كلما صدر ديوان شعر جديد للأطفال ، كلما أضاءت مشكاة بقلوبهم ، خاصة إن قدر للمبدع أن يصل بشعره إليهم ، ولأن الكتابة صعبة مرهقة للأطفال ، فالوصول إليهم أكثر إرهاقا ، خاصة مع تراجع الشعر ، بجوار عشرات المهلكات للوقت ، ويتربع الإنترنت على عرشها .
وهذا الديوان الجديد للأطفال الصادر بعنوان ‘ زى الشجرة اللى بتحمينا ‘ عن وزارة الثقافة بمصر يسعى لإزالة الحاجز بين القارىء والشاعر ، من خلال لغة أنيقة بسيطة سلسة ، ورؤية عميقة ، وروح طيبة :
ـ القصصية لإنقاذ النص :
تعتمد الشاعرة على بعض القصائد القصصية ، تبث من خلالها رسائل ميسرة ، لكنها تشرك القارىء معها من خلال التساؤل فى نهاية المقطع :
كانت البطة قاعدة ف بيتها
بتسهر دايما كل ليلتها
ولا فيش حد أَنَسْ وحدتها
عارفين ليه ؟
وتكمل القصيدة قصتها ، لنجد حب التحكم لدى البطة ، ورغبتها فى السيطرة على غيرها ، ولكن تنتهى بمعنى له قيمته :
عرفت إنْ حياة بإخوّة
صدق و حب نابع من جوّه
أجمل من إرهاب بالقوة
أو خوف جوه القلب ماليه
ولكن الشاعرة لا تكتفى برسالتها ، بل تستحلب قصيدتها بعد النهاية ، لتحمل فِكرا إضافية ، وقد عادت الشاعرة فاتن شوقى للقصيدة / القصة لتحكى بصورة مختلفة ، وبنائية مغايرة :
التعلب المكّار ** بيخّوف الكتاكيت
يطلع ليل ويا نهار** ينّسد كل بيت
يمشي وسط الأزهار **ويقول على نفسه حويط
و يلّعب الأفكار** بصباع وشَد الخيط
وهنا تتجنب صيغة التأكيد التربوى الذى مارسته فى القصيدة السابقة ، وتبدو قصيدة الطفل متمسكة بثوابتها القديمة ، حيث يتم توظيف القصة الحيوانية بذات الكيفية القديمة منذ الهراوى وقصائد شوقى للأطفال ، وتبدو ذائقة الطفل ذاته غير مؤيدة لمحاولة دمج الشعر بتقنيات الحياة ، فلم تخضع القصيدة المقدمة للطفل لطبيعة العصر ، ولهذا سعت الشاعرة لتحيط عوالم الطفل جميعا : المدرسة ، الأم ، الأب ، الثورة ..إلخ وقد عبرت عن الثورة / الوطن عبر اكثر من قصيدة تقترب فى بنيتها من الغناء ، بل تمنيت أن تنبه الطفل إلى ضرورة إنشاد القصيدة بطريقة مغناة ، حيث تمنح لقارئها كل جمالياتها غناءً .
ـ الثورة .. وأطفالنا :
لابد أن نثق أن طفل اليوم يختلف بدون شك عن غيره ، ليس ذكاء ولا تفوقا ، إنما اختلاف فى طبيعة المؤثرات ، وخصوصا المد الإعلامى المخيف والرهيب ، فأولادنا كلهم أبناء هذا المد سواء رضينا أو رفضنا ، وقد شاركت الشاعرة طفلها القارىء ، أو قارئها الطفل ، فى أحداث ثورته ، فكيف قدمت له صورة الثورة ؟
تقول :
الأرض بتتكلم عربي
من جوّه ميدان التحرير
بتقولك قوم يالا يا عربي
واتحرك نحو التغيير
استخدمت الشاعرة مطلعا شهيرا لفؤاد حداد غناه سيد مكاوى ، وتحول إلى ما يشبه المثل الشعبى من كثرة تكراره ( الأرض بتتكلم عربى ) لكن القصيدة لا تحمل خصوصية تعبيرية للطفل ، بحيث يمكن للقارىء العام أن يطالعها ويتفاعل معها ، وهو نجاح يحسب للشاعرة ، لأن اللغة البسيطة تحمل قدرة الوصول للطفل وللأكبر ، وفى قصيدة أخرى للثورة أيضا تقول فى قصيدة عنوانها ( صانعة تاريخنا يا ثورتنا ) :
بَصْ العالم.. قال معقول ؟!
ثورة و سلمية و بالقول ؟!
دا شباب فُل جميل فجّرها
حمى بلده و غسلّها عارها
من فاسدين …خاينين و فلول
هكذا قدمت الثورة بروح حكائية فاتنة ، فى لغة ميسرة مموسقة ، حيث تصلح موسيقى الديوان للدرس النقدى ، فقد اتخذت البحور الخفيفة لها إطارا ، وهى من أنسب الصيغ للأطفال ، وجاءت طرافة الصورة ، وخبرة استخدام الأساليب اللغوية الملفتة للطفل ، والحدثية التى تعاملت بها مع الواقع ، كل ذلك وغيره أهل الديوان للفوز منذ أسابيع بجائزة مسابقة وزارة الثقافة ، بعدما حصدت صاحبته قدرا طيبا من جوائز النقد والشعر ، لعل آخرها جائزة نازك الملائكة فى النقد عام 2012م .
رسم الغلاف المذهل الفنانة المتميزة سحر عبد الله ، وتشارك الرسوم الداخلية الفنان شوقى على والفنان محمد محسن .
لقد قدم ديوان ‘ زى الشجرة اللى بتحمينا ‘ حلما بعودة الشعر لمستحقيه ، ومكوثه بين يدى محبيه ، يبقى الدور على المجتمع ليقوم بدوره ، فهل يفعل ؟!