إن توقيع الاتفاق بين ايران ومجموعة الدول الستة جدير بلقب ‘حدث تاريخي’. هذا حدث لا ينتهي مع التوقيع نفسه، وذلك لان الاتفاق هو بداية مسيرة طويلة ومركبة، غايتها اقتلاع البرنامج النووي الايراني ووقف اندفاعها نحو سلاح نووي. ومثل كل اتفاق، فانه لن يلبي في هذه المرحلة كامل أماني الطرفين. وستضطر القوى العظمى الى ابقاء الشبهات تجاه ايران، والرقابة بلا انقطاع على ما يجري على الارض وعدم ارخاء تشبثها بسوط التهديد، لحالة خرق ايران لبنوده. اما ايران من جهتها فستضطر الى أن تنتظر بصبر الى أن تتفضل القوى العظمى برفع العقوبات وتتيح لها ترميم اقتصادها. ‘ومع أن البنود الفنية المتعلقة بتقييد تخصيب اليورانيوم، والتخلي عن اقامة منشأة لانتاج المياه الثقيلة واستبدال المادة المخصبة بالوقود والغاز هي بالفعل لباب الاتفاق، ولكن هام بقدر لا يقل عنها الاستعداد في الطرفين لحل الخلافات بوسائل دبلوماسية واعطاء فرصة للثقة المتبادلة. هنا تكمن ايضا الانعطافة الجوهرية في العلاقات بين الغرب وايران. انعطافة وجدت تعبيرها في اسلوب ادارة المفاوضات، في تحسين العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، في الحوار المباشر وفي الاعتراف الايراني والغربي بان المفاوضات تجري بين طرفين عقلانيين لكل واحد منهما مصالح سياسية دولية ومحلية. واسرائيل هي الاخرى قدمت مساهمة هامة وجوهرية في الاتفاق. فقد نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في السنوات الاخيرة في اقناع معظم دول العالم بان التهديد حقيقي وجدي. وان قنبلة ايرانية ستهدد ليس فقط اسرائيل بل وكل المنطقة وفي واقع الامر العالم باسره. ودعوة اسرائيل لفرض عقوبات متشددة على ايران وتهديداتها باستخدام القوة ضدها، حتى دون دعم واسناد دوليين، ساهمت في احساس الالحاح، وفي نهاية المطاف الوصول الى اتفاق. غير أن الرد المتسرع لبنيامين نتنياهو الذي قال ان ‘ما تحقق في جنيف هو خطأ تاريخي’، بل واضاف بان ‘معاني الاتفاق تهدد اسرائيل التي ليست ملتزمة بالاتفاق’ هو رد ضار. فالاعتراض التلقائي، الذي يترافق وتهديدات ورؤى اخروية، يعزل اسرائيل، بل ويضعها في وضع اشكالي حيال حليفتها الولايات المتحدة. كما أنه يقلص قوتها في التأثير على الاتفاقات المستقبلية مع ايران، التي اهميتها ستكون أعظم من اهمية الاتفاق الحالي. ولهذا، خير يفعل رئيس الوزراء اذا ما اعطى فرصة للحل الوسط المتحقق، في ظل فحص حريص للشكل الذي سيطبق فيه على الارض.’