مبروك حق العودة.. لكن إلى المخيم

حجم الخط
1

مساكين هم الفلسطينيون الذي هجّرتهم النكبة في قرنٍ مضى، فواجهتهم نكبةٌ أخرى في القرن الحالي. أولئك الذين حملوا مفاتيح منازلهم وتسلحوا بأمل العودة، سيمارسون ذلك الحق إن صدقت الرؤية ليس إلى وطنهم السليب، بل إلى المخيم الذي جمع أحلامهم وآلامهم وجزءً وافراً من كرامتهم.
الفلسطينيون يعودون اليوم تماماً كما عادوا ذات يوم إلى صبرا وشاتيلا والبداوي ونهر البارد وعين الحلوة، في مشهدٍ أعاده التاريخ مراتٍ ومرات وبنفس البشاعة والظلم والتنكيل. سيعودون بعدما أكل من بقي منهم لحوماً لم يعتد البشر عليها وبعد انقطاع طويلٍ لكل مقومات الحياة الآدمية.
اليوم يتحول مخيم اليرموك في دمشق، الذي حمل اسم مكان ومعركة رمز ذات يوم للعزة والفخار، يتحول إلى ساحة امتحان حقيقية. فهل يصمد اتفاق الفرقاء فيعود الناس ليلملموا ما تبقى من أموالهم وآلامهم ويلتحفوا سقفاً هجروه بعد أن اعتادوا عليه؟ أم تنتكس الحكاية ويعود اللاجئ إلى ملجئه الجديد محاطاً بدموع أبنائه اللاجئين الجدد وأحلامه المتحركة التي لم تعد تناجي وطناً أو بيارةٍ أو منزلاً ما، وإنما بقايا بيتٍ من الصفيح والأسلاك وبعض الإرادة؟
الجواب وبكل أسف لم يعد يمتلكه الفلسطينيون وإنما انتقلت حقوق الإجابة إلى الفرقاء، الذين ضاع الوطن في ما بينهم وما ضاع حماسهم للقتال حتى على ركامه.
قد يتفق الفلسطينيون على أنهم ليسوا طرفاً وقد يجمعون على أنهم شركاء في المعاناة، لكنهم لن يتفقوا ولن يجمعوا على الحل لمآسيهم، ليس لأنهم لا يريدون بل لأنهم وفي معادلات الغير هم دائماً القاسم المشترك الأكبر بين كل الضحايا.
النكبة والنكسة وحرب لبنان وحروب الخليج وحروب غزة واجتياحات الضفة ومعارك الربيع العربي، والقائمة تطول من تطورات قزمت حلم الفلسطيني في الحرية والدولة والخلاص، وخفضت سقف أحلامه وطموحاته إلى أن جاء الانقسام البائس فأجهز على بقايا الأمل. نعم يودع الفلسطينيون جزءًا من أحلامهم مع كل محطة تاريخية. فالظلم العالمي حوّل تفاوضهم إلى معركة على خارطة لم تعد تمتد من البحر إلى النهر، بل انحسرت في الضفة وغزة، بينما قزم العالم المجنون حق عودتهم إلى الفرحة بالعودة إلى مخيم انهارت خيامه وبقايا حياته. نعم الفلسطينيون هم ضحايا العصر والحائزون كأس أكثر البشر انتكاباً وانتكاساً ورحيلاً وتهجيراً، لكن هذا الكلام لا يستثني ولا يقزم طبعاً معاناة الآخرين، الذين باغتهم القصف والموت وجحيم النزاعات في كل مكان.
رحم الله الأبرياء الذين قضوا.. ورحم الله الأبرياء الذين ينتظرون.. ورحم الله الشهداء في كل سورية.. والشهداء الجدد في مخيم اليرموك.. والشهداء الذين ماتوا من جديد في مقابر الشهداء هناك!

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية