بما أن الثورة التونسية كانت شعبية براغماتية ولم تكن أيديولوجية ولا موجهة عقائديا، ولم تقدها أية جهة سياسية ولا طبقة اجتماعية،وشارك فيها الشعب بمختلف فئاته وجهاته ونخبه، بل ثمة من يسجّل أن هناك من المنتمين لقواعد الحزب الوحيد الذي كان حاكما من شارك في بلوغها إلى يومها الموعود في الإطاحة برأس النظام. كانت ثورة لها شعار مركزي في الشغل والحرية والكرامة الوطنية دون أن يكون لها حلول ولا برامج سياسية ولا مقترحات طوباوية، ولا طروحات وجودية أو جمالية، وذلك ربّما ما يشكّل فرادتها واستثنائيتها مقارنة بالثورات التي يتحدث عنها التاريخ.
والفرادة والاستثنائية لا تعني بالضرورة تميّزا وتباهيا بل لعلّ ذلك يؤشّر إلى استثنائية التحديات التي تواجهها وفرادة المصير المدعوّة لتحقيقه، والمخاطر العظمى المحيقة بها.
وإذا رصدنا، على عجل، ما حصل في تونس طيلة هذه الفترة من قيام الثورة ـ وهي فترة كأن لها خصائص الأبدية من جهة ما نعيشه من وتيرة عاصفة متلاحقة للأحداث، التي لا تترك فرصة لاسترداد الأنفاس، ويبدو كأن ما يحدث البارحة أو قبل شهر أو قبل قبله، كأنه حدث في السنين الخوالي ـ نتبيّن أن الصراع السياسي تمحور بشدّة حول محاور ثلاثة:
ـ الأمن والإعلام والعدل.
وهي المحاور التي اتهمت بالفساد ويكاد الإجماع يحصل على أنها منبع الداء وسبب جميع الأمراض في ما بلغه المجتمع التونسي من معاناة في مرحلة انسداد آفاقه. ومن الملفت أن تلك المحاور هي التي كادت أن تنفرد بما يُسمّى بالقوائم السوداء، التي تضمّ أسماء إعلاميين ومحامين وقضاة ورجال أمن، كل في مجال القطاع الذي ينتسب إليه، بالإضافة إلى قائمة رجال الأعمال المتهمين بالفساد والثراء غير المشروع، التي لا لم تحتلّ الصدارة شأن الأمن والإعلام والعدل،رغم ما لحق أصحابها من تعسّف وانتهاكات.
يشهد قطاع الأمن بمختلف أسلاكه حراكا غير مسبوق، لم يكن يخطر على البال، في سعي الأمنيين إلى تحويله إلى أمن جمهوري مستقلّ الإرادة والإدارة، في خدمة أمن المواطن، والسهر على سلامته في كل الظروف. أمن لا ولاء له إلاّ للمبادئ الأمنية التي تدعّم النظام الجمهوري. لذلك نتابع ما تشهده وزارة الداخلية من تجاذبات ومماحكات ومحاولات للسيطرة الحزبية والسياسية عليها. كما نتابع تطورات العمل الميداني وما تم تأسيسه من نقابات للدفاع عن حقوق الأمنيين وتوفير ضروريات القيام بمثل ذلك العمل، الذي هو شرط من شروط قيام العمران البشري، والذي هو في منزلة الواجب الوطني. وتبدو الأمور هناك محتدمة ومفتوحة على كل الاحتمالات. فالمسألة ليست سهلة أبدا وإن كانت غير مستحيلة، وذلك رهن ما يسير عليه الشأن العام والمآلات التي ستفرزها الصراعات الاجتماعية والتدخّلات الخارجية، التي صارت مكشوفة بصورة غريبة ومثيرة للارتياب.
الشيء نفسه، تقريبا، يتم في المحور القضائي. ثمّة محاولات حثيثة من قبل رموز من رجال القضاء ونسائه تعمل باستبسال يثير الإعجاب من أجل قيام قضاء مستقل وله سيادة على قراراته وأحكامه، ولا يرتهن لأي جهة أخرى غير ضميره القضائي ومؤسساته الرقابية وهرميته في الوظيفة… وفي هذا الصدد نعجب حقّا كيف يواصل أولئك القضاة النزاهة معاناة الدفاع عن شرف مهنتهم وقطاعهم كما كان شأنهم في عهد النظام السابق الذي نكّل بشماتة بالبعض منهم، وكأن لا شيء تغيّر بعد الثورة في هذا الصدد.
أما عن الإعلام فقد حضرنا يوم الاثنين 11 نوفمبر من هذا الشهر مثول زميلنا لطفي العربي السنوسي رئيس تحرير جريدة ‘الصحافة اليوم’ اليومية في المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة… من أجل ماذا؟
من أجل ماذا؟ ذلك سؤال محيّر للغاية ربّما يكون علمه عند القضاء الذي دعاه للمثول ولم يخبره عن السبّب أو الأسباب، فربّما القضاء نفسه لا يعلم، وزجّ بالقضاء كالعادة التي لا تخجل، والتي خلناها انقضت بحلول الثورة، التي طالما تشدّق حكامها الجدد بحمايتها وتحصينا ومحاربة الفساد المستشري، وعوض ذلك يفتعلون قضايا لا يحسنون حتّى فبركتها مثلما كان يفتعل سلفهم.
إنها ثورة فريدة واستثنائية طبعا، ومن فرادتها أنها لا تأكل أبناءها ككل الثورات، لأنه ببساطة لا أبناء لها يحوزون عقودا أو مضامين توثّق نسبهم الثوري، ولكنها سوف تأكل من هنا أو هناك ما يكفيها لكي لا تموت، رغم أنها في مرحلة تبدو كأنها تتماوت.