ليبيا الغد وعملية التحديث وصراع مراكز القوي

حجم الخط
0

ليبيا الغد وعملية التحديث وصراع مراكز القوي

محمود محمد الناكوعليبيا الغد وعملية التحديث وصراع مراكز القويلم يعد خافيا ان السيد سيف الاسلام القذافي اصبح لاعبا رئيسيا في الحياة السياسية في ليبيا وربما سيكون الرئيس الثاني لليبيا خلفا لوالده الذي اطاح بالنظام الملكي عام 1969، وأوجد نظاما بديلا تحت عناوين: الجمهورية، ثم الجماهيرية، واستطاع ان يستمر علي قمة السلطة طوال سبعة وثلاثين عاما، وسوف يستمر ما دام فيه عرق ينبض بالحياة.يجب الا ننسي ان جل النظم العربية السياسية تمثل ظاهرة (حكم العائلات) وحتي التي اختارت اثر انقلاب عسكري اسم (الجمهورية) حولتها الي جمهورية وراثية. وكل التطورات السياسية الجارية في ليبيا منذ تسوية قضية لوكربي الي التخلي عن مشروع الاسلحة النووية الي اعادة العلاقات الليبية ـ البريطانية، ثم اعادة العلاقات الليبية ـ الامريكية، كانت تتم بمشاركة عملية مهمة من جانب سيف الاسلام، وقد عبر في حديثه يوم 20 اب (اغسطس) 2006 ان دوره الحقيقي بدأ بمبادرة منه لفك الحصار عن ليبيا عندما فتح قنوات الحوار مع الغرب اي مع لندن وواشنطن، واعتبر تلك المبادرة هي مفتاح الشرعية لما جاء بعدها من مبادرات في مجالات عـــــدة منها ملف حقوق الانسان، والانفتاح علي عناصر ومجموعات من المعارضة في خارج البلاد (ومن اهمهم مجموعة الاخوان) وهو انفتاح وتواصل في عمومه ايجابي وان كانت نتائجه محدودة، ومنها عملية الافراج عن سجناء الاخوان، وتسهيلات الدخول الي ليبيا والخروج منها في اجواء مريحة. وذهب سيف الاسلام الي ان تصريحاته ووعوده التي اطلقها يوم 20 اب (اغسطس) 2006 تقع في اطار مبادراته الشخصية، واضاف بانه لم ينجز ما انجز لوحده بل بفضل فريق من الليبيين يعملون معه.ومن دلائل استعداده لدوره السياسي المقبل انه بدأ منذ عدة سنوات يبني منظومة من الكوادر المتخصصة بفضل الغطاء المالي للجمعية الخيرية التي يرأسها والتي اصبحت مؤسسة تنموية اكبر حجما وتأثيرا، ومن تلك الكوادر البعثات التعليمية والتي يختار لها الطلاب الأكثر تفوقا في دراستهم، ويتم ارسالهم الي الدول الأوروبية الغربية، وربما الولايات المتحدة في المستقبل، كذلك بدأ في بناء شبكة من المؤسسات الاعلامية في داخل البلاد سيتوجها باطلاق فضائية تعكس سياساته واحلامه ونوع الاعلام الذي سيلون ليبيا الغد.هذه المعطيات تعتبر مؤشرات كافية عن ملامح المرحلة السياسية المقبلة والتي ربما تستغرق بضع سنوات حتي تنضج وتصبح اكثر وضوحا اذا لم تحدث مفاجآت تختصر السنوات الي شهور او الي القليل من السنوات. ومن الملاحظ ان المهندس سيف الاسلام قد اطلق مجموعة من التصورات والوعود تعبر في عمومها عن نبض المواطن الليبي وتتلاقي مع كثير من تصورات ومنطلقات المعارضة، لقد تبني ضرورة وجود دستور، ومرجعية، وصحافة جيدة، كما تبني مشروعات لمعالجة البنية الأساسية. وهو في كل ذلك ينطلق من ثقافة ورؤية ليبيرالية متأثرا الي حد بعيد بدراسته في المعاهد والجامعات الغربية وبحواراته مع عدد من اهل الاختصاص في اوروبا التي يتردد علي عواصمها ويلاحظ قدراتها التنظيمية والاقتصادية والاعلامية، وهذا الاتجاه الليبرالي ـ وهو غير واضح المعالم حتي الآن ـ يبدو هو الخيار الذي يريده لليبيا الغد مع من حوله من الخبرات الليبية، ومع الكوادر التي يجري اعدادها. بهذه التصورات هو يطرح امام الشعب الليبي افكارا مغرية وجذابة مع التأكيد علي القطيعة مع الماضي، والاتجاه نحو تحديث البلاد بدفع ومساعدة بريطانية / امريكية. وقد لاحظنا منذ اكثر من سنتين تدفق الوفود البريطانية والأمريكية علي طرابلس، وهي وفود سياسية، واقتصادية، مع زيارات لشخصيات متخصصة في الفكر التنظيري كان آخرها، صاحب كتاب (الطريق الثالث) وهو المفكر البريطاني: انثوني جيدن… هذه الوفود، وتلك الشخصيات كانت تقوم بدور ترشيدي لاقناع العقيد القذافي ان يغير من بعض افكاره السياسية اذا اراد ان يلعب دورا ما، وكان سيف الاسلام احدي القنوات المشجعة والوسيطة في تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والسياسية التي تمهد لاخراج ليبيا من عزلتها الماضية الي مرحلة الانفتاح علي الغرب والاستفادة من قدراته وامكاناته في الاستثمار والتدريب وربما بعض المفاهيم والأطر السياسية، ومن يقرأ مقالة انثوني جيدن المنشورة بمجلة نيوستيسمان البريطانية تاريخ 28 اب (اغسطس) 2006 والتي نشرت مترجمة علي موقع اخبار ليبيا، يجد بوضوح التعبير عن محاولات الاحتواء والدفع نحو تحديث ليبيا عبر عملية اقناع هادئة وربما طويلة المدي، وهي عملية ستمر عبر صراع قوي بين فكر وممارسة استمرا لأكثر من ثلاثة عقود، وبين افكار جديدة يتبناها سيف الاسلام ومن حوله لرسم ملامح ليبيا الغد، وهي ملامح ليبرالية، تبشر بها نخبة ليبرالية اغلبها من منتجات الجامعات الامريكية والبريطانية، وتجد دعما من قطاع واسع من الشباب الحديث المتأثر بثقافة العولمة وما تعكسه من بريق خادع في اغلب الأحيان… كما انها تجد دعما امريكيا / بريطانيا من الخارج.المرحلة المقبلة من تاريخ ليبيا السياسي اذن ستكون مليئة بالأحداث والتطورات والصراعات ومن الصعب جدا التكهن بمسارات ومآلات تلك التطورات. والذي دفعني الي مواصلة الكتابة عن مبادرات ومشروعات سيف الاسلام هو اهمية المسألة من الناحية النظرية والعملية، ومن ناحية الوعي باستشراف المستقبل والاستعداد للتعامل معه بالمواقف المناسبة وخاصة من الشبان والشابات في داخل البلاد وهم الذين يعنيهم الأمر اكثر من الأجيال التي تقترب من الشيخوخة ومنهم جيلي وجيل العقيد معمر القذافي ورفاقه. ان مسألة الدستور ستكون هــــي جوهر اي تطــــور مستقبلي، وهي مسألة تتطلب قدرة علي النظر نحو المستقبل القريب والبعيد.ان ما كتب ونشر حتي الآن حول المراجعات والتطورات والصراعات ليس كافيا، والمسألة تحتاج الي المزيد من النظر والبحث والاتصال بما يجري ومعرفة ما يجري من الأمور المهمة لكل ليبي وليبية في داخل الوطن وخارجه.سيف الاسلام فتح الطريق باطلاق المزيد من النيران علي المفسدين والعصابات التي تكونت وتغولت في مناخ ملوث وفي ظل سلطة الشعب واللجان الثورية والشعبية ومؤتمراتها الأساسية، وعلي مرأي ومسمع من جميع القيادات الفعلية الحاكمة في ليبيا لأكثر من ثلاثة عقود.بعض المراقبين، وبعض المحللين اعتبروا ما قاله سيف الاسلام هو بالاتفاق الكامل مع والده، وهو ليس سوي لعبة لإلهاء الليبيين، وهو في احسن الأحوال كلام وخطاب للخارج، وخاصة الولايات المتحدة. ويبدو لي ان ما حدث وما سيحدث في المستقبل القريب لم يكن مجرد مناورة سياسية بمناسبة الذكري السنوية للثورة، ولكنها بدايات تغيير فعلي بطيء الحركة لأن تركة الماضي تركة ثقيلة بلجانها وفسادها واخطبوط شبكات المافيات المتعددة الولاءات.بعض ما نتمناه ان تبني عملية التحديث ـ بمن سيقودها ـ علي اسس تبدأ بوضع دستور للبلاد باسلوب ترضاه وتقبله اغلبية الشعب الليبي، وباختيارها الحر وعلي مسمع ومرأي من العالم ومنظماته المعنية، وان تكون خطوة الدستور هي البداية الصحيحة لدولة القانون، واخيرا ليس المهم من سيحكم ليبيا، بل المهم كيف يحكمها، ويبسط العدل في ربوعها، وينتقل بها من حال الفساد والتخلف والفوضي، الي حال الشفافية والحداثة الايجابية، والاستقرار والرفاه الاقتصادي وادارة شؤونها بمؤسسات تديرها عقول ليبية مهنية وأمينة، وبلادنا ورغم كل الفساد الذي حل بها ما تزال تختزن قدرات بشرية نظيفة ومؤهلة لاحداث التغيير الايجابي اذا وجدت فرصتها للعمل والبناء. ہ كاتب من ليبيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية