‘اذا أردنا الحكم بحسب تصريحات اليمين الذي يسيطر على دولة اسرائيل منذ 35 سنة متصلة تقريبا، فان الحديث عن دولة يسار جذري، تشبه فنزويلا هوغو تشافيز. فالجميع يساريون كما يرى اليمين: ورئيس الدولة شمعون بيرس هو بالطبع’ عجوز الحلقة (اليساري). ووسائل الاعلام هي مافيا يسارية؛ والمحكمة العليا تعمل بهدي من تشي جيفارا؛ ورئيسا ‘الشباك’ والموساد خريجا متسبين؛ وولد عدد من جنرالات الجيش الاسرائيلي على الأقل في جمعية ‘نكسر الصمت’. وتسيبي لفني هي روزا لوكسمبرغ؛ ويئير لبيد هو ليون تروتسكي، وحزبا العمل وميرتس حزبان ماويان (نسبة الى ماو تسي تونغ) بل إن بنيامين نتنياهو قد أُعلم بعلامة مشتبه فيه. وآخر صيحة في هذا المجال هي الطفل اليساري المولود، النائب العام الجديد شاي نيتسان. فكلهم يساري وكلهم مذنب. إنها فنزويلا، فنزويلا وليس يوجد ما يشبهها. في دولة لا توجد فيها لعنة مسمومة أكبر من أن تكون ‘يساريا’، لا توجد فرية أشد دحوضا من تصنيف هؤلاء الاشخاص وهذه المؤسسات كذلك. فكل مشتبه فيه أصبح مطاردا، وكل ‘يساري’ اسم مرادف للخائن، في وقت أن تكون فيه يمينا متطرفا وعنيفا هو صفة شرف. بل إنهم لم يعلموا أنهم يساريون لأن هذه هي طريقة اليمين: أن يُصنف ويبتز ويهدد ويُخيف وأن يحصد الثمار بعد ذلك. وهذا ينجح، ويالَنجاحه. خذوا على سبيل المثال وسائل الاعلام: لا يوجد متعاون مع الاحتلال أكبر منها، ومع ذلك يصرخ السالب اليميني مُتظلما. وهي تتبنى في ابتهاج لغة الاحتلال وروايات مُحدثيه الكاذبة، وتكتم وتضلل وتخفي وتُغيب وتنكر، لكن ذلك لا يكفي اليمين. وهي تقدم سخافات وتسليات، وتخون عملها وتُسبب الغباء والعمى لكن اليمين يدعي أنه مظلوم. إن البحث بين اليمين واليسار قد أصبح منذ زمن بحثا بين يمين متطرف ويمين ‘معتدل’ لكن اليمين يستصرخ. إن أمنون ابراموفيتش يساري ولا يوجد ما يُقال في عراد نير، بل إن ناحوم برنياع أصبح مشتبها فيه. وأصبحت ‘يديعوت احرونوت’ والقناة الثانية الغوغائيتان مريبتين. ومثلهما ايضا المحكمة العليا. فهذه المؤسسة التي لم تتجرأ قط على التعبير عن رأيها في شرعية المستوطنات، والتي تطأطيء رأسها في خضوع لكل نزوة من جهاز الامن تقريبا، والتي حللت على مر السنين غير قليل من الأوبئة والجرائم في مناطق الاحتلال، وتهربت في جُبن على مر السنين من أحكام في موضوعات مصيرية مثل الاغتيالات واعمال التعذيب تُعد يسارية. بل إن قادة فرقة يهودا والسامرة المسؤولين مباشرة عن تعزيز الاحتلال وتثبيته مثل نوعام تيفون ونتسان ألون هاجمهم اليمين وصُنفوا على أنهم يساريون متطرفون. فقد تجرأ الاول على اخلاء بؤيرة استيطانية وضويق مدة اشهر بالقرب من بيته؛ وأُعلنت ‘انتفاضة مستوطنين’ على الثاني الذي تجرأ على استعمال سياسة ‘احتواء’ لأحداث تخريبية تافهة. بل أُعلم رؤساء ‘الشباك’ ايضا المسؤولون مباشرة وبصورة شخصية عن جرائم الاحتلال والذين ثاروا في تأخر سافر عليه في برنامج ‘حُماة الحمى’، أُعلموا بعلامات الى الأبد. وقد أُعلن أن الاخير الى الآن، نيتسان الذي دافع بشدة عن مواقف دولة الاحتلال، أُعلن أنه ‘يساري من أشد المتطرفين’ على لسان عضو الكنيست موشيه فايغلين (اذا كان نيتسان كذلك فكيف يُسمى المحامي ميخائيل سفراد؟). وكيف تُثبت بعد كل ذلك أنه ليست لك أخت، فواجب البرهان عليك. إن هذه المكارثية تنجح: لأن اللواء نيتسان والنائب العام نيتسان سيحذران منذ الآن في اعمالهما اذا لم يكونا يتمتعان بشجاعة واستقامة لا مثيل لهما. والنتيجة مسطورة أمامكم وهي أن مشاريع الاحتلال والاستيطان مستمرة في النماء كما لم تنمو من قبل؛ وقد أخذت الصدوع في الديمقراطية الاسرائيلية تزداد اتساعا؛ وقوانين القومية والعنصرية تُسن بصورة متوالية وبلا تشويش؛ ومعاملة الاجانب ولا سيما العرب و’المتسللين’ أخذت تزداد سوءا من يوم الى يوم؛ وتحول المجتمع الاسرائيلي ليصبح أكثر يمينية وقومية وعنصرية وأخذ اليسار الحقيقي يختفي وينطوي في قلة قليلة من الجماعات والمنظمات ذات التصميم لكن الصغيرة التي تستحق حقا هي وحدها (وبفخر) صفة اليسار الجذري؛ وأخذ يتلاشى احتمال تسوية سياسية أمام أعيننا. هكذا بالضبط تبدو ، ومع ‘يسار متطرف’ كهذا، من الذي يحتاج الى يمين؟.