غيض من فيض الدروس!

حجم الخط
0

جواد البشيتي

مبلغ جيد من المال، انتقل مباشَرة وسريعا من يد “حزب الله” إلي يد المواطن اللبناني الذي فقد البيت والأثاث. ولجعل النازحين من أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية يعودون سريعا، ويستأنفون ما يمكنهم استئنافه من حياتهم اليومية والطبيعية، شرع “حزب الله” يبذل كل ما يستطيع بذله من جهود، ويَستجمع كل ما يستطيع استجماعه من دعم غير مشروط بتحويل نصره العسكري ـ الاستراتيجي إلي هزيمة سياسية. لقد عرف، بالتالي، كيف يؤسِّس له وجودا، أو مزيدا من الوجود، حتي في “المصالح الشخصية” لمئات الآلاف من المواطنين اللبنانيين، فمن يجرؤ، بعد ذلك، علي نزع “الحزب”، وجودا، ورجالا، وسلاحا، من منطقة جنوب نهر الليطاني؟!

إذا تنازَل “حزب الله”، هنا، فلن يتنازَل إلا في أمر ليس فيه من التنازل شيئا، ويمكن ويجب فهمه علي أنه أمر لـ “الحزب” مصلحة فيه. وهذا “التنازُل” إنما هو الامتناع عن “إظهار” وجوده العسكري في تلك المنطقة. وينبغي لنا أن نتذكَّر أنَّ هذا الامتناع كان من أهم الأسباب التي أدَّت إلي انتصاره العسكري. ولا شك في أن “الحزب” سيظل ملتزما هذا “التنازُل” ما قَبِلَ الجيش اللبناني وقوة “اليونيفيل” الجديدة المختلفة بقاء “الحزب” في تلك الحال من “الوجود العسكري الكامن” في منطقة جنوب الليطاني.

في ذاك المبلغ من المال، وما يشبهه من مبادرات، ينبغي لنا أن نقف علي معني آخر لا يقل أهمية. وهذا المعني هو “إلحاق مزيد من الهزيمة في الردع الإستراتيجي الإسرائيلي”، فعندما تقل وتتضاءل معاناة اللبنانيين يفقد “الردع الاستراتيجي الإسرائيلي” جزءا آخر من مقوِّماته ومعانيه. لو ظل النازح نازحا، أو لو عاد من غير أن يجد مأوي أو شيئا من مقومات حياته اليومية الطبيعية، لاخترق “الردع الاستراتيجي الإسرائيلي” نفسه وإرادته.. وعقله السياسي، فـ “روح المقاومة”، علي أهميتها، تضمر إذا ما فقدت “الجسد المقاوم”، كمثل البيت والأثاث. من أراد الحفاظ علي نصره العسكري، وتوسيعه وزيادته، عليه أن يعمل دائما بحسب المبدأ الآتي: “النصر السياسي لم يُنْجَز بعد، وما زال، وسيظل، قيد الإنجاز”. إذا كان لـ “العروبة” من معني سياسي ملموس الآن، وإذا كان لها من مقياس حقيقي وموضوعي، فإنَّ الإقرار، أولا، بأن “حزب الله” انتصر، وإسرائيل هُزِمت، والسعي، من ثمَّ، في التعزيز السياسي لهذا الانتصار، هما “العروبة”، كل العروبة، في معناها ذاك، ومقياسها هذا. نحن ضد خطاب “القاعدة”، ونهجها الإرهابي، وضد رموزها من أمثال بن لادن، والظواهري، والزرقاوي. وهذا الموقف يفقد معناه إذا لم يُتَرْجَم، ويُسْتَكمل، بالوقوف مع “حزب الله” في انتصاره العسكري، وفي سعيه إلي تحويله إلي انتصار سياسي متزايد، فَمَن لا يري في انتصار مثال “حزب الله” هزيمة للإرهاب والإرهابيين، أيضا، إنما هو أعمي بصر، أعمي بصيرة. ولو هُزِم “حزب الله” لعادت هزيمته بمزيد من النفع والفائدة علي “القاعدة” وأمثالها. انتصاره، والحق يقال، كان مرَّ المذاق في أفواه كثيرين، منهم، علي سبيل المثال لا الحصر، إسرائيل والولايات المتحدة، أنظمة الحكم العربية، واخصُّ بالذكر نظام الحكم في سورية ولو اعتقد كثيرون بخلاف ذلك، ولو أظهر هو خلاف ذلك، وقوي الرابع عشر من آذار، و”القاعدة”. انتصاره، وفي معني آخر من معانيه، كان انتصارا، يجب ألا يظل “مؤقتا”، علي ما جاء به “المثال العراقي” من عصبية شيعية وعصبية سنية مُدمِّرة لكل انتماء قومي عربي حقيقي، ومُفْسِدة لكل جهد يبذل في سبيل جعل الانتماء الديني الإسلامي غير متعارض مع الخيار “القومي ـ الديمقراطي” للعرب.

وأتمني لانتصاره أن يكون تجربة مفيدة لـ “حماس”، و”الجهاد الإسلامي”، ولغيرهما من قوي المقاومة الفلسطينية، فـ “المقاومة المجدية”، فكرا وخطابا وعملا وأسلوبا، هي الدرس الذي ينبغي لـ “حماس” تعلُّمه.. أقول “تعلُّمه” ولا أقول “استنساخه”، فـ “حزب الله” انتصر لأسباب استراتيجية لا وجود لها يُذْكَر في قطاع غزة والضفة الغربية. هذا “النقص الاستراتيجي” يمكن ويجب تعويضه. وأحسب أن “المقاومة الفلسطينية الشعبية المنظَّمة”، والتي يقل فيها منسوب “العنف العسكري”، هي وحدها التي تستطيع أن تعطي من النتائج والتأثيرات ما أعطته بنت جبيل وعيتا الشعب.. ففيها، وبها، يصبح ذاك “التعويض” ممكنا.

ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية