جرائم شارع محمد محمود اخطر ما وقع تحت حكم العسكر، لكن الاخوان لم يستنكروها… كنت في قلب الأحداث

حجم الخط
7

مرت على مصر يوم 19 تشرين الثاني/نوفمبر، ذكرى أحداث محمد محمود الأليمة التي وقعت قبل سنتين بالتمام والكمال. شارع محمد محمود المقصود هنا هو شارع مليء بالمحلات والمطاعم والمقاهي، يربط ما بين قصر عابدين وميدان التحرير، في قلب القاهرة وقلب الأحداث. ستظل آثار الثورة خالدة في تلك المنطقة مهما تغيرت ملامحها الجغرافية، لأن دماء الشهداء غالية ولا تنسى، وهم أحياء عند ربهم يرزقون.
على ناصيته من ناحيه التحرير، تقع أيضا الجامعة الأمريكية، وعلى الجانب الآخر من الجامعة الأمريكية، يقع شارع الشيخ ريحان، موازيا لشارع محمد محمود، متجها أيضا الى طرف من أطراف قصر عابدين. وفي منتصف المسافة من التحرير الى قصر عابدين، تقع وزارة الداخلية على اليمين.
هذا ليتخيل القارئ غير المصري، أو ذلك الذي لا يعرف القاهرة، جغرافية تلك المنطقة المهمة، التي كانت ولا تزال أحيانا، قلب الأحداث الجميلة والأليمة.
أحيت بعض الأحزاب السياسية والحركات الثورية تلك الذكرى هذا العام، وامتنع بعضها. بعضهم دمَّر النصب التذكاري في ميدان التحرير، ولا أدري ما علاقة هذا التدمير بإحياء الذكرى، وأحدهم حرق علم مصر، ولا يعمل ذلك، إلا حاقد على مصر وهويتها وعلمها، لا على الحكومة وعملها. أعلن الاخوان أنهم سيحيون تلك الذكرى، على سبيل المشاركة الشعبية وذلك عن طريق المظاهرات التي يزعمون أنها سلمية، ثم يقع فيها من العنف ما لا يحمد عقباه من بعض أعضاء التحالف من أجل الشرعية، أو من خارجهم، إذا حصل اختراق، ولكن الأخوان هم الذين سيتحملون نتائج كل ذلك، وبعضها يدخل بلا شك، في نطاق العنف والارهاب، خاصة في ضوء ما ردده من قبل عاصم عبد الماجد من ان ‘قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار’، وما تردد على منصة رابعة من كلام عنيف مثل ‘سنسحقهم’، ولا أدرى من كان يقصد القائل بهذا اللفظ، أين موقع هذا الكلام من الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما تعلمنا من القرآن الكريم؟
ولا أدرى ما الذي حدث للاخوان، لكي يحيوا هذه الذكرى اليوم، لعلها صحوة أو لعلها توبة، بعد أن كانوا يصفون وقائع محمد محمود، وما وقع فيها بالبلطجة. أحداث محمد محمود، تلك، التي وقعت أثناء حكم المجلس العسكري الذي تسلم الحكم من مبارك بعد تنحيه. وقعت تلك الاحداث تحت حكم وسمع وبصر المجلس العسكري، عدة أحداث ووقائع وجرائم بشعة، كتبت عنها واحدة واحدة أيامها.
ولم يتكلم عنها الاخوان آنئذ، حيث شغلتهم السلطة والسعي إليها والاستعدادات للبرلمان وهذا حقهم واختيارهم، حتى تركوا الميدان نهائيا، وهنا بداية الأخطاء القاتلة، والميدان وأهداف ومتطلبات الميدان كلها انسانية، ولكن الثورة، هي التي حررت مصر من الطوارئ والديكتاتورية والاستبداد والفساد الى الأبد، إن شاء الله تعالى، ذلك التخلف الذي استمر طوال 30 سنة. وقتها قلت في وسط ميدان التحرير، لو أن حسن البنا كان حياً، لما وسعه إلا أن يأخذ بطانية ويستقر في التحرير مع الثوار، يصلح من أحوالهم، ويشاركهم المشورة، ويقدم لهم المساعدة اللأزمة، لا ليتشاجر معهم ويصفهم بالبلطجية، وهم الذين فتحوا الطريق أمام الحريات الواسعة، بعد أن تحرروا من الخوف وعقدة الخوف. لامني يومها بعض الاخوان على ذلك. صحيح إن الاخوان، كما جاء في أدبيات حسن البنا، لا يؤمنون بالثورة ولا جدواها، ولكنهم شاركوا بعد البنا في ثورة يوليو 1952، ودعموها في الاعداد والبداية، حتى اختلط الحابل بالنابل، وكانت واقعة المنشية بالإسكندرية، التي اتُهم الاخوان فيها بمحاولة قتل جمال عبد الناصر، وكأن التاريخ اليوم يعيد نفسه. الثورة الهوجاء هي التي حذَّر منها ومن نتائجها الامام البنا.
يقول الامام البنا في رسائله عن القوة واستخدامها ‘ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرا وأبعد نظرا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصون إلى أعمــــاقها ولا يزنون نتائجها، وما يقصد منها، وما يراد بها فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة، قوة العقيــــدة والإيمان، ثم تلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح، وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك’.
واستخدام القوة هنا طبعا ليس ضد الشعب ولا الوطن، ولا ضد المتنافسين السياسيين، ولكن ضد العدو الخارجي، ولهذا كان يعد الامام البنا الاخوان لكي يشتركوا في تحرير الوطن من الاحتلال، لا لكي يشتركوا’في أي عمل ضار ضد الوطن على الاطلاق، حتى إن كانت المظاهرات، فهل فهم الاخوان ذلك؟
وهذا موضوع آخر معقد، ليس موضعه الحديث عن أحداث محمد محمود والذكرى الأليمة. قلت كنت في قلب الأحداث بعد منتصف الليل يوم 19 نوفمبر 2011، حيث بشرني المستشار العزيز زكريا عبدالعزيز بأنه تحدث مع بعض لواءات مديرية الأمن والداخلية لايقاف العنف في محمد محمود وإنهاء الأحداث. جلسنا معا، المستشار زكريا، والشيخ مظهر شاهين خطيب الثورة، والشاب ضاحي، ومجموعة كبيرة من شباب الثورة المعنيين بالأمر، لا أتذكر أسماءهم حاليا، وأنا معهم. درسنا الأمر وكيف تكون المبادرة، وتحدثنا مع الشباب في شارع محمد محمود، ومنهم مجموعة الألتراس عن ضرورة إيقاف العنف. ولما نضجت المبادرة وفحواها، واستجاب لها الشباب حقنا للدماء ونقلا للشباب الى ميدان التحرير بدلا من شارع محمد محمود، توجهنا نحو وزارة الداخلية وسط كوكبة’كبيرة من الثوار، وربما بعض من يصفهم الاخوان بالبلطجية، وهم من الشباب المتحمس، وبعضهم من الشباب المحبط، الذي قد يصيبه الاحباط واليأس، ويظهر ذلك في بعض الأعمال التي تخرج عن الأدب والقيم وفعاليات الثورة الحقيقية أحيانا.
سرنا في شارع محمد محمود، وتخطينا بصعوبة الحاجز الحجري الذي أقيم في الشارع لمنع الثوار من الاقتراب من الداخلية، ولكن ماذا تفيد الحواجز مع الاصرار ومع العنف المتبادل أحيانا.
وصلنا الى مقربة من ناصية وزارة الداخلية، ورأينا أمامنا على بعد عشرين متراً فقط، حائطا أو سداً كثيفا من الجنود بدروعهم وخوذاتهم، وهذا أمر طبيعي أمام وزارة الداخلية، وفي وسط الأحداث الدامية. ظننت أن عهد الامان سار، وأن اللواءات الذين اتصل بهم المستشار زكريا عبدالعزيز، قد رتبوا الأوضاع، وأبلغوا الجنود بأننا ذاهبون إليهم، وأننا نحمل مبادرة لإيقاف العنف تجنبا للمجهول، ولكن حدثت الكارثة.
انطلقت علينا الغازات الكثيفة فجأة، مما أفقدني الوعي، ورجع كل من استطاع الجري إلا أنا، فاستسلمت للقدر. مرت لحظات صعبة، لك أن تتخيلها أيها القارئ، حتى جاء بعض الشباب ورشوا على وجهي ورأسي بعض السوائل أظنها ( البيبسي) أو النشادر، فعاد الاحساس، وقمت ماشيا وعدت الى منطقة باب اللوق، مستندا الى سواعد بعض الشباب الذين وصفوا بالبلطجية، ومنهم الأطباء والمهندسون والمحامون والأساتذة في الجامعات والمدارس وغيرهم.. جزاهم الله خيرا.
كانت وقائع أو جرائم محمد محمود عديدة، من القتل الى الاصابات الى هروب بعض سيارات الاسعاف، الى معاملة بعض المصابين عند زيارتهم للمستشفيات معاملة غير كريمة. جرائم محمد محمود تعدَّ بعض أخطر تلك التي وقعت تحت حكم المجلس العسكري، ولم يستنكر الاخوان كثيرا تلك الجرائم آنئذ، ولم يحشدوا المليونيات من أجل منعها أو استمرارها. شملت تلك الوقائع والجرائم أحداث ماسبيرو، ومحمد محمود الأولى والثانية، ومجلس الوزراء والعباسية، وسحل المرأة في التحرير، التي تهكم الاخوان وبعض السلفيين على نزولها ومشاركتها الثوار، رغم أن الاخوان يصدَّرون اليوم، كما صدروا من قبل في أماكن كثيرة وفي رابعة والنهضة، النساء والبنات. وهناك واقعة كشف العذرية، مهما قيل في أسبابها، وأخطرهذه وتلك كانت، جريمة تهريب الأمريكان. وإلى استكمال ذكرى محمد محمود لأهميتها، أرجو السلامة للوطن والمواطنين.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية