لندن ـ ‘القدس العربي’ لم يكد المتفاوضون حول ملف إيران النووي في جنيف يوقعون اتفاقاً مرحليا حتى سارعت الأمم المتحدة والأطراف المعنية بالصراع السوري بتحديد موعد انعقاد مؤتمر جنيف-2 الذي طال انتظاره لحل الأزمة السورية.
فمنذ إعلان وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأمريكي جون كيري عنه في أيار / مايو برزت خلافات بين طرفي النزاع والأطراف الداعمة لهما عرقلت تنظيمه، ولا يعرف إن كان موعد 22 كانون الثاني / ينايرمناسباً في ظل التطورات الدولية وما ينظر إليه على أنه انتصار إيراني أعطى الرئيس السوري بشار الأسد فرصة للبقاء مدة أطول في السلطة، على الرغم من تأكيدات المسؤولين الأمريكيين على أهمية أن يفضي مؤتمر جنيف لرحيل الأسد، حسب جوش أرنست المتحدث باسم البيت الأبيض.
الأسد باق
ولم يكن هذا واضحاً في تصريحات نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد لصحيفة ‘فايننشال تايمز’ البريطانية. التي استبعد فيها ممارسة المجتمع الدولي ضغوطاً لتنحية الرئيس’فدمشق واثقة من مستقبل الأسد قبيل محادثات جنيف-2’، وأكد أن بلاده بعيداً عن هذا لا تتوقع طرح مسألة رحيل الأسد خلال المؤتمر. وان الموضوع قد تم تجاوزه.
ولا يعرف كيف ستتعامل المعارضة مع الموضوع خاصة انها تشترط رحيل الرئيس قبل الذهاب لمؤتمر جنيف، وفي ظل التكتلات الجديدة على الساحة القتالية والجبهة التي أعلن عنها قبل أيام فستجد المعارضة نفسها في مأزق الذهاب لجنيف-2. وواصل مقداد قوله بأن سورية لديها لديها ثقة واضحة بتفهم شعوب العالم، الأوروبية والأمريكية منها بأن ‘سورية تواجه الإرهاب نيابة عن العالم’.
وقال إن بعض الدول الغربية طلبت التعاون مع بلاده في مجال تقديم معلومات عن الجهاديين، وهو زعم لم تكن الصحيفة قادرة على التحقق منه.
ويعتقد مقداد في هذا السياق أن الأتفاق الأمريكي الإيراني يعبر عن ‘تغير في سياسة الغرب بالمنطقة’، خاصة أن التوصل لاتفاق مع إيران صعب ‘مما يعني ان جميع الأطراف المعنية بالموضوع ترغب بالتوصل لحل سلمي للأزمة’.
ويرى مقداد في تراجع الإدارة الأمريكية عن ضرب سورية عقابا لها على الهجوم الكيماوي في الغوطة 21 آب / أغسطس الماضي مقابل تخليها عن ترسانتها الكيماوية لم تكن محاولة روسية لحماية سورية فقط ‘بل ولحماية الحكومة السورية وموقعها على الساحة الدولية’.
ولم يعرف بعد إن كان لإيران دور في محادثات جنيف القادمة، لكن لهجة كيري واضحة في التأكيد على ‘حاجة سورية لقيادة جديدة’.
وفي ظل التحول في التحالفات الجديدة في المنطقة بعد الإتفاق النووي مع إيران، وما ينظر إليه من تحول النفوذ الأمريكي تجاه إيران، يخشى أن تقوم السعودية وحلفاءها من دول الخليج بتعزيز دعمها للجماعات المقاتلة في سورية.
وكان مقداد في مقابلته يعبر عن جوهر الرسائل التي أرسلتها وزارة الخارجية السورية لبان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة من أن سورية ‘تكافح الإرهاب الذي يستهدف مواطنيها والذي تراه ضرورياً لأي حل سلمي’.
الجبهة ستقرر
وترى صحيفة ‘واشنطن بوست’ ان الوضع الميداني هو الذي سيقرر مسار المؤتمر خاصة أن المعارضة السياسية لا تأثير لها على الأرض، والجماعات المقاتلة، خاصة الإسلامية هي التي تقوم بتعزيز وجودها على الأرض.
وينظر للإعلان عن موعد جنيف-2 عودة سورية للاضواء حسب ويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني. مؤكداً مثل كيري على أهمية تخفيف المعاناة الإنسانية للسوريين في البلاد ومطالباً الحكومة السورية بوقف الأساليب الوحشية التي تشمل التجويع وفرض الحصار على المدن.
ومهما كانت دعوات المسؤولين الغربيين لعقد المؤتمر وتحديد موعده فهناك شك في انعقاده في الموعد المحدد حسب صحيفة ‘لوس أنجليس تايمز’ لأن الخلاف لا يزال قائماً بين جماعات المعارضة حول من سيمثلها ومن سيشارك فيه، وحول مصير الأسد. وربطت الصحيفة بين الإعلان عن المؤتمر وصعود الجهاديين ومخاوف الدول الغربية من بناء هؤلاء جيوب وإمارات تتحول إلى مراكز لتصدير المقاتلين الإسلاميين لعواصمهم ومدنهم.
كما وأشارت إلى أن توقيت الإعلان مرتبط بالإتفاق النووي الإيراني حيث تحاول الدول الغربية استثمار الدفعة الدبلوماسية والتوصل لحل سياسي للأزمة السورية.
ضد جنيف-2
ويرى تقرير لمجلة ‘تايم’ الأمريكية أن التكتلات الجديدة على الساحة السورية تعتبر حجر عثرة أمام مؤتمر جنيف ودليلاً واضحاً على تراجع التأثير الأمريكي في سورية. وتقول إن حلم واشنطن بتعزيز الجماعات المقاتلة ذات الرؤية المعتدلة بشكل تكون فيه قادرة على مواجهة نظام بشار الأسد وتهميش المقاتلين الإسلاميين تلاشى على ما يبدو. وعلق التقرير هنا على قرار 7 جماعات إسلامية تشكيل جبهة إسلامية تعتبر الأوسع في مقاييس الإنتفاضة السورية، حيث أكد قادة فيها على أنها مستقلة عسكرياً وسياسياً ومالياً واجتماعياً تهدف للإطاحة ببشار الأسد وبناء دولة إسلامية الحاكمية فيها لله سبحانه وتعالى وحده’.
ونقلت المجلة عن تشارليس ليستر، من مجموعة جينز الأمنية الذي أصبح على ما يبدو ‘مرجعية’ للصحافة الغربية حول التطورات الجهادية في سورية قوله إن التحالف الجديد الذي يضم ‘كتيبة التوحيد’ و’أحرار الشام’ و’الجيش الإسلامي’ يبلغ قوامه 45 ألف مقاتل، ومن خلال التعاون وتعزيز الدعم الخارجي خاصة من السعودية فالتحالف الجديد يعتبر ‘علامة مهمة’ في الإنتفاضة السورية، وسيؤدي الى تكثيف العمليات في أماكن متعددة ورئيسية في أنحاء البلاد.
ولم يضم التحالف أياً من الجماعات المتحالفة مع القاعدة مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
وفي الوقت الذي لن تواجه فيه الجبهة الجديدة جبهة النصرة عن قصد إلا أنها حسب ليستر ‘تمثل تجمعاً إسلامياً يعمل على إبعاد السوريين عن القاعدة’.
لكنه يظل ضربة قوية للتجمع المدعوم من الغرب مثل الجيش الحر والإئتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة.
وسيؤدي إلى تراجع شهية الغرب في دعم المقاتلين الإسلاميين، خاصة بعد رفض الجبهة محادثات جنيف-2 ووصف سلمان الشيخ من معهد بروكينغز الدوحة التكتل الجديد بأنه ‘نعش لمحادثات جنيف’.
كارثة
ونقلت المجلة عن مستشارين سابقين في الأمن القومي الأمريكي اعترافهما بتراجع النفوذ الأمريكي على المعارضة السورية المسلحة وذلك في أثناء مشاركتهما في مؤتمر باسطنبول.
ونقلت عن ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي في إدارة بوش قوله إن ‘ الفشل في المشاركة في سورية خلال العامين الماضيين قد أدى إلى نتائج كارثية’.وكان هادلي يتحدث في مؤتمر الأطلنطي للطاقة والإقتصاد.
وأضاف أن تشكيل الجبهة يظهر ‘أثر عدم النشاط في التدريب والتسليح للعناصر المعتدلة، والمفارقة أن كل طرف يحصل على أسلحة ثقيلة بمن فيهم الحكومة السورية باستثناء هؤلاء الاشخاص الواعين بمصالحنا’.
ونقل عن ساندي بيرغرر، مستشار الأمن القومي في عهد كلينتون ‘تبدو المعارضة بشكل متزايد متشرذمة ومتطرفة’ ولم يعد للمعارضة المعتدلة أي اثر على المعارضة التي تقاتل’.
وقال هيدلي إنه إذا سمح بانتصار الأسد فهذا سيرسل رسالة للعالم مفادها أنه إن كنت مستعداً لقتل الألاف من أبناء شعبك فالعالم سيتركك في السلطة’، وفي المقابل ‘فانتصار المعارضة يعني انتصار الإسلاميين والقاعدة’.
ونقلت عن متحدث باسم الجيش الحر قوله إن ‘الجبهة الإسلامية’ تسيطر على نسبة 60 بالمئة من المقاتلين لكنه أكد انها ملتزمة بقرار الجيش الحر. وقال إن لديهم قيادة تنسق فيما بينهم لكنهم لا يزالون جزءاً من المجلس العسكري السوري. وكان مبعوث الأمم المتحدة للعراق قد أخبر مجلس الأمن يوم الإثنين أن الحرب في سورية تشعل التوترات الطائفية في العراق.
وقال نيكولاي مالادينوف إن حل الأزمة السورية وتبني استراتيجية ضد كل اشكال التطرف كفيلة بتحقيق الإستقرار في العراق، مشيراً أن ‘التحديات في العراق لا يمكن التعامل معها بدون المخاطر الأوسع التي تواجه المنطقة’.
السعودية ستصعد
ويرى محللون أن الوضع في سورية سيزداد سوءاً بعد الإتفاق النووي الإيراني حيث ستزيد السعودية الغاضبة على أمريكا من دعمها للمقاتلين السوريين بأسلحة ثقيلة.
وقال تقرير في صحيفة ‘تايمز’ حيث نقلت عن فراس أبي علي من وحدة’اي أتش أس كانتري ريسك’ قوله إن السعودية سترد بزيادة شحنات الأسلحة ‘من الصواريخ المضادة للدبابات وربما الطائرات للمعارضة عبر الأردن’، مشيرة إلى ان الخاسر الأكبر في عملية التصعيد سيكون الشعب السوري، حيث ستتصاعد حدة القتال قبل الوصول إلى جنيف. ونقلت صحيفة ‘دايلي تلغراف’ ما قاله نواف عبيد، مستشار السفير السعودي والذي اتهم الدول الغربية بالكذب وخداع المملكة ‘لقد تم الكذب علينا وإخفاء الأمور عنا’، في إشارة لاتفاق النووي.
وقال عبيد إن السعودية ستواصل رفضها للتدخل الإيراني في سورية، وأشار تحديداً للحرس الثوري الإيراني حيث قال إن السعودية ‘ستكون هناك لوقفهم في أي دولة عربية كانوا’ وأضاف ‘لن نقبل بوجود الحرس الثوري في حمص’.