معادلة التوافق الفلسطيني: حماس لإصلاح الداخل وعباس لمفاوضة الخارج

حجم الخط
0

معادلة التوافق الفلسطيني: حماس لإصلاح الداخل وعباس لمفاوضة الخارج

د. عصام نعمانمعادلة التوافق الفلسطيني: حماس لإصلاح الداخل وعباس لمفاوضة الخارجلعل الغاية الرئيسية من وراء خوض حماس الإنتخابات التشريعية هي تجديد إرادة المقاومة وتزخيمها وتصليبها. الغاية المتوخاة تحققت وأفرزت مفاعيل إيجابية فلسطينيا وعربيا وإسلاميا. من هنا تطالب حماس نفسها كما يطالبها جمهورها وأنصارها ومؤيدوها بأن تبقي، كما هي في واقعها ومرتجاها، رأس رمح وقدوة صالحة لمقاومةٍ واعيةٍ ومتواصلة.غير أن حماس ، إلي كونها مقاومة مصممة علي أن تبقي كذلك، هي أيضا غالبية نيابية مرشحة لأن تؤلّف حكومة. هذا الإعتبار مفيد ومزعج في آن. فهو مفيد لأنه يمكّن حماس من تنفيذ برنامجها الإصلاحي، لكنه مزعج لأنه يحدّ من تنفيذ أهدافها الوطنية بالنظر إلي مواقف سلبية نابعة من الداخل (موقف حركة فتح (ومن الخارج( موقف إسرائيل وسلبية الولايات المتحدة وسائر اطراف اللجنة الرباعية). ماذا يقتضي أن تفعل حماس إذاً للتوفيق بين المتطلبات التي تفرضها أهدافها العليا وبرنامجها الوطني والإصلاحي من جهة والتحديات النابعة من أطراف ومواقف فاعلة في الداخل والخارج من جهة أخري؟لا سبيل ولا جدوي ولا مصلحة في أن تتخلي حماس عن مسوّغ وجودها وعن هويتها ووظيفتها وهي المقاومة. حماس يجب أن تبقي مقاومة وان تحاذر التحوّل حكومةً وسلطةً في ظروف تبدو غير ملائمة لئلا تفقد مسوّغ الوجود والهوية والوظيفة. لذا يقتضي أن تكون حماس المرشد الأعلي والموجّه الحكيم للحكومة العتيدة، وأن تلعب هذا الدور بكفاءة وفعالية. إن من شأن صفة المرشد ودور الموجّه تمكين حماس ، من خلال إعتماد الإنفتاح والمرونة، من أن تتعاون مــع فتح وسائر القوي السياسية الممثلة في المجلس التشريعي لتنفيذ برنامجها الإصلاحي في الداخل. كذلك فإن تجنّب حماس مسؤولية رئاسة الحكومة الجديدة والمشاركة الظاهرة في عضويتها يعفيها من موجبات التخلي عن سلاحها ودورها كمقاومة، والإعتراف بإسرائيل، وإعتماد إتفاقات اوسلو، وإلتـزام خريطة الطريق . وغني عن البيان ان ما تعتزم الحكومة العتيدة تحقيقه من إصلاحات في الداخل وإتفاقات مع الخارج سيجري التفاهم عليه بين القوي والأطراف المشاركة فيها، وتضمينه تاليا البيان الوزاري لنيل ثقة المجلس التشريعي علي أساسه.إن تركيبة الحكومة الجديدة وبرنامجها هما أساس النهج المقترح إعتماده في هذه المرحلة. يجب أن تحرص قيادة حماس علي صيغة الشراكة السياسية مع القوي الفاعلة في البلاد وفي المجلس التشريعي، وطليعتها فتح . كما يقتضي أن تغلّب فتح وسائر القوي الفاعلة في البرلمان مطلب الوحدة الوطنية في المبدأ والممارسة خلال هذه المرحلة العصيبة. ذلك أن صيغة الشراكة السياسية المبنية علي قاعدة الوحدة الوطنية تمكّن حماس كما فتح من أن تلعبا في آن دور الحكومة والمعارضة. فـ حماس تستطيع من خلال المشاركة غير المباشرة في الحكومة وإختيار أعضائها وصياغة برنامجها أن تحقق الكثير من بنود برنامجها الإصلاحي، كما تستطيع من خلال رقابتها علي الحكومة في المجلس التشريعي أن تمارس دور المعارضة في المحاسبة والتصحيح والتصويب. كذلك تستطيع فتح من خلال وجودها الكثيف في إدارات السلطة ومؤسساتها وأجهزتها الإشتراك في العمل الحكومي الإجرائي، كما تستطيع من خلال كتلتها البرلمانية مراقبة الحكومة ومحاسبتها وتصويب أدائها.إذا أخفقت فتح وسائر القوي السياسية الممثلة في المجلس التشريعي في إستجابة مطلب المشاركة في حكومة وطنية جامعة، فإن بإمكان حماس تأليف مثل هذه الحكومة من شخصيات مستقلة تجمع بين العلم والاختصاص والكفاءة والخبرة والنزاهة، وان تتبني برنامجا إصلاحيا وسيـاسيا يكون وليد مناقشات مؤتمر وطني يدعو إليه الرئيس محمود عباس، وإذا تمنّع تدعو إليه حماس دونما تردد، وتتحمل حماس وغيرها من القوي السياسية الممثلة في البرلمان مهمة الدفاع عن البرنامج المعتمد وعن الحكومة الناهضة إلي تنفيذه.سواء شاركت فتح وغيرها من القوي السياسية في الحكومة الوطنية الإئتلافية الجامعة أو آثرت التخلف عن الوفاء بهذه المهمة التاريخية في هذه المرحلـة، فإن الأمر في كلا الحالين يستوجب تعاونا وثيقا مخلصا وهادفا بيـــن حماس ومحمود عباس. فالرئيس الفلسطيني مسؤول منتخب من الشعب، وولايته تمتد لثلاث سنوات قادمة، وهو في الوقت نفسه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، لا سيما في شتاته الواسع علي مدي العالم كله، وهو قائد ذو مكانة في تاريخ النضال الفلسطيني، وهو شخصية معروفة وذات صدقية في المحافل الدولية. كل ذلك زائد خطورة التحديات والمرحلة العصيبة الراهنة تفرض علي الطرفين، بل علي جميع الأطراف الوطنية، الإرتفاع إلي مستوي هذه التحديات والأخطار والحرص علي التعاون بجدية وإخلاص لمواجهتها بفعالية إستثنائية.هذا علي الصعيد السياسي. أما علي الصعيد الدستوري فتجدر الإشارة إلي أن القانون الأساسي الفلسطيني هو الذي يقوم مقام الدستور في تحديد طبيعة العلاقة وحدودها بين رئيس السلطة الوطنيــــة الفلسطينية (محمود عباس) ورئيس الوزراء والحكومة. فالشؤون الداخلية محصورة صلاحياتها برئيس الحكومة والحكومة، بينما الصلاحية في الشؤون الخارجية تبقي مسؤولية الرئيس. ولا سبيل، في ظل التركيبة الراهنة للمجلس التشريعي، تعديـل القانون الأساسي لأن تعديله يتطلّب موافقة ثلثي أعضائه، أي 88 نائباً مـــن اصل 132، في حين أن غالبيـــة حماس لا تتعدي الـ 74 نائبا .فوق ذلك، تنص المادة 40 من القانون الأساسي علي أن الرئيس يعيّن ممثلي السلطة الوطنية لدي الدول والمنظمات الدولية والهيئات الأجنبية وينهي أعمالهم، الأمر الذي يحول دون تمكين الحكومة التي يفترض أن تسيطر عليها الغالبية البرلمانية من إجراء أية تعديلات في هذا المجال من دون موافقة الرئيس. ثم ان الرئيس هو القائد الأعلي للقوات المسلحة ، وهذه السلطة تشمل جميع أجهزة الأمن الفلسطينية. وقد أعطي القانون الأساسي الرئيس صلاحية الإشراف المباشر علي جهاز الإستخبارات والأمن الوطني وقوات الـ 17 والحرس الشخصي وسلاح البحرية، بينما أعطي رئيس الوزراء صلاحية الإشراف علي أجهزة الشرطة والأمن الوقائي والدفاع المدني. كذلـك فإن صلاحية حفظ النظام والأمن الداخلي تبقي، بموجب القانون الأساسي، مسؤولية رئيس الوزراء.للرئيس الحق في إختيار رئيس الوزراء وتكليفه تشكيل الحكومة، وله سلطة إقالته أو قبول استقالته. مع العلم أن رئيس الوزراء مسؤول أمام الرئيس عن أعماله وأعمال حكومته، بينما يبقي رئيس الوزراء والوزراء مسؤولين مسؤولية فردية وتضامنية أمام المجلس التشريعي. غير ان صلاحية الإشراف علي أعمال الوزراء والوزارات والمؤسسات العامة التابعة للحكومة تبقي لرئيس الوزراء.هكذا يتبين أن ثمة تداخلا بين صلاحيات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وصلاحيات رئيس الوزراء، لاسيما ما يتعلق منها بالأجهزة الأمنية وحفظ النظام العام والأمن الداخلي. من هنا تنبع أهمية التوافق بين قيادة حماس ومحمود عباس بالنظر إلي دوره المفتاحي علي الصعيدين الدستوري والسياسي. فالرئيس عباس يبدو في وضع يمكّنه من أن يكون اللاعب الأول علي صعيد الخارج في كل ما له صلة بإسرائيل والولايات المتحدة وأطراف اللجنة الرباعية والاتفاقات والسياسات والترتيبات السابقة للإنتخابات التشريعية الأخيرة. لكن عباس لا يستطيع إن ينفرد بتقرير الأمور السالفة الذكر أو ممارستها بمعزل عن رضي حماس وموافقتها الصريحة أو الضمنية. كما لا يستطيع عباس أن يتجاهل دوره الوطني كرئيس لمنظمة التحرير، المسؤولة بصورة عامة عن العمل الوطني الفلسطيني ومتطلباته علي جميع المستويات وفي كل الأمكنة والمناطق والقارات.لعل المعادلة الأنسب في تحديد العلاقة بين حماس وعباس هي في أن تكون الأولي الجهة المسؤولة عن شؤون الأمن والإصلاح الأمني والإداري والاقتصادي والاجتماعي في الداخل، والثاني المسؤول الأول عن العلاقات والمفاوضات مع الدول والهيئات والقوي السياسية في الخارج. مع التأكيد علي أن كلا الطرفين محكوم عليه بمراعاة القوي الأخري الممثلة في المجلس التشريعي أو المشاركة في الحكومة وبالتعاون الوثيق معها في حدود البيان الوزاري للحكومة المبني علي التوصيات أو الخلاصات التي يكون المؤتمر الوطني الذي سبقت الإشارة إليه قد توصل إليها.ولعل بمقدور حماس ، كحركة مقاومة، أن تعلن في الوقت الذي تراه مناسبا وبلسان المسؤول الذي تراه مناسبا أنها تعترف بوجود إسرائيل كأمر واقع يمكن التعامل معه في إطار مبادئ الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي المتعلقة بالسلم والحرب، لكنها لا يمكن أن تعترف بما نجم عن وجودها كأمر واقع من أعمال ونتائج مخالفة لمبادئ الأمم المتحدة وقراراتها جميعا وأحكام القانون الدولي، لاسيما ما يتعلق منها بالإحتلال والإستيطان وإقتلاع السكان من ديارهم وبيوتهم وتشريدهم ومنع عودتهم والاستيلاء علي ممتلكاتهم وتدميرها والتنكيل بالشعب الفلسطيني وحرمانه حقوقه الإنسانية والمدنية.ربما بهذه المقاربة للأحداث والتحديات السابقة واللاحقة للإنتخابات المفصلية التي جرت في 25 كانون الثاني (يناير) 2006 تستطيع السلطة الوطنية أن تستمر في العمل و حماس أن تستمر في المقاومة في إطار من التوافق علي أهداف العمل الوطني الفلسطيني ونهجه في هذه المرحلة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية