النص الأول: سَكَــنُ النَّفْــس الكاتِبَــة

حجم الخط
0

تفصلني عن النص الأول مسافةٌ بعيدة. لم أنشُر هذا النص، ولم أحتفظ به بين ما عندي من أوراق ووثائق، لكنني أسْتَعِيدُهُ باستمرار، أو هو مَنْ يُصِرّ على الحُضور، ربما لأنَّ مُتْعَة ودهشة كتابته، ما تزال ترافِقُني، أو هي ما أسْتَعين به على الكتابة، وعلى ما تُتِيحُه لي لحظة الكتابة من مفاجآت، وأسرار، لا أنتظرُها.
كتبتُ هذا النص، وأنا تلميذ في المرحلة الإعدادية، لا أحدَ قال لي اكتُب، أو أمرني بالكتابة، كما حَدَثَ لغيري، ممن كتبوا بالأمر، فَيَدِي هي التي قادتْنِي للورقة البيضاء، لهذا الفراغ العميق، والمُخيف. الشِّعر الذي قرأتُه، هو ما كان مُقَرَّراً في الكتاب المدرسي، استهواني الشِّعر، أكثر مما استهْواني النثر، فرغم أنني كنتُ قرأتُ بعض كتابات المنفلوطي، وجبران، وبعض روايات محمد عبد الحليم عبدالله، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، التي كُنتُ أستعيرُها من بعض بنات وأبناء الجيران، وما تركه في نفسي كتاب كليلة ودمنة من أثر، فأنا انْحَزْتُ للشِّعر، دون مُبَرِّر، أو تخطيط مُسبقٍ، كتبتُ نَصّاً عمودياً، حَرِصْتُ فيه على القافية، وعلى تساوي الشطرين، دون أن أعرف أنَّه موزون، مع اختلالاتٍ، وكُسُور في الوزن، كما كشف لي ذلك أستاذ اللغة العربية، الذي سيبقى هو أستاذي الوحيد لهذه اللغة، في التعليم الإعدادي والثانوي، لأنني كنتُ أدرسُ في إحدى مدارس ‘التعليم الحُر’، التي ذهبتُ إليها بعد طردي من ‘التعليم الرسمي’، وأنا في السنة النهائية من التعليم الابتدائي.
كانت دروسُ العربية، والتاريخ، والفلسفة في ما بعد، هي الدروس التي كَرَّسْتُ لها كل وقتي، لأنني كنتُ أستوحي منها أفكاراً كثيرة، وكانت هي ما ساعدني على اكتشاف أهمية الفكر والخيال، وما ساعدني على ترميم ما تَرَكَتْهُ في نفسي المرحلة الابتدائية من أعطاب. فالكتابة، كانت، بالنسبة لي، نوعاً من التعويض عن هذا الإقصاء الذي أحْسَسْتُ به وأنا أُطْرَدُ من القسم، في سِنٍّ لا تسمح لي بتمييز الأشياء، ولا باستثمار ما كنتُ تعلَّمْتُه من أمور أوَّلِيَة، وبسيطة، لم تكن تكفي لتمنعني، ربما، من الانحراف. أو كما كان كتب نيتشه، فـ ‘ما أكثر ما يظهر النشاط الأدبي الذي يُمارسُه رجل ما فيما بعد كنتيجة كئيبة لتلك الخطيئة التي ترتكبها التربية في حق العقل!’ والخيال، معاً.
فروحي الغاضبة، هي من دفعتني لأكْتُبَ، رغم النَّفَس الرومانسي الذي كان يُهًَيْمِنُ علَيَّ، وعلى أفراد جيلي، ممن كنتُ أتبادل معهم الكُتُبَ. وهذه الروح، هي نفسُها التي لا تزال تُرافِقُني، في ما أكتبُه، وفي ما أفكِّر فيه، وهذا كان هو جوهر هذا النَّص الأول، الذي لم يَعُد في يَدِي اليوم، رغم أنني حافظتُ على كثير من الكتابات التي كنتُ نشرتُها، في بعض الجرائد الوطنية، بداية من سنة 1976.
عَلَّمَني هذا النص المفقود، أن الكتابةَ هِبَة، تأتي من مكانٍ مجهول، تُدَرِّبُ اليَدَ على البياض، وتملأُها بطراوة الحبر، وتُجْبِر هذا ‘النَّبِيَّ’ ـ الكاتِبَ، على وضع نفسه رَهْن نداءاتها، لكن بشرط المعرفة، وما تتطلَّبُه من تَعَلُّم وبحث، واسِْتنْفاذٍ لراحة الجسم الذي يصبح في وضع الكتابة مُجرَّد مكان إقامةٍ، والكتابلةَ تصير هي سَكَن النَّفْس الكاتِبَة.
النصُّ الأول، هو الدَّهْشَةُ الأولَى، يأتي مباغِثاً، لا يُخْبِر عن مكانه، وهو من يختار وقْتَ انكتابه، لا كتابته. ثمّة فرق بين ما نذهبُ إليه، وما يَدْعونا للكتابة. وهذا النص، لا يَتَخَلَّص من دَمِ الولادة، من حبل السُّرَّة، أو الرَّحِم الذي يبقى عالقاً في اليَد، وبين فُروج الأصابع. فهو سِحْرٌ، أو نوع من السِّحر، لأنَّه يأخذ صاحبَه إلى مجهولاتٍ، هو لا يعلمُها، ويُعَلِّمُه أسرار الكتابة، في ما هو يكتب، وليس بالأمر، أو بالنهي. الكتابةُ، هي ممارسة في النص، وبالنص، ولا تأتي من خارج النص، باستثناء ندائها.
رغم بُعْد المسافة بيني وبين هذا النص البعيد، فأنا ما زِلْتُ أَتَحَسَّس طعمَهُ في لِساني، كان طعاماً قادماً من مائدةٍ، لا تزالُ لذاذة حلاوتها تُراودِني، كما تراودني حلاوة القُبْلَة الأولى، التي هي أيضاً دهشة، تشبه في لذاذتِها، لذاذةَ هذا النص الأول المفقود.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية