خطاب الوحدة الوطنية وتحديات المرحلة الانتقالية في موريتانيا
محمد ولد محمد الأمينخطاب الوحدة الوطنية وتحديات المرحلة الانتقالية في موريتانيا كما هو الحال كل مرة مع أفول الأنظمة الشمولية التي تعتمد الإقصاء والتعتيم وسيلة لإرساء أسباب بقائها، مثل رحيل الرئيس الموريتاني المخلوع معاوية ولد سيد أحمد الطايع الذي احدث رجة كبيرة في المألوف السياسي في البلاد وحرك الكثير من المياه الآسنة التي تخثرت بفعل رتابة اللون الواحد الذي تربع علي أفئدة الناس لأكثر من عقدين من الزمن. وكما كان متوقعا فمنذ الأسابيع الأولي لتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة دخلت البلاد منعطفا جديدا أهم ما يميزه هو رفع سقف الحريات واعتماد الشفافية في إدارة الشأن العام فكان من البديهي أن تعود شياطين الماضي التي رماها النظام السابق في تابوت الصمت من جديد لتكسر حدود الممنوع وتفتح حوارا جديا حول القضايا الوطنية الجوهرية. وما عبارة الشياطين هنا إلا للتدليل علي أن هذه القضايا ظلت تشكل تحديا مستمرا للسلطة وجموحها لنحت نفسها عبر نموذج إلهي لا يقهر ولا يتغير.وما ان نزع غطاء التابوت حتي ظهرت شياطين الفساد والقبلية والترهل الإداري والوصولية وغيرها. إلا أن المارد الأكبر الذي لم يتوان النظام السابق عن اللجوء إلي أبشع الوسائل بما فيها التطهير العرقي لطرده من حظيرة المتداول السياسي كان ولا يزال ما يعرف محليا بالوحدة الوطنية . ومع صعوبة تحديد متي تم تداول هذا المصطلح لأول مرة في الساحة السياسية أو الوقوف علي تطوره عبر المراحل السياسية المضطربة التي مرت بها البلاد إلا أن هناك شبه إجماع علي أنه يشير في عمومياته إلي العلاقة المعقدة بين المكونين العربي والإفريقي، أو بصورة أدق إلي الصراع بين النخب السياسية والإيديولوجية التي تقدم نفسها ممثلا لكلا الطرفين. ومع أن خطاب الوحدة الوطنية يحمل في طياته الكثير من القضايا التي تمس جوهر الدولة الموريتانية كالجدل المحتدم بين اللغة العربية والفرنسية وما يعنيه من اصطفاف عرقي متعلق أساسا بهوية البلاد، إلا أنه قد يمثل فرصة لإعادة تعريف المواطنة وبالتالي بناء الدولة علي أسس مغايرة لما كانت عليه في العقود السابقة منذ نشأتها.ومما لاشك فيه أن الوجود المتواتر والمكثف لخطاب الوحدة الوطنية وطرحه باستمرار من طرف النخب المثقفة والحاكمة علي حد سواء يكشف الغائب والمسكوت عنه في هذا الخطاب، وهو التفرقة العنصرية والشعور بالإقصاء والتهميش علي أساس الاختلاف العرقي. لهذا كانت فترات ازدهار الخطاب وذيوعه في الساحة السياسية متزامنة مع أكثر الأنظمة الحاكمة شمولية وإقصاء. بهذا المعني، فإن ما قد يبدو طوق نجاة تحتمي به البلاد من شبح الفتنة والخوف من التمزق لا يعدو كونه في واقع الأمر خطابا تلوكه الأنظمة الحاكمة للتستر علي سياسياتها الإقصائية من ناحية أو أداة سياسية في يد الطرف الآخر المعارض لمواجهة الحكومة عبر التأكيد علي استهدافه كعرق هامشي غير مرغوب فيه. وفي كلتا الحالتين يظل خطاب الوحدة الوطنية، في السياقات التي عرفتها البلاد، بعيدا عن التعبير عن الكلية الموريتانية وعن إجماع وطني يعطي الفرصة لجميع المكونات الاجتماعية للتعبير عن نفسها في المجال العام. المغالطة الكبري هنا هي أن الأنظمة الشمولية لا تقبل بالرؤي المخالفة إذ هي تقوم علي حقيقة واحدة مركزية تري في الاختلاف تهديدا وفي من لا يسير في ركابها خصما وعدوا. وهي في حربها لاستئصال الخارجين عليها تجيش الشعب تحت شعار الوحدة الوطنية للوقوف ضد من يهددونه – أو من يهددونها بالأحري. هكذا احتل نظام ولد الطايع الريادة في الحديث عن رص الصف الوطني في وجه من يخونون الوطن أو من يشوهون سمعته ، وكانت ترسانة الخطاب المألوفة طيلة الواحد والعشرين سنة التي قضاها في الحكم لا تعني إلا ارتهان الشعب للخوف من أعداء وهميين هم بالدرجة الأولي ضحايا نظام ولد الطايع الدكتاتوري الشمولي. وكان من الضروري أن يكون تأكيد الضحايا علي اختلافهم في وجه آلة الإقصاء هذه محكوما بردة الفعل وبقدر كبير من الوعي بالخصوصية العرقية التي لا تتلاءم في كثير من الأحيان مع خطاب معارض يطرح نفسه كبديل وطني للدكتاتورية.ورغم ذلك فإن خطاب الوحدة الوطنية لا يزال له مكانه إذا أعيد فهمه بالشكل الصحيح خاصة مع تراجع الطرح الإيديولوجي كمحدد أول لهوية الأفراد وبروز ما يمكن القول إنه بداية وعي مدني يتجاوز الأطر التقليدية دون أن يكون قادرا علي التحرر منها بشكل نهائي وكلي. وتأتي هذه المكانة من حقيقة أساسية وجوهرية وهي أن الاختلاف لا يعني الخلاف وأن التعدد والتنوع ليسا مرادفين للتشتت والانقسام. بل إن النسيج الاجتماعي ليس إلا واجهة لتدافع الهويات الفردية المتحررة من ربق الخطاب الوحيد الأوحد الذي لا يعرف نفسه إلا في صراع وتنافر مع الآخر.ففي مجتمع تراتبي تقليدي كالمجتمع الموريتاني لا يعني هذا التحرر مجرد الفكاك من خطاب الاستبداد الحاكم الشمولي كما هو الحال الآن بعد سقوط نظام ولد الطايع بل وأيضا من الخطاب العرقي الإقصائي المتربص دوما بالآخر. ذلك أن خطاب مجتمع البيظان العربي تماما كخطاب المكون الإفريقي الزنجي يبشر بالكثير من الانسجام الوهمي الذي يخفي وراءه كما هائلا من التشتت والفرقة والتناقض. ففي مجتمع البيظان كما في الأفارقة من التناقضات الداخلية والصراعات ما لا يسمح بوجود هوية واحدة مشتركة تكون محل إجماع من كافة مكونات كل منهما. وتكفي الإشارة هنا إلي أن في البيظان طبقات مسحوقة ومهمشة تماما كما في الأفارقة قد لا تفخر بالضرورة بالانتماء إلي أي من المكونين بل قد تري فيهما وسيلة لاستدامة تهميشها وبقائها علي أطراف الحظوة الاجتماعية والسياسية في فضاء لا يزال يتعاطي مع الشأن العام علي أسس تقليدية صرفة. وهو ما يعني أن خطاب العرق هو في جوهره خطاب أقلية متنفذة ومسيطرة تحاول البقاء علي رأس الهرم الاجتماعي عبر خلق إحساس قوي بالهوية للتعويم علي التناقضات الاجتماعية داخل المكون العرقي الواحد. وهنا يلتقي الخطاب العرقي مع السلطوي في الاستنفار الدائم للهوية الجمعية الوهمية للتغطية علي الاستغلال والتهميش اللذين تمارسهما الأقلية علي الأغلبية سواء أكانت هذه الأقلية في سدة الحكم أم في هرم التسلسل الاجتماعي. ولئن كانت مظاهر التمرد والانشقاق قد بدأت في مجتمع البيظان بإعلان ما بات يعرف بالحراطين، وهم أحفاد العبيد القدامي، عن طرح قضيتهم المركزية المتمثلة في العبودية والتهميش الاجتماعي علي الرأي العام بعيدا عن مظلة البيظان إلا أن المجتمع الإفريقي لا يزال بعيدا عن طرق تناقضاته الداخلية ومواجهتها مكتفيا بالحديث عن علاقات التأزم التي ربطته بالآخر العربي أو البيظاني، هذا علي الرغم من أن المجتمع الإفريقي يحمل من التصدع والتلون الإثني والطبقي ما لا يوجد في مقابله العربي. ولما كان خطاب الوحدة الوطنية في أبشع أوجهه مطية لنزوات الاستبداد وأداة في يد السلطة للتغطية علي استهدافها لخصومها أو في أوجهه الاجتماعية تركة تقليدية غير مرغوب فيها تضع التعصب للقوم ومواجهة الآخر حاجزا أمام أي توافق وطني مثمر فإن الوقت قد حان للحديث عن مفهوم أو شعار المجتمع المدني كضامن للتعايش والاستمرارية عوضا عن شعار الوحدة الوطنية. وما يبرر هذا التحول هو أننا الآن بعد تحررنا من خطاب الاستبداد بعد سقوط نظام ولد الطايع أصبح لزاما علينا أن نتحرر من خطاب العرق والفئة الاجتماعية لندشن مرحلة الدولة الحديثة أو ما بات يعرف بالمجتمع المدني. وأول شروط الدخول في هذه المرحلة يتمثل في إعادة تعريف المواطنة عبر التحلل من الانتماءات التقليدية ممثلة في الأطر العرقية والقبلية والفئوية وحتي الطبقية وإعادة الاعتبار للفرد بصفته الوحدة الأولي والأخيرة للمجتمع. ومن جملة ما يعنيه هذا التحول هو الانتقال من الهوية القسرية التي يفرضها المجتمع علي مكوناته إلي الهوية الاختيارية والطوعية والتي لن تتحقق إلا بتحرير الفرد من عبء الموروث الاجتماعي التقليدي وحلقات انتمائه التي لا تنتهي. إن رحيل ولد الطايع قذف بالكرة في مرمي المجتمع وهيئاته وأحزابه السياسية لإحداث قطيعة حقيقية وجوهرية مع دولة الاستبداد التي تدار بالقبيلة والطبقة والعرق وتوظف كافة ألوان الطيف الاجتماعي لبقائها بغية التأسيس للدولة الحديثة ومؤسساتها المدنية القائمة علي تمثيل أفراد يختارونها ويزكونها عبر الآليات الديمقراطية المعروفة والمتداولة. وبالرغم من أن نبرة التفاؤل ضرورية لتفادي التشويش علي المرحلة الراهنة وإحداث انتقال سلس للسلطة من الجيش إلي المدنيين إلا أن التحولات السياسية والحراك المتسارع الذي تمر به الساحة السياسية لا يبشر بالكثير في اتجاه التخلص من تركات الماضي. ويبدو أن ولد الطايع ما كاد يرحل عن السلطة حتي اندفع معارضوه وأنصاره لتقاسم تركته في سباق لاأخلاقي محموم عنوانه الوحيد هو السلطة ولا شيء غير السلطة. وبدل أن تسعي المعارضة إلي تصوير الانتصار علي ولد الطايع علي أنه انتصار علي الفساد محدثة قطيعة نهائية علي مستوي الخطاب والممارسة مع مؤسسات النظام السابق فإنها عمدت علي العكس من ذلك إلي احتضان تركة الفساد لا بل والتعويل عليها لتعزيز حظوظها في الوصول إلي السلطة. فقد بات رؤساء الأحزاب السياسية الكبري والصغيرة يفاخرون بانفتاحهم علي رموز الفساد في النظام السابق وتصوير ذلك علي أنه من قبيل طي صفحة الماضي في حين أن احتضان بطانة ولد الطايع هو بعينه الإبقاء علي هذه الصفحة مفتوحة واغتيال أي أمل في التغيير. وقد بلغ الأمر حدا بات فيه التلفزيون الموريتاني يهب منابره من برامج حوارية وإخبارية للمفسدين السابقين للتنظير حول المستقبل السياسي وإعطاء الدروس حول الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. إن المشهد الخطابي الآن كله مكرس للتصالح مع مسلكيات النظام السابق بين أحزاب تتباهي بالإبقاء علي حبل مشيمتها موصولا بشخصياته ورموزه وإعلام يمطر الرأي العام بذات الشخصيات وكأن شيئا لم يكن.وفي هذا الفضاء الهزلي العبثي لا مناص من تراجع دور الفرد وتغيب البرامج الحزبية التي تعبر عنه لصالح التكتلات القبلية والطبقية والعرقية في عودة بائسة لأنماط العمل السياسي التي جربها الجميع خلال العشرين سنة الماضية من حكم ولد الطايع. ولا يتعلق الأمر هناك بطفرة براغماتية تقتضي التعامل المؤقت مع واقع سياسي مترد للوصول للسلطة وتغييره بعد ذلك، إذ لو كان الأمر كذلك لحافظت هذه الأحزاب علي خطابها السياسي المدني وتعاطت مع الواقع كأداة انتخابية بحتة. ما يحدث هو تحول بنيوي في مسار أحزاب المعارضة وتراجع في خطابها بعدما تنازلت عن المستقبل لصالح تعقيدات الحاضر وأصبحت آلة لتكريس النفوذ بكافة السبل المتاحة مستجدية في ذلك القبيلة والعرق والطائفة وكافة القوي التي بني عليها النظام السابق دعائمه.لدولة الاستقلال في موريتانيا كباقي الدول العربية عيوبها وتناقضاتها المرشحة للتفاقم في غياب سلطة استبداد قوية تفرض تماسك الدولة بالقوة وعدم وجود نظام مؤسسات ديمقراطية بديلة. وبينما ميز خطاب الوحدة الوطنية مرحلة السلطة المركزية التي اختزلت الدولة في السلطة وارتهنت شروط استمرارها ببقاء النظام الحاكم فإن المرحلة الراهنة تفرض تحديات أكبر قد تزج بالبلاد في مرحلة اضطرابات خطيرة إذا لم تحسم النخب السياسية أمرها وتولي ظهرها للمرجعيات والعقليات التقليدية لبناء مجتمع مدني مركزه الفرد الذي لا يدين إلا لحقوقه ولا يؤمن بانتماء آخر لا يتحدد في إطار هذه الحقوق.وكما استهلكت دولة الاستبداد في الوطن العربي نفسها وأخذت في التداعي هنا وهناك بفعل التدخل الأجنبي تارة والحركات التصحيحية من الداخل تارة أخري فإن حظها لم يعد وافرا في موريتانيا كذلك. ولئن كانت نهاية هذه الدولة قد دشنت برحيل نظام ولد الطايع وتراجع خطاب الوحدة الوطنية فإن الكيان الهجين الآخذ في التشكل في المرحلة الراهنة لا يبشر بقيام مجتمع مدني علي أسس سليمة مما يعني الدخول في طريق طويل وشاق قد تكثر مطباته. وقد نشهد عودة أخري للجيش وانقلابات أخري. فما دامت الدولة لم تحم نفسها بصمامات أمان حقيقية مثل القانون والعدل والديمقراطية فهي ستبقي فريسه لصراع القوة والساعين إلي السلطة.ہ كاتب وصحافي موريتاني[email protected]