في مقهى ‘موزار’…هل سيحتجب برنامجه ‘زورق الليل’ هذا الأسبوع…اخترقتني الأسئلة من كل حدب وصوب وغرقت في يمها وبحرها الذي لا قرار له…تحسست هاتفي سريعا وهممت بمكالمته ولكنني تداركت أمري ونزعت الفكرة من رأسي..ثم انه خارج البلاد وأكيد هاتفه مغلق..وفوق كل ذلك لماذا أرهق نفسي وأهاتفه وأسأل عنه وهو الذي حتى لم يخبرني بسفره المفاجئ…تبا لهذا الصباح الغامض ولهذا الحظ العاثر..كنت سأسلمه نسخة من مخطوطي الشعري الأول كي أستشيره عن بعض التفاصيل قبل نشره…تبا ما كل هذه الأفكار المختلطة والوساوس والحيرة الصباحية..ما سر هذه الرسالة الالكترونية الصباحية يا ترى؟..الماكر أدم هل يختبرني يا ترى؟..أعرف أنه ذكي بما يكفي ولكنه ليس خبيثا بما يكفي..فالشعراء أطفال كبار تعشش فيهم البراءة والمحبة الى يوم يبعثون…وتخنقهم العبرة عند أول منعطف من التفاتة القلب.. فليكن انه يختبرني ويختبر حبي وصداقتي واحترامي له…ولكنه ‘اللعين’ يعرف أنني أحبه كثيرا رغم عتابي له في الفترة الأخيرة.. أرسلت له رسالة الكترونية في الحين وأنا أهمهم بهذه الكلمات ومازلت محتارا وتائها في غابة الأسئلة التي لا تنتهي…متوجسا فتحت الفايس بوك علني أعثر على اجابة تشفي غليلي..أو أعثر على خبر عاجل وما أكثر أخبارنا العاجلة في تونس هذه الأيام…فتحت الفايس بوك وأنا أتساءل هل وقع اختطاف صديقي أدم من طرف عصابة ارهابية دولية وسيطلبون الفدية كي يفرجوا عنه؟تبا ما هذه الأفكار المجنونة وهذا التشاؤل..ومن سيخطف شاعرا أومثقفا في هذا الزمن الأجذب العائد الى كهوف الجهل.. وما علاقتي أنا المفلس أصلا بالفدية والأموال…فليذهبوا الى وزارة الثقافة أو الى الحكومة التونسية المفلسة هي أيضا…فتحت الفايس بوك وما لبثث أن وجدت الخبر اليقين عند الصديق الكاتب محمد علي اليوسفي والكثير من الأصدقاء الذين حصل لهم ما حصل لي…انها عملية وحرب الكترونية قذرة..وما أكثر حروبنا هذه الأيام ضد الارهاب وضد العنف وضد الشباب وضد الاعلام وضد المدونين وضد الكباب وضد ارتفاع الأسعار وضد المديونية والافلاس أيضا…فكرت قليلا للحظة وراقت لي فكرة الاختبار..وفكرة الهذه…فماذا لو جربت أن أخترق بريدي الالكتروني وحسابي الشخصي في الفايس بوك وأعلنها حربا شعواء على نفسي…فكرة خبيثة ورائعة حتى أعرف أصدقائي الحقيقيين وأكتشف أحبتي الحقيقيين وأظهر المنافقين منهم على حقيقتهم..فكرة خبيثة لن تكلفني في النهاية سوى رسالة جماعية أعتذر فيها لكل الأصدقاء وأخبرهم أنه وقع بريدي الالكتروني وحسابي الشخصي..ولكنني سأخرج منتصرا – ربما – من هذه الفكرة وأكتشف كل الثعالب الذين يحيطون بي.. جميلة هي فكرة الهذه وكم نحن محتاجون أن نخترق أنفسنا أو يخترقنا الاخرون حتى نعرف كنهنا وحقيقتنا في هذا الوجود ونقترب من أنفسنا أكثر، وكم نحن محتاجون كعرب أن نخترق أنفسنا قبل أن يخترقنا الاخرون ويضعونا في اخر التصنيفات والاحصائيات..حتى نتعرف على موقعنا الحضاري العالمي ..وحتى نقترب من حقيقتنا وصورنا المرسومة في القاع ونتصالح مع ذواتنا العمياء وأجسادنا المكبوتة..ألم يقل سقراط الحكيم ‘أعرف نفسك بنفسك’..فما الذي نعرفه عن أنفسنا؟ لا شيء..وهل نحن قادرون على نقد ذواتنا ومحاسبة أنفسنا بنفس الشراسة التي نحاسب بها الاخرين واتهامهم بشتى التهم.. فكرة خبيثة تشبه الى حد كبير فكرة اشاعة موتنا على الملأ..حتى نعرف من سيبكينا بقلبه..ومن سيبكينا بدموع التماسيح أمام الكاميرات وعدسات المصورين حتى يتأمل صورته الخبيثة في نشرات الأخبار…كم نحن محتاجون في كثير من الأحيان أن نعلن موتنا حتى نقترب أكثر من حياتنا…وذواتنا..وكم نحن محتاجون في كثير من الأحيان أن نعيش جنوننا حتى نكتشف لذة الحياة الطبيعية البسيطة ونقترب أكثر من عقلنا الباطني العميق..وكم نحن محتاجون في كثير من الأحيان أن نتسكع دون خريطة ونرقص على وقع زخات المطر حتى نعود الى تلقائيتنا وبراءتنا وطفولتنا التي شردها ودمرها ضجيج المدن ونفاقها..وكم نحن محتاجون في كثير من الأحيان أن ننخرط في موجة من البكاء التي لا تنتهي حتى نعود الى أحضان أمهاتنا وجدول مياهنا..وقطيع أغنامنا وطائرتنا الورقية واحلامنا التي طارت مع اخر العواصف والقوافل السياسية القادمة من كهوف الشرق القديم.