هل يستطيع الفكر القومي أن يخرج الأمة من الأزمة؟
د. محيي الدين عميمورهل يستطيع الفكر القومي أن يخرج الأمة من الأزمة؟أتاهم تصريح السيد حسن نصر الله كجرعة أكسيجين تمكنهم من التنفس بعد أن أشرفوا علي الاختناق بغاز العادم الذي كانوا يطلقونه منذ تموز (يوليو) الماضي.وما ان قال الشيخ برجولته ووضوحه بأنه ما كان ليخطف الإسرائيليين لو توقع أن احتمال رد الفعل الإسرائيلي سيتجاوز الواحد في المئة وسيصبح تدميرا جنونيا غير مسبوق، حتي تحركت زواحف المارينز الفكرية لتقصف حزب الله بكل ما تصل إليه أيديهم من افتراءات، بجانب صيحات انتصارهم البلهاء التي يريدون بها إقناعنا بأن آمريهم ومموليهم كانوا علي حق في حكمتهم.وحتي تحية كبيرهم للشيخ لم تسلم من السموم، إذا اكتفي بالإشارة إلي الحرب ولم يسمها، كما كانت، عدوانا وحشيا دمويا تجاوز كل منطق، ورأي الراشد بأن: شجاعة السيد ترد علي الذين فتحوا النار علي كل من نبه لخطأ ما حدث ، وذلك لمجرد أن يؤكد ضمنيا بأن ما حدث كان فعلا مغامرة، وهو ما يذكر بأن أمثال هؤلاء اتهموا الثورة الجزائرية وتأميم قناة السويس وتأميم النفط بالمغامرة.وكان من ديدان المارينز المدعو غريافي، كتب من لندن يقول بأن مؤسسات ونوادي لبنانية في الولايات المتحدة وعددا من الدول الأوروبية، وبالتفاهم مع قيادات قوي الرابع عشر مارس (أي جماعة جنبلاط، الذي كان لقاؤه العفوي بالنائبة الاشتراكية الإسرائيلية إيفيتال فرصة لتحريضها علي المقاومة تاركا تحريض اليمين لآخرين يملكون الثروة والشباب والرصيد العاطفي) هؤلاء القوم يستعدون لمقاضاة حسن نصر الله بتهمة التسبب في الحرب الإسرائيلية علي لبنان وتدمير ثلث البلاد وقتل أكثر من 1500 مواطن وتكبيد الدولة خسائر تقرب من 13 مليار دولار الخ.والكاتب لا يعطينا اسما واحدا لناد أو جمعية أو فرد من هؤلاء، لكنه يندفع بسرعة لتصفية الحساب القديم، فيختار ما يدفع إلي الذهن بتعبير الهزيمة، مقارنا ما حدث بهزيمة 1967، ومتناسيا أن من ملابساتها مسارعة زعيم عربي بإبلاغ تل أبيب نوايا جمال عبد الناصر، ومن أسبابها الاتهامات العربية المستفزة للرئيس المصري بأنه يختفي وراء القبعات الزرقاء، ثم ينسب الغر لأوساط لبنانية، لم يُسمها بالطبع، أسفها لهذا المستوي غير المُشرف لأمثال أولئك القادة العرب الذين يتسببون في الهزائم (ولست أدري أي نصر حصلنا عليه بعد أن غاب عبد الناصر وفيصل وبو مدين وبهوتو).أما دافيد البصري في إيلاف الإلكترونية (التي تصدر عن مملكة نفطية عربية، آسف أقصد إسلامية، فيقول في تعليقه: هل نفهم من هذا الكلام الواضح والصريح بالعربي الفصيح والبعيد عن اللكنة الفارسية (هكذا) بأن السيد يتراجع عن ادعاءات النصر علي العدو الصهيوني (..) وهل نفهم أن الندم هو الموقف الحقيقي (للسيد) والقوسان هنا للكاتب الذي يواصل تخريفه متحدثا عن طهران المأزومة أو الشارع العربي الغوغائي والأحزاب الفاشية الديناصورية المنقرضة (..) ليؤكد بأن ما قالته بعض الأطراف العربية حول المغامرة غير المدروسة كان هو النموذج الأصح للسياسات الحكيمة (وأصحاب التصريحات معروفون وقد سبقتها محاولة زرع الفتنة بين الشيعة والسنة بفتاوي حرمت حتي الدعاء، وارتبط ذلك بالتخويف من هلال شيعي مخيف ومن ولاء شيعة العرب لإيران).ومن أوسلو (المعروفة) يسخر السعدون من استشهاد ابن السيد حسن نصر الله ويقول بأن: الرجل بدا متماسكا بل فرحا بعنوان الشهادة لابنه هادي (ولم يقل… رحمه الله) بل أنه طلب من ابنه التالي محمد جواد بأن يستلم بندقية أخيه ويستعد للحاق بالمقاومة (..) وظاهرة الفرح بموت الأبناء تمثل (في نظر الكاتب) الإحباط والرغبة بتأكيد الذات وهي عموما حالات غير سوية ، ثم يُعلق علي الرجال من نوعية عبد الناصر وهوشي منه وماو تسي تونغ قائلا بأنهم أوردوا بلدانهم موارد التهلكة، ويقول بأن تحرير القنطار أو مزارع شبعا لا تستدعي شن حرب كبيرة كهذه ( وكأن حزب الله هو الذي شن الحرب) ثم يستدرك عندما يكتشف سقطته قائلا بأن ما حدث أساسا هو: اعتداء صارخ علي دولة (هي إسرائيل بالطبع) وما فعله حزب الله من اعتداء صارخ علي أراضي الغير (هكذا والله) واختطاف وقتل بعض جنودهم هو قرصنة في العرف الدولي ، أفقدت الحزب عمقه العربي والإسلامي من شعوب وحكومات باستثناء الرحم الإيراني (إيران ثانية) والقابلة السورية ومن ورائهما جموع الغوغاء من المفلسين والقومجيين والإسلامويين (يعني أنا وأنتم). ولن أواصل استعراض الردود الإعلامية التي أصابها نصر الله بالهستريا ويؤرقها أن يتوقف سيل البترودولارات. والغريب أن القوم ينظرون ولا يرون وينصتون ولا يسمعون.فنوايا إسرائيل الحقيقية تجعلنا نتساءل ببساطة: هل كانت النوايا معروفة عند الجيوش العربية ومخابراتها وقوادها، وإذا كان الذين يكلفون الخزينة العربية مئات المليارات لم يعرفوا شيئا فكيف تعرفه مجموعة مقاومة محدودة الإمكانيات.أما إذا كانوا يعرفون فإن واجبهم كان إبلاغ كل الأشقاء، وفي لبنان علي وجه التحديد، حيث كان يمكن لحزب الله أن يطلع علي المعطيات بصفته جزءا من حكومة شرعية قائمة ليقوم بحساباته علي ضوئها، حتي ولو كانت القاعدة العامة في الأعمال العسكرية أن الحسابات يمكن أن تضل أو تضلل، والحروب العالمية شاهد علي ذلك.ثم لماذا ننسي ما قاله السيد في أول خطبه عندما اعترف بأنه لم يتوقع أمرين، شراسة رد الفعل التي لا تتناسب مع الفعل، والتعامل المتخاذل بل والمتواطئ لبعض العرب، مما يعني أن العدو تلقي تطمينات عربية شجعته علي التمادي في التخريب والتدمير لينتهي الأمر بأسرع وقت ممكن، وهو ما يعني أن العدو كان سيُفكر ألف مرة قبل أن يرسل بجنوده لو كانت أسنان الليث التي رآها عند قيادات عربية لا تدل إطلاقا علي الابتسام. ولن أذكر بفتاوي العار ولا بالتصريحات المنددة بالمغامرات ولا بالاتصالات السرية التي قام بها مسؤولون عرب لم نسمع منهم إنكارا أو استنكارا لما قيل، ولم نسمع، قبل الصمود، تنديدا واحدا من كتاب البترودولار بجرائم إسرائيل ضد الإنسانية والتي أدانها العالم كله، بل ورفضها بعض اليهود.العالم كله يرفض التجاوزات الإسرائيلية ويسجل تفهمه للمقاومة اللبنانية إلا بعض المحسوبين علينا بنصف جنسية عربية، وما يهمهم هو ألا يُترك إعمار الجنوب لحزب الله، وهم يتشنجون لا كرها في المقاومة التي فضحت مستوي رجولتهم وإنما أيضا دفاعا عن جيوشنا النظامية التي أثبتت أن وجودها وعدمها سيان.وفي الوقت الذي يطالب فيه دهماء السياسة وغلمانها بضرورة احترام سيادة الدولة اللبنانية وحرمة معالمها نجدهم يضعون كل ثقلهم مع لارسن (الذي يطمع في خلافة كوفي عنان) وسفراء أمريكا وفرنسا وغيرهم ليحاصروا الرئيس الشرعي للجمهورية، إميل لحود.وتبقي التهجمات علي سورية بحجة أنها لم تدعم حزب الله، ونفس الشيء بالنسبة لإيران، وهم هنا علي حق، فأسلحة حزب الله جاءته من بابا نويل ، والصواريخ وجدها في علب بونوكس ، والألغام كانت داخل بيض كيندر الشوكولاتية.ثم تأتي أصوات تطالبنا بالتمسك بالهوية العربية، والمدهش أنها لم تؤمن يوما بتلك الهوية التي تعتمد علي الإيمان بالمنطلقات القومية، بل وانطلقت في حروب متوالية ضدها وضد من ينادون بها، ومع الاعتراف بأن بعض هؤلاء كان أكثر إساءة لها من خصومها.ولن أذكر بما تعرضت له الاتجاهات الوطنية والقومية من إغراق للسوق العالمية بالنفط للتأثير علي سعره، ومن تحريض لشبابنا علي شق عصا الطاعة ضد قياداته التي اتهمت بالشيوعية والعمالة للاتحاد السوفييتي، ولن أذكر بفتاوي التكفير التي كانـــت وراء المرحلة الدموية.هذه الصحوة القومية المزعومة، المحذرة من الخطر الإيراني، تتزايد مع التشنج الأمريكي ضد إيران، وتأتي بعد الانتصار الاستراتيجي الذي حققه حزب الله واعترف به الصهاينة، لدرجة أن أكثرهم تفاؤلا تحدث عن انتصار إسرائيلي بالنقط وليس بالضربة القاضية، وما يحدث علي الساحة الإسرائيلية يفقأ الأعين، ولكن ديدان المارينز لا تراه.وأذكر بما قاله راشد الغنوشي من أن الفكر القومي هو طريق الخروج من الأزمة، فالإسلام يضم أكثر من قومية تتجمع كل منها حول نفسها بدون أن تتناقض مع الالتزام الديني، ويضرب مثلا لذلك بالقوميات التركية والفارسية والأفغانية وغيرها.وهكذا يتضح أن الشذوذ الوحيد هو ما يعيشه الوطن العربي من تمزق قومي يحاول البعض أن يعطيه تفسيرا دينيا في المشرق العربي، ربما نتيجة لآثار ما سُميَ بالثورة العربية الكبري التي كانت إنتاجا بريطانيا أخرجه لورنس بممثلين عرب، استهدف تحطيم الإمبراطورية العثمانية التي دفعت ثمن رفضها لإقامة الوطن القومي لليهود علي أرضنا، وبالطبع، بدون تجاهل أخطائها في مرحلة الانحطاط الذي اختتم حياة آخر الإمبراطوريات الإسلامية، وكانت محاولة استنساخها في القرن الماضي وبرعاية أمريكية أكبر كارثة مزقت الإسلام والعروبة والمسلمين.وبعض شعارات العروبة اليوم لا تختلف عن رايات لورنس بالأمس، لكن وحدتنا الحقيقية جسدتها المقاومة في لبنان، وحدة السنة والشيعة والمسلمين والمسيحيين، وحدة المؤمنين والعلمانيين، وكل من يرفضون أن يكون البيت الأبيض قبلتهم وبرج إيفيل مئذنتهم ومونتي كارلو خلوة الاعتكاف. وسأفترض جدلا أن كتاب المارينز علي حق في تحليلهم لأحداث لبنان، فأين هم من أحداث فلسطين حيث يتواصل ذبح شعبنا لمجرد أنه أراد أن يُطبق الديمقراطية الحقيقية؟9