توترت العلاقات بين مصر وتركيا إلى درجة كبيرة ووصلت إلى مستوى طرد السفراء، ويرجع هذا التدهور من وجهة النظر المصرية إلى اتهام مصر تركيا بأنها ساندت الرئيس المعزول محمد مرسي واعتبرت تنحيته نوعا من الانقلاب على الشرعية وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير الدكتور ‘بدر عبد العاطي’ إن حكومة بلاده أعطت فرصا كثيرة لتركيا دون أن تستغلها، ولكنه لم يفصل نوع تلك الفرص، غير أنه أضاف أن سحب السفير المصري من تركيا وتخفيض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى القائم بالأعمال كان الخيار الوحيد المتاح لمصر، ووصفت الحكومة المصرية الموقف التركي من الحكومة المصرية بأنه تعد على إرادة الشعب المصري بحسب زعمها، ووصف ‘عبد العاطي’ رئيس وزراء تركيا ‘رجب طيب أردوغان’ بأنه يغلب مصالحه الشخصية على مصالح بلاده، وأنه الأكثر تطرفا في تركيا .
وعلى الرغم من ذلك فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية إن تخفيض العلاقات الدبلوماسية مع تركيا لا يعني قطع العلاقات معها. مؤكدا أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين ستستمر لأن علاقات مصر وتركيا ليست فقط علاقات دبلوماسية بل هي في الحقيقة علاقة دم .وأعرب الدكتور عبد العاطي عن أمله في ألا تتردى العلاقات بين بلاده وتركيا إلى ما دون ذلك، وأكد أن الجالية التركية في مصر لن تتأثر بالقطيعة بين البلدين، ويرجو أن تكون هناك لغة حوار موضوعي بين مصر وتركيا
وعلى الفور قال رئيس الوزراء التركي ‘رجب طيب أردوغان’
عقب طرد السفير التركي من مصر إنه لن يحترم مطلقا أولئك الذين يستولون على السلطة بواسطة الانقلابات العسكرية.ودعا ‘أردوغان’ إلى عودة الديموقراطية إلى مصر.
ولم تلق تصريحات ‘أردوغان’ قبولا عند القيادة المصرية التي وصفت تركيا بأنها أمعنت في مواقف غير مقبولة تسعى في جوهرها إلى تأليب الشعب المصري ضد نظام الحكم القائم، وقالت مصر إن تركيا تدعم اجتماعات لتنظيمات لا هدف لها سوى خلق حالة من عدم الاستقرار في مصر، وهي بذلك تهين إرادة الشعب المصري، كما تقول الحكومة المصرية، ولم تقتصر الاحتجاجات المصرية على الجانب الرسمي، إذ ظلت وسائل الإعلام وبعض السياسيين المؤيدين لحكومة الجيش تهاجم الحكومة التركية وتتهمها بأنها تقدم دعما واضحا لجماعة الإخوان المسلمين خاصة أن ‘طيب أردوغان’ هو أول من استخدم إشارة رابعة العدوية التي يستخدمها الآن المعارضون للحكومة. ومن الجانب التركي قال الرئيس ‘عبدالله غول’ في مقابلة تلفزيونية إنه يأمل في أن تعود العلاقات بين بلاده ومصر في وقت قريب إلى حالتها الطبيعية، وعلى الرغم من ذلك فقد شددت وزارة الخارجية التركية اتهامها للحكومة المصرية التي وصفتها بالحكومة الانقلابية وبأنها هي السبب في تدهور العلاقة بين البلدين، وكان ذلك أيضا موقف السفير التركي في مصر الذي قال إن بقاء مصر على المسار الديموقراطي أمر ضروري.
ومن جانب آخر قال وزير الخارجية التركي ‘أحمد داؤود أوغلو’ إن طرد السفير المصري من تركيا هو لمجرد المعاملة بالمثل، وأكد أن تركيا ستستمر في صداقتها لمصر، ولكنها لن تحترم من لا يحترمون إرادة الشعب المصري.
والمعروف أن تركيا يحكمها نظام يشبه النظام الذي يدعو إليه الإخوان المسلمون، ولديها مشكلة مع الجيش، وذلك ما جعل الحكومة التركية تتعاطف بشكل كامل مع الرئيس المصري المعزول ‘محمد مرسي’ .وظهر ذلك من خلال رفضها محاكمة الرئيس ‘مرسي’ لأنها تعتقد أنه مازال على قمة السلطة في بلده ويتمتع بكل الحصانات اللازمة التي يفرضها منصبه، وذلك ما ترفضه الحكومة القائمة في مصر والتي تتهم الحكومة التركية بأنها تحاول تأليب المجتمع الدولي ضد نظامها الحاكم.
ويستدعي ذلك أن نسلط الضوء على تاريخ العلاقة التركية المصرية قبل التوقف عند آثار هذا النزاع بين مصر وتركيا على العلاقة بينهما وتأثير هذا النزاع على المنطقة كلها.
وكما هو معروف فأن هناك علاقات دينية وتاريخية قوية ربطت بين مصر وتركيا، وظلت العلاقات بين البلدين على درجة عالية من الصداقة، لكنها تأثرت في بعض الأحيان بظروف كان لها تأثير على العلاقات الطبيعية بين البلدين، والمعروف أن مصر ظلت على مدى خمسة قرون جزءا من الإمبراطورية العثمانية، وكانت اسطنبول هي مركز الحكم في الإمبراطورية العثمانية، لكن مصر كانت في الوقت ذاته هي عاصمة الثقافة لهذه الإمبراطورية .
أما العلاقات الدبلوماسية الحديثة مع مصر فقد بدأت في عام ألف وتسعمئة وخمسة وعشرين بمستوى القائم بالأعمال ثم تحولت إلى مستوى السفراء في عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين.
وقد وقع البلدان في عام ألفين وخمسة اتفاقية التجارة الحرة بينهما كما تشاركا في كونهما عضوين كاملي العضوية في الاتحاد من أجل المتوسط، وقد طبق البلدان اتفاق الغاز بينهما بتكلفة أربعة مليارات دولار، وفي عام ألفين وثمانية وقعا اتفاقية تفاهم من أجل تحسين العلاقات العسكرية بينهما، ولا يعني ذلك أن العلاقات بين البلدين ظلت دائما حسنة، إذ توترت العلاقات بين تركيا ومصر مرارا خلال الحقبة الناصرية في مرحلتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وهي تشهد الآن هذا الموقف الصعب الذي أدى إلى طرد سفيري البلدين من عاصمتيهما. ويأتي هذا التوتر في مجمله بعد فترة من الانفراجات بين البلدين على المستويات كافة، حتى أن مجلة الديموقراطية بالأهرام ومعهد التفكير الاستراتيجي بأنقرة نظما ندوة من أجل تسليط الضوء على العلاقة بين البلدين، وقد افتتح هذه الندوة بشير عبد الفتاح رئيس تحرير مجلة الديموقراطية الذي طرح مجموعة من التساؤلات تتعلق بالمؤثرات السياسية والاجتماعية في البلدين .
ومن جانب آخر أكد الدكتور ‘يس أكتاي’ رئيس مركز الدراسات التركية أن العلاقات التركية المصرية بدأت تأخذ مسارا قويا في مطلع القرن الحادي والعشرين بسبب ابتعاد الجيش عن السياسة، ولكنه لم يفسر كيف حدث ذلك في وقت نعرف فيه أن الجيش في البلدين كان له تأثير قوي على الأحداث في المشهد السياسي.
ونلاحظ أن هذه الندوة ظلت تتكلم عن التحولات الديموقراطية في البلدين دون أن يكون هناك تعريف واضح لنوع الديموقراطية المقصودة، ذلك أن الممارسات في كلا البلدين لم تكن على المستوى المتعارف عليه في الممارسات الديموقراطية، ومهما يكن من أمر. فإن الكثيرين يجمعون على أن تركيا ترى في هذه المرحلة أنها فقدت كثيرا بإزاحة الإخوان عن السلطة في مصر، وكانت تركيا تأمل في ترسيخ مواقعها في العالم العربي نظرا للتوافق بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والتوجهات التي أفرزتها ثورات الربيع العربي في المنطقة العربية، وأهمها صعود جماعة الإخوان في المشهد السياسي العربي. وبالطبع لا يمكننا أن نتوقف فقط عند الفوائد الاقتصادية التي تجنيها تركيا من علاقتها مع العالم العربي والتي نشطت كثيرا في الآونة الأخيرة وخاصة مع مصر، لأن المهم دائما في علاقات العالم العربي مع تركيا هو موقف تركيا من الكيان الإسرائيلي بسبب انعكاسات ذلك على القضية الفلسطينية، ولا نتوقع تحسنا شاملا بين تركيا والعالم العربي في هذه المرحلة إلا بعد تغيير متكامل للسياسة التركية بشأن إسرائيل، وبالتالي فإن المواقف الهامشية مثل تلك التي حدثت بين مصر وتركيا أخيرا لن تكون أكثر من فقاعات لن تؤثر على الموقف الشامل من الدولة التركية، لكن المواقف المصرية من تركيا ستكون دائما في مركز الاهتمامات العربية وذلك بسبب الثقل المصري ولأن مواقف مصر تشجع كثيرا من الدول العربية على اتخاذ المواقف الصحيحة في مثل هذه الأمور.
‘ كاتب من السودان